قصه لأمانى السيد
الجزء الأول
اتجوزته وأنا عندي 18 سنة، وكان هو كل دنياي. بدأنا حياتنا من الصفر، لا شقة جاهزة ولا فلوس متشالة، لكن كان عندنا حلم صغير إننا نبني بيت يفضل واقف مهما هبت عليه الرياح.
ربنا رزقنا ببنت بعد سنة من الجواز، وكانت نور البيت كله. وبعدها ما حصلش نصيب في الإنجاب تاني، فصبّيت كل حبي فيها، وهو في الأول كان بيحبها جدًا، يشيلها على كتفه ويلف بيها الشارع، ويقول للناس دي بنتي وسندي.
السنين جريت، وأنا كنت الزوجة اللي بتصحى قبله، وتحضر فطاره، وتستناه آخر اليوم، وتوفر من مصروف البيت عشان نحقق أحلامنا. مرات كتير كنت أتنازل عن حاجات نفسي فيها عشان هو يكبر في شغله، ولما احتاج رأس مال يوسع تجارته، بعت دهبي كله من غير ما أتردد، وقلت الستر أهم من الذهب.
كبرت بنتنا، وبقت في الثانوية العامة، وكل همي كان أوفر لها هدوء يساعدها تحقق حلمها.
لكن في يوم، رجع البيت وقال بهدوء غريب
أنا عايز أتكلم معاكي.
افتكرت إنه تعبان، أو عنده أزمة في الشغل.
قعد قدامي وقال
إحنا بقينا مختلفين… ومش شايف إننا نكمل.
الكلمات نزلت على قلبي كالصاعقة.
قلت له وأنا مش مستوعبة
يعني إيه؟ بعد خمسة عشر سنة جواز؟
رد بمنتهى البرود
النصيب خلص.
بعد أيام قليلة تم الطلاق في هدوء، من غير خناقات ولا محاكم. خرجت من البيت وأنا ماسكة إيد بنتي، وكل اللي معايا شنطة هدوم، وذكريات عمر كامل.
استأجرت شقة صغيرة، وبدأنا نحاول نتأقلم مع حياتنا الجديدة.
وبعد شهور قليلة، عرفت إنه اتجوز.
العروسة كانت بنت صغيرة في العشرين من عمرها، أصغر مني باثنتي عشرة سنة.
قلت في نفسي دي حياته… وربنا يوفقه.
وحاولت أقنع نفسي إني أقفل الصفحة، وأركز مع بنتي ومستقبلها.
لكن اللي ما كنتش عاملة حسابه، إن حياته الجديدة هتبقى معروضة كل يوم قدام عيني.
كل يوم صورة جديدة…
مرة وهما مسافرين.
مرة في كافيه.
مرة في البحر.
ومرة ماسك إيدها وكأن الدنيا كلها وقفت عليهم.
كانت الصور تنتشر بين الناس بسرعة، وكل شوية حد يبعتها لي أو لبنتي من غير قصد.
وفي يوم، نزل صورة لإيديهم متشابكة.
إيدها صغيرة وناعمة، والخاتم الجديد بيلمع في الشمس.
وكتب فوق الصورة
أول حب.
وقفت أبص للكلمتين وأنا مش قادرة أستوعب.
أول حب؟
يبقى الخمستاشر سنة اللي عشناهم كانوا إيه؟
يبقى البيت اللي بنيناه، والتعب، والشقا، وضحك بنتنا، كانوا إيه؟
قفلت الموبايل وأنا بحاول أتماسك.
لكن بعدها بأيام، ظهرت صورة جديدة.
كان ماسك إيد زوجته، وقربها من شفايفه، بيبوسها بابتسامة هادئة.
وفوق الصورة كتب
تقبيل يديكِ ليس خضوعًا، بل هو فرض عشق لم أذق طعمه من قبل.
فضلت أبص للجملة وقت طويل.
مش لأنها غيرة…
لكن لأنها خلتني أفتكر كل مرة كنت أطلب فيها منه كلمة حلوة، فيبتسم ويقول
إحنا كبرنا على الكلام ده.
عرفت وقتها إن بعض الناس بيتغيروا، أو يمكن يختاروا يطلعوا جانبًا من شخصيتهم مع مرحلة جديدة من حياتهم.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني… مش أنا.
كانت بنتنا.
كانت في أوضتها، بتحاول تذاكر، بينما أصحابها بعتوا لها الصور والاستوريات، وكل واحد بيسألها نفس السؤال
ده باباكِ؟
خرجت من الأوضة وعينيها مليانة دموع حاولت تخبيها.
بصت لي وقالت بصوت مكسور
يا ماما… أنا مش زعلانة إنه اتجوز… دي حياته… بس ليه كل حاجة لازم تبقى قدام الناس؟ ليه كل يوم ألاقي حد باعتلي صورة أو استوري؟ أنا مش عارفة أركز في المذاكرة.
حضنتها بقوة، وربتّ على ضهرها.
وقلت لها
إحنا مالناش دعوة بأي حد… مستقبلك أهم من أي صورة وأهم من أي كلام.
هزت رأسها، لكنها ما قدرتش تمنع دموعها.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
بصيت في الساعة باستغراب.
إحنا ما كناش مستنيين حد…
ولما فتحت الباب…
اټصدمت
موقع أيام نيوز
من الشخص اللي كان واقف قدامي…وقفت مكاني لحظة وأنا ببص للشخص الواقف قدامي.
كانت حماتي.
أم طليقي.
وشها كان باين عليه الإرهاق، وعينيها مليانة كلام كتير قبل حتى ما تنطق.
قالت بصوت هادي
ممكن أدخل يا بنتي؟
اترددت ثانية… لكن في الآخر وسعت لها الطريق.
دخلت وقعدت على طرف الكنبة، وبنتي أول ما شافتها جريت عليها وحضنتها، لأنها كانت أكتر واحدة بتحس بيها من زمان.
فضلت تمسح على شعرها وهي بتقول
ربنا يقويكي يا حبيبتي… ركزي في مستقبلك، وسيبي كل حاجة على ربنا.
بنتي هزت راسها وسابتنا ودخلت أوضتها تاني.
بصيت لحماتي وسألتها
خير؟
تنهدت تنهيدة طويلة وقالت
أنا جاية أعتذر.
استغربت.
تعتذري على إيه؟
قالت وهي منزلّة عينيها
على ابني… وعلى اللي حصل كله.
سكت شوية، وبعدين كملت
أنا نصحته كتير يخلي حياته الخاصة لنفسه، وما يجرحش أم بنته كل يوم بالصور والكلام… لكنه ما سمعش كلامي.
كنت ساكتة… لا عارفة أزعل ولا أتكلم.
طلعت من شنطتها ظرف أبيض وحطته قدامي.
وقالت
ده حق بنتك.
بصيت للظرف باستغراب.
فتحته…
كان فيه إيصال تحويل بمبلغ كبير.
قلت بسرعة
أنا مش هاخد حاجة.
ردت بحزم
ده مش ليكي… ده لبنته. مصاريف دروسها وجامعتها. وأنا اللي أجبرته يحوله.
وقبل ما أرد…
رن موبايلها.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
ردت بسرعة
إيه؟!… حصل إمتى؟
قامت واقفة فجأة.
إحنا جايين حالًا.
قفلت المكالمة، وإيديها بترتعش.
قلت بقلق
في إيه؟
بصت لي وقالت بصوت متوتر
ابني… حصلت له مشكلة كبيرة.
قلبي دق بسرعة، مهما كان هو أبو بنتي.
سألتها
خير؟
قالت وهي بتاخد شنطتها
مش قادرة أشرح دلوقتي… بس اللي أعرفه إن من ساعة نزل آخر استوري، والدنيا اتقلبت فوق دماغه.
وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت جملة خلتني مش قادرة أفهم أي حاجة
في ناس كانوا فاكرين الصور دي مجرد رومانسية… لكن الحقيقة إن الصورة الأخيرة كشفت سر كان مستخبي بقاله شهور.
وسابتني وخرجت.
فضلت واقفة في نص الصالة، والجملة بترن في وداني…
الصورة الأخيرة كشفت سر…
لكن…
يا ترى إيه السر اللي صورة عادية قدرت تكشفه؟ ولمين؟ ولماذا قلب حياته فجأة؟قفلت الباب وأنا عقلي بيلف.
إيه سر ممكن صورة وهي بيبوس إيد مراته تكشفه؟
فضلت ألف بالسؤال ده لحد ما الموبايل بتاعي رن.
كان رقم غريب.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت راجل محترم قال
حضرتك الأستاذة… طليقة الأستاذ؟
قلبي انقبض.
قلت
أيوه.
قال بسرعة
أنا محاسب الشركة اللي بيشتغل فيها… آسف إني بكلم حضرتك، لكن كنت محتاج أوصل لحضرتك حاجة.
استغربت.
إيه هي؟
قال
حضرتك ملكيش أي علاقة بالمشكلة… بس الأستاذ من ساعة ما نشر الصور الأخيرة، حصلت أزمة كبيرة جوه الشركة.
سألته بقلق
أزمة إيه؟
رد
الشركة عندها سياسة واضحة بعدم استعراض الحياة الخاصة أثناء تمثيلها في فعالياتها، وهو كان لابس بطاقة الشركة في الصور اللي انتشرت بشكل واسع، والإدارة استدعته للتحقيق بسبب انتشارها وربطها باسم الشركة.
قفلت المكالمة وأنا مستغربة.
دي كانت المشكلة؟
لكن كلام حماتي كان أكبر من كده بكتير.
بعد أقل من ساعة…
الموبايل رن تاني.
المرة دي كانت بنت أخته.
أول ما رديت قالت وهي بتنهج
خالتي… هو عندكم؟
قلت باستغراب
مين؟
قالت
خالي.
لأ.
سكتت ثواني وقالت
إحنا بندور عليه من الصبح… ساب البيت بعد خناقة كبيرة مع مراته، وقفّل تليفونه.
اټصدمت.
خناقة؟
قالت
أيوه… والسبب الصور نفسها.
افتكرت كل كلمة كان بيكتبها تحت الصور.
كل الرومانسية اللي كان بيستعرضها قدام الناس.
قلت
بس الصور كانت معاها هي!
ردت
وده اللي استغربناه كلنا… لأن اللي بيتصور قدام الناس حاجة، واللي بيحصل جوه البيت حاجة تانية.
قبل ما أسألها أي سؤال، سمعت صوتها وهي بتقول لحد جنبها
لقيت العربية!
وقفلت السكة.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش فاهمة.
بعد دقائق…
بنتي خرجت من أوضتها وقالت
ماما… في حد باعتلي رسالة.
أخدت منها الموبايل.
الرسالة كانت من رقم مجهول، ومفيهاش غير صورة واحدة.
فتحتها…
كانت نفس صورة الاستوري اللي كان بيبوس فيها إيد مراته.
لكن الصورة دي كانت كاملة، مش مقصوصة زي اللي نزلها.
ولما ركزت فيها…
لاحظت تفصيلة صغيرة جدًا في خلفية
الصورة…
تفصيلة
محدش انتبه لها قبل كده…
لكن أول ما شفتها، عرفت إنها هتقلب حياة ناس كتير رأسًا على عقب أخدت الموبايل من إيد بنتي، وكبرت الصورة بإصبعي.
في الأول ما شفتش حاجة.
لكن مع كل تكبير، بدأت التفاصيل تبان.
خلفهم كان فيه باب زجاجي كبير، بيعكس اللي واقف في المكان.
وفي انعكاس الباب… ظهر شخص واقف على مسافة قريبة منهم، ماسك موبايله وكأنه بيصورهم.
الغريب إن ملامحه كانت واضحة.
وأول ما ركزت…
عرفته.
كان والد العروسة.
استغربت جدًا.
إيه اللي يخليه واقف يراقبهم بالطريقة دي؟
وقبل ما ألحق أفكر، لقيت رسالة تانية وصلت من نفس الرقم.
مفيهاش غير سطر واحد
كبّري الصورة أكتر… وابصي على اللي في إيد الراجل.
قلبي بدأ يدق.
كبرت الصورة مرة تانية.
الراجل كان ماسك موبايل في إيد…
وفي الإيد التانية ملف بني كبير، خارج منه مجموعة أوراق.
على أول ورقة كان ظاهر جزء من ختم رسمي، لكن الكتابة مش واضحة.
كنت لسه بحاول أفهم، لقيت الموبايل بيرن.
نفس الرقم المجهول.
رديت بحذر
مين؟
جالي صوت راجل كبير في السن.
قال بهدوء
أنا اللي بعتلك الصور.
قلت بسرعة
إنت مين؟
رد
مش مهم أنا مين… المهم إنك تعرفي إن في ناس بتعيش قدام الكاميرا بشكل، ولما الكاميرا تقفل يبقى شكل تاني خالص.
سألته
إنت عايز مني إيه؟
قال
ولا حاجة… بس احتفظي بالصور دي، لأن الأيام الجاية هتعرفي قيمتها.
وقفل الخط.
فضلت باصة للموبايل، وعقلي مليان أسئلة.
مين الراجل ده؟
وليه اختار يبعت الصور ليا أنا؟
وليه قال أحتفظ بيها؟
في نفس اللحظة، سمعت صوت عربية وقفت تحت البيت.
بنتي بصت من الشباك، وقالت باستغراب
ماما… دي عربية بابا.
جريت ناحية الشباك.
كان نازل من العربية بسرعة، ووشه شاحب بشكل عمري ما شفته عليه.
رفع عينه ناحية شقتنا…
وكأنه جاي مخصوص عشان يقول حاجة مهمة جدًا.
وقبل ما يوصل لباب العمارة…
وقفت قدامه عربية تانية، ونزل منها ثلاثة رجال بملابس رسمية.
نادوا عليه باسمه، وطلبوا منه يقف مكانه.
اتجمد في مكانه…
وأنا من الشباك حسيت إن الدقائق الجاية هتغير مجرى حياة الجميع اتسمرت مكاني وأنا شايفة المشهد من البلكونة.
الرجالة وقفوه بكل هدوء، واحد منهم طلع بطاقة تعريف وورها له، فهز راسه من غير أي مقاومة.
جسمي كله كان بيترعش، مش خوفًا عليه، لكن خوفًا من إن بنتي تشوف المنظر ده.
شدّيتها بعيد عن الشباك وقلت
تعالي يا حبيبتي… بلاش نبص.
لكنها كانت أسرع مني، ولمحت أبوها واقف تحت.
همست وهي متوترة
بابا جاي هنا ليه؟
لسه هرد، لقيت جرس الباب بيرن پعنف.
بصينا أنا وهي لبعض.
قلبي كان بيدق بسرعة.
مشيت ناحية الباب، وسألت
مين؟
جالي صوته من بره…
أنا.
صوته كان مكسور لأول مرة من سنين.
فتحت الباب بحذر.
دخل بسرعة، وبص وراه كذا مرة، كأنه خاېف حد يكون لحقه.
وشه كان شاحب، وهدومه مكركبة، ومفيش أي أثر للثقة اللي كان بيظهر بيها في الصور.
أول ما شاف بنته، وقف مكانه.
فضل يبصلها ثواني طويلة، لكن هي حولت وشها الناحية التانية.
مد إيده كأنه هيطبطب عليها، لكنها رجعت خطوة لورا.
قال بصوت مخڼوق
عاملة إيه يا حبيبتي؟
ردت من غير ما تبص له
الحمد لله.
الكلمتين كانوا أقسى من أي عتاب.
نزل بعينه في الأرض.
وبعدين بص لي وقال
ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟
بصيت لبنتي وطلبت منها تدخل أوضتها شوية.
أول ما قفلت الباب، سكت كام ثانية، وبعدها قال
أنا عارف إنك مش هتصدقيني… لكن أنا غلطت لما خليت حياتي الخاصة على السوشيال ميديا.
قلت ببرود
وده اللي جاي تقول عليه؟
هز راسه بالنفي.
لأ… أنا جاي أحذرك.
اتعقد حاجبي.
تحذرني من إيه؟
قرب صوته وقال
في حد بيبعتلك صور ورسائل… صح؟
اټصدمت.
إنت عرفت منين؟
قال بسرعة
لأن الشخص ده بعتلي أنا كمان.
سكت لحظة، ثم أخرج موبايله من جيبه.
فتحه، ووراني رسالة وصلت له من رقم مجهول.
كان مكتوب فيها
الحقيقة لسه ما ظهرتش… والمرحلة الجاية هتبدأ لما توصل الصور للطرف التالت.
رفعت
عيني أبص له.
قلت
يعني إيه الطرف التالت؟
بلع ريقه، وقال بصوت خاڤت
معرفش… لكن حاسس إن في حد بيراقب كل خطوة، وبيحاول يوقع بين كل الناس.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب مرة تانية.
المرة دي كان الرنين هادئًا.
بصينا أنا وهو لبعض.
مشيت ناحية الباب، وفتحته بحذر…
فاټصدمت لما لقيت زوجته الجديدة واقفة، وعينيها مليانة دموع، وقالت أول ما شافتني
أنا لازم أقول الحقيقة… قبل ما حد تاني يقولها بصيت لها في صمت.
كانت واقفة على الباب، وشها شاحب، وعينيها باين عليهم إنها ما نمتش من يومين.
أما هو، فبمجرد ما شافها، اتغيرت ملامحه وقال بحدة
إنتِ إيه اللي جابك هنا؟
ردت عليه وهي بتحاول تتمالك نفسها
جيت أتكلم… لأن السكوت بقى هيضيع الكل.
قلت لها بهدوء
اتفضلي.
دخلت وهي مترددة، وقعدت على طرف الكرسي، وإيديها بتترعش.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدها قالت
أنا عارفة إن حضرتك شايفة إني السبب في كل اللي حصل… ويمكن عندك حق تزعلِي مني. لكن أقسم بالله، أنا ما كنتش متخيلة إن حياتنا هتبقى بالشكل ده.
هو قاطعها بعصبية
مش وقت الكلام ده.
بصت له وقالت
بل ده وقته.
سكت المكان كله.
ثم كملت
أنا من أول الجواز قلتلك بلاش تنزل كل حاجة على السوشيال ميديا… بلاش كل يوم صورة واستوري وكلام رومانسي. كنت بقولك حياتنا لينا، مش للناس.
أنا بصيت له.
ما ردش.
كملت وهي ماسكة دموعها
كل صورة كنت بتنزلها كانت بتجيب آلاف التعليقات… وكل مرة كنت أقولك كفاية، تقول لي سيبي الناس تفرح.
نزل رأسه في الأرض.
قالت
إنت كنت فاكر إن الإعجابات دي هتسعدك… لكنها دخلت ناس في حياتنا ما نعرفهمش.
سألتها
تقصدي مين؟
ردت
الرقم المجهول اللي بعتلك الصور… بعتلي أنا كمان.
فتحت موبايلها، وورتهولي.
كانت نفس الرسائل تقريبًا، لكن آخر رسالة كانت مختلفة.
مكتوب فيها
استعدوا… أول مفاجأة هتوصلكم بكرة الساعة عشرة الصبح.
أنا وهو بصينا لبعض.
قلت
يعني حد بيتعمد يخوفكم.
هزت رأسها.
وقالت
ومن ساعتها وأنا مش عارفة أنام.
في اللحظة دي، خرجت بنتي من أوضتها.
كانت واقفة على باب الأوضة، وباصّة لأبوها.
هو أول ما شافها، قام وقف.
وقال بهدوء
ممكن أكلمك دقيقة؟
بصت له، وسكتت شوية، وبعدين قالت
بعد امتحاناتي.
الجملة كانت قصيرة…
لكنها حملت ۏجع شهور.
نزل رأسه، وقال
من حقك.
وقبل ما حد يتكلم…
وصل إشعار على موبايله.
فتحه.
واتغير لون وشه فجأة.
بص للشاشة، وبعدها رفع عينه علينا.
قلت بقلق
في إيه؟
ابتلع ريقه وقال بصوت مرتعش
الصور… مش على الفيس بس.
سألته
يعني إيه؟
لف الموبايل ناحيتنا.
وكانت المفاجأة…
كل الصور والاستوريات الخاصة بيهم، ومعاها رسائل مجهولة، اتجمعت في منشور واحد، وبدأ ينتشر بسرعة بين آلاف الناس، ومع آخر المنشور مكتوب
غدًا… سيتم نشر ما لم يتوقعه أحد.
وساد البيت صمت ثقيل…
وكل واحد فينا كان بيسأل نفسه نفس السؤال
مين الشخص اللي بيدير اللعبة دي؟ ولماذا اختار يبدأها الآن؟فضلنا كلنا ساكتين.
كل واحد ماسك موبايله، وكل دقيقة عدد المشاركات بيزيد.
الغريب إن المنشور مكنش فيه إساءة ولا ألفاظ خارجة، لكنه كان بيجمع كل صورهم العامة اللي هما بنفسهم نشروها، ويحطها جنب بعضها، وكأن حد كان بيراقب كل خطوة من أول يوم.
قالت زوجته الجديدة وهي بتمسح دموعها
أنا قلتلك مية مرة… الحياة مش محتاجة جمهور.
هو قعد على الكرسي وحط إيده على راسه.
واضح إنه لأول مرة بدأ يحس إن اللي كان بيعتبره مجرد صور عادية، بقى عبء عليه وعلى اللي حواليه.
في اللحظة دي، بنتي خدت نفس عميق وقالت
أنا داخلة أكمل مذاكرة.
كلنا بصينا لها.
قالت وهي واقفة عند باب أوضتها
أنا تعبت من إن حياتي تبقى مربوطة بمنشور أو استوري. عندي امتحانات أهم.
دخلت وقفلت الباب بهدوء.
الجملة دي هزت المكان كله.
حتى أبوها فضل باصص لباب الأوضة، وعينيه مليانة ندم.
بعد حوالي ساعة، قام وقال
أنا همشي.
وقبل ما يفتح الباب، بص لي وقال
لو احتاجت أي حاجة تخص الدراسة…
بلغيني.
رديت بهدوء
اللي
محتاجاه بنتك دلوقتي مش فلوس… محتاجة تحس إن أبوها فاكرها.
ما ردش.
اكتفى إنه هز راسه وخرج.
في اليوم التالي، من بدري، كنت بجهز الفطار لبنتي قبل ما تنزل المراجعة.
الساعة كانت قرب العشرة.
افتكرت الرسالة اللي قالت
غدًا الساعة عشرة.
بصيت للموبايل بتوتر.
أول ما الساعة جابت عشرة بالضبط…
وصل إشعار جديد.
لكن المرة دي، الرسالة كانت ليا أنا فقط.
فتحتها.
كان فيها ملف PDF بعنوان
خمسة عشر عامًا… كما لم يروها أحد.
وتحت العنوان جملة واحدة
قبل ما تفتحي الملف… اسألي نفسك هل أنتِ مستعدة تعرفي الحقيقة كاملة؟
وقفت مكاني، وإيدي اتجمدت فوق الشاشة.
لو فتحت الملف…
يمكن أعرف حاجات تغيّر نظرتي لكل اللي حصل.
ولو ما فتحتوش…
هفضل عايشة وسط أسئلة ملهاش إجابة.
وفي اللحظة اللي كنت هضغط فيها على الملف…
سمعت صوت بنتي بتناديني من أوضتها بصوت مليان خوف
ماما… تعالي بسرعة!جريت ناحية أوضة بنتي وأنا سايبة الموبايل على الترابيزة.
دخلت لقيتها واقفة قدام اللابتوب، ووشها لونه متغير.
أول ما شافتني قالت
ماما… بصي.
بصيت على الشاشة.
كانت فاتحة موقع النتيجة التجريبية اللي المدرسة منزلاه للمراجعة، لكن عينيها ما كانتش على النتيجة.
كانت على نافذة صغيرة ظهرت فجأة فيها رسالة من الحساب المجهول.
مكتوب فيها
مستقبلك أهم من أي خلاف بين الكبار… اقفلي الرسالة وكملي مذاكرة.
استغربت جدًا.
قلت
هو إزاي بعتلك على اللابتوب؟
هزت كتفها وقالت
معرفش… أنا أصلاً ما فتحتش أي حاجة.
قفلت الرسالة فورًا، وقلت لها بحزم
ولا تردي على أي حد، ولا تفتحي أي لينك. ركزي في امتحاناتك وبس.
هزت رأسها.
رجعت للصالة، ومسكت الموبايل تاني.
بصيت للملف… لكن قبل ما أفتحه، رن تليفوني.
كان المتصل طليقي.
رديت.
قال بصوت هادئ لأول مرة من شهور
لو سمحتي… ما تفتحيش الملف دلوقتي.
قلت باستغراب
ليه؟
قال
لأني وصلني نفس الملف.
سكت ثانية، ثم أكمل
وقبل ما أفتحه… جالي اتصال من شخص قالي لو عايز تعرف الحقيقة، اقرأه لوحدك، ومتشاركوش مع حد.
سألته
فتحته؟
قال بعد صمت طويل
لأ… خۏفت.
دي كانت أول مرة أسمعه يعترف بالخۏف.
قلت
وأنا كمان لسه ما فتحتهوش.
رد بسرعة
استني… خلينا نفهم الأول مين اللي ورا كل ده.
وقبل ما أقفل معاه، سمعته بيقول
في حاجة غريبة حصلت.
قلت
إيه هي؟
قال
أنا سألت كذا واحد من أصحابي… كلهم أكدوا إنهم شافوا الصور، لكن محدش فيهم يعرف مين أول واحد نشرها.
سكتنا إحنا الاتنين.
لأن ده معناه إن الموضوع أكبر من مجرد شخص بيبعت رسائل.
وفي نفس اللحظة…
وصل إشعار جديد على موبايلنا إحنا الاتنين في نفس الدقيقة.
فتحت الإشعار.
كانت رسالة قصيرة جدًا
الساعة الثامنة مساءً… ستعرفون لماذا بدأ كل هذا.
رفعت عيني للسقف وأنا حاسة إن اليوم لسه مخبي مفاجآت كتير…
لكن اللي ما كنتش أعرفه، إن الساعة الثامنة مش هتجيب إجابة واحدة…
بل هتفتح بابًا لأسئلة أكبر النهاية
اليوم كله عدى ببطء.
الساعة كانت بتقرب من الثامنة، وكل دقيقة كانت أطول من اللي قبلها.
أنا وبنتي قاعدين في الصالة، وهي بتحاول تراجع آخر درس قبل الامتحان، وأنا عيني على الموبايل.
أول ما الساعة جابت الثامنة…
وصلت رسالة أخيرة.
مفيهاش صور.
ولا ټهديد.
ولا ملفات.
كان فيها سطر واحد فقط
بعض الناس لا يدركون قيمة النعمة إلا عندما يحولون حياتهم إلى عرض أمام الجميع.
وبعدها مباشرة…
اختفى الحساب.
واتقفلت كل الصفحات اللي كانت بتنشر الصور، وكأنها ما كانتش موجودة أصلًا.
بعد أيام، عرفنا إن اللي كان بيرسل الرسائل شخص مجهول استغل كل ما نُشر علنًا على مواقع التواصل، وجمعه مع بعض ليُلفت الانتباه إلى مخاطر تحويل الحياة الخاصة إلى محتوى للجميع. لم تُعرف هويته، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
أما طليقي…
فكانت الصدمة الحقيقية بالنسبة له مش الرسائل، ولا المنشورات.
كانت بنته.
راح لها بعد آخر امتحان، مستنيها قدام المدرسة.
أول ما خرجت، وقف قدامها وقال
ممكن تسامحيني؟
بصت له بعين هادية وقالت
أنا زعلانة منك… مش علشان اتجوزت، دي حياتك وربنا يوفقك. أنا
زعلانة لأنك نسيت إن عندك بنت كانت محتاجة كلمة حلوة في أصعب سنة في عمرها.
الكلمات نزلت عليه كأنها جبل.
أول مرة يبكي قدامها.
قال
معاكي حق… وأنا غلطت.
مد إيده، وبعد لحظة تردد، مسكتها.
مش لأنها نسيت.
لكن لأنها اختارت ما تخليش الكراهية تعيش في قلبها.
أما أنا…
رجعت بيتي، ووقفت قدام المراية.
بصيت لإيديا.
إيدين مليانين آثار سنين من الطبخ، والغسيل، والتعب، وتربية بنتي.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
افتكرت الصورة اللي كسرتني…
الصورة اللي كان بيبوس فيها إيد زوجته، وكاتب
تقبيل يديكِ ليس خضوعًا، بل هو فرض عشق لم أذق طعمه من قبل.
وقتها كنت فاكرة إن قيمتي اتقاست بكلمة كتبها على استوري.
لكن الحقيقة…
إن قيمة الإنسان عمرها ما كانت في بوست، ولا لايك، ولا صورة.
قيمته في المواقف.
في الوفاء.
في الرحمة.
وفي أثره الطيب في حياة اللي حواليه.
بعد شهرين…
ظهرت نتيجة الثانوية العامة.
دخلت بنتي كلية كانت بتحلم بيها من سنين.
ويوم إعلان النتيجة، كانت أول مرة أشوف الفرحة الحقيقية في عينيها من وقت الطلاق.
طليقي حضر يبارك لها، وجاب لها هدية بسيطة، وقعد معاها يتكلم ساعات، بعيدًا عن الكاميرات، وبعيدًا عن السوشيال ميديا.
ومن يومها…
اختفت كل الصور الاستعراضية من صفحته.
وبقى يحافظ على خصوصية بيته وحياته.
يمكن اتأخر في فهم الدرس…
لكنه فهمه.
أما أنا…
فما رجعتلوش، وما تمنيتش يرجع.
كل واحد كمل طريقه باحترام، وبنتنا فضلت الجسر اللي بيربط بينا.
واتعلمت درسًا عمري ما هنساه
اللي يبني سعادته على إعجاب الناس، يفضل طول عمره محتاج تصفيقهم… أما اللي يبنيها على راحة ضميره، فبيكسب حتى لو الدنيا كلها سكتت.
تمت.

