فى مطار القاهرة الدولي بقلم منال عباس الاول

فى مطار القاهرة الدولي بقلم منال عباس

الاول

كانت لحظات الوداع في مطار القاهرة الدولي مسرحية كبيرة، وأنا بلعب دور البطولة فيها بامتياز. واقفة في حضن أحمد، جوزي، ودموعي نازلة زي الشلال، وهو بيودعني عشان “تكليف العمل” اللي مدته سنتين في زيوريخ. كل اللي حوالينا كانوا شايفين الست المصرية الأصيلة اللي بتودع حبيب قلبها وعينها، وبتدعي له بالسلامة والنجاح. يا عيني عليهم، ما يعرفوش إن القصة الحقيقية بدأت قبل تلات أيام، وان كل دمعة نزلت مني كانت ميكس من قهر وغضب ونار قايدة جوايا. ساعة ما طيارته طلعت، كنت أنا خلاص كشفت اللعبة كلها؛ عرفت حكاية الشقة الفاخرة في التجمع، والست التانية الحامل، والحياة الجديدة اللي كان راسمها لنفسه على حسابي ومن ورايا. هو كان فاكر إنه سيبني مكسورة الجناح ومستنياه، بس ما كانش عارف إني كنت بحضر “العين الحمرا” عشان أهد المعبد على دماغه وأدمر المستقبل اللي بانيه على الكدب والخداع.
يوم ما انتهت حياتي الزوجية، بدأ في صالة المغادرة بمطار القاهرة، زحمة رهيبة، دوشة الشنط وهي بتجر على الرخام، نداءات الركاب، وصوت الميكروفون اللي بيصدع، وناس بتجري تلحق طياراتها. في نص الدوامة دي، كنا أنا وأحمد واقفين. لف دراعاته حواليا وضمني لصدره بحنية مصطنعة. همس في ودني، وهو بيزيح خصلة شعر كانت نازلة على وشي، “يا حبيبتي متقلقيش، كل حاجة هتبقى تمام، دي فترة وهتعدي.” رفعت عيني أبص له والدموع مغرقاهم. “سنتين دول يا أحمد كأنهم عمر بحاله.” مسح دموعي بصوابعه برقة، وقال بصوته الدافي المقنع: “عارف، بس دي ترقية هتغير مستقبلنا كله، سويسرا فرصة ما تتفوتش.” ابتسم ببرود، وأنا من كتر الصدمة والوجع كنت هموت من الضحك على تمثيليته. بدلت الضحكة باني دفنت وشي في صدره، وقولت بصوت واطي: “هتوحشني موت.” رد عليا وهو بيطبطب على ضهري: “انتي مش هتحسي بغيابي أصلًا، الوقت هيجري.” وباس جبيني قبل ما يبعد سِنة. همست تاني: “كلمني كل يوم، اطمن عليك وتطمن عليا.” قال بوعد كداب: “أكيد، أوعدك.” “خلي بالك من نفسك يا حبيبي.” “بحبك أوي.” الكلمة دي، اللي كانت زمان بتدفي قلبي، حسيت إنها سم زعاف خارج من لسانه. بصيت له وغصبي عني قلت له: “وأنا كمان بحبك، يا غالي.” أكبر كذبة اتقالت في تاريخ جوازنا. فضلت واقفة مكاني، متابعة ضهره وهو ماشي ناحية بوابة التفتيش الأمني، في نص الطريق لف وبص لي ولوح بإيده. رديت له التحية، وبعدها اختفى وسط الزحمة. في اللحظة اللي تاهت فيها عيني عن عينيه، نشفت دموعي. بالكامل. وقفت زي التمثال اللي مبيحسش. مديت إيدي في شنطة إيدي، طلعت منديل، ومسحت وشي ببرود وهدوء تام، كأني كنت بمسح تراب من على قميصي. الحزن اتبخر، واتحول لشيء أبرد من التلج.
قبل تلاتة أيام، كان أحمد بياخد شاور، وفجأة موبايله اللي كان مفتوح على المكتب وعليه كلمة مرور أنا كنت عارفاها، نورت بنوتيفيكيشن إيميل. العادي بتاعي إني مش بمد إيدي على حاجة تخصه، بس اليوم ده قلبي كان مقبوض وحسيت بسوسة بتلعب في مخي، إحساس داخلي بيقولي إن في حاجة غلط بتحصل من ورا ضهري. فتحت الموبايل وشفت الإيميل المفتوح. ما كانش فيه أي عقد عمل في زيوريخ، ولا نقل دولي، ولا تفاصيل تأمين طبي في أوروبا. بدل كل ده، لقيت عقد إيجار موثق لشقة فاخرة في مجمع سكني غالي جداً في القاهرة الجديدة، ومكتوب إن تاريخ الاستلام قريب. معدتي حسيت بيها اتقلبت كإني ركبت لعبة ملاهي خطيرة. قلبي دق بطريقة تخوف. ولما كملت قراية، لقيت المفاجأة اللي خلتني أقع على الكرسي. كان مكتوب اسم تاني في العقد غير اسم أحمد، اسم “رانيا الصواف”. دي زميلته في الشركة، الست اللي كان دايماً يحلف لي إنها “مجرد زميلة شغل” وعلاقتهم رسمية جداً. وكان مع عقد الإيجار وثيقة طبية تانية، موعد ولادة قريب. كانت حامل. وفي الشهر التالت كمان. حامل من جوزي. فضلت مسمرة وشفتي على الشاشة، حاسة إن عالمي كله بيتهد فوق راسي، وكأني في فيلم رعب بس الحقيقي فيه مرير وصادم.
الخطة اللي راسمها كانت مرعبة في بساطتها وغدرها. يقنعني إنه مسافر أوروبا، يختفي هو ويروح القاهرة الجديدة ويبدأ عيلة جديدة تماماً، وأنا أفضل قاعدة في بيتي زي المخلصة مستنية جوزيف وهمي ما كانش ناوي يرجع لي أصلاً. والأسوأ من كده، كان ناوي يمول الحياة الجديدة دي بمدخراتنا المشتركة، حسابنا اللي بنحط فيه كل قرش بنكسبه. المبلغ كان كبير، اتنين مليون وسبعمائة وخمسين ألف جنيه مصري. معظم الفلوس دي جات لي من الميراث اللي والدي سابهولي، وتمن الشقة اللي بعتها قبل ما نتجوز، والباقي كان من شغلي واستثماراتي اللي تعبت فيها قبل ما أحمد يدخل حياتي بكتير، حتى قبل ما نعرف بعض. كان فاكر إنه بالهدوء ده هيقدر يحول كل الفلوس دي لحسابه الخاص أول ما أودعه في المطار ويقلب لي وش التعبان، بعد ما يبوسني ويقول لي إنه بيحبني. بس هو كان غلطان، كان مقل من ذكائي ومستهين بيا جامد. לא عشان أنا أذكى منه، بس عشان هو في غروره وعماه ما خطرش في باله للحظة إني ممكن أكشف اللعبة قبل ما يسافر.
الركبة في الطريق وأنا راجعة من المطار كانت في صمت تام. كتمة رهيبة خنقت العربية كلها. لا أغاني، ولا إذاعة، ولا حتى صوت الهوا اللي داخل من الشباك، بس صوت أفكاري المرعبة اللي بتدور في دماغي زي الإعصار. لما دخلت البيت، ما خلعتش بالطو الخروج، ولا حتى جزمتي. طلعت جري على المكتب، فتحت لابتوبي، ودخلت على حسابنا البنكي المشترك أونلاين. الرقم كان ظاهر قدام عيني بوضوح وبشعة: 2,750,000.00 EGP. فضلت مبحلقة في الأصفار والأرقام دي لمدة طويلة، أعد فيهم واتأكد إني مش بحلم، وإني صاحية في كابوس مش فيلم سينما. ضربات قلبي كانت منتظمة، قوية وثابتة، مش زي رعشة الخوف اللي حسيت بيها الصبح. إيدي ما كانتش بترعش ولا هزة صغيرة. وكنت خلاص بطلت أكون مكسورة القلب؛ كنت غاضبة، نار الغضب كانت قايدة جوايا ومخلياها قوية، غضب هادي ومحسوب، غضب عايز ياخد حقه تالت ومتلت. “كنت عايز بداية جديدة يا أحمد، ها؟” همست في الأوضة الفاضية، وصوتي كان بيرجع لي كإنه صدى من العالم السفلي. فتحت نافذة بنكية جديدة على الموقع، ودخلت بيانات حسابي الشخصي اللي مكنش يعرف عنه غير النذر اليسير، وكتبت مبلغ التحويل كله. المبلغ بالكامل: 2,750,000.00 EGP. إيدي كانت بتترعش سنة من الأدرينالين وهي بتدوس على زرار التأكيد بالماوس. في اللحظة اللي ضغطت فيها، حسيت كإني بطفي فيوز النور في عالمي القديم وببدا عالم جديد تماماً. في الوقت ده، برة البيت والشمس كانت ساطعة، وأحمد أكيد كان ممدد في درجة رجال الأعمال في الطائرة، متطمن ومقتنع إن زوجته المسكينة اللي مبيشكش فيها قاعدة في البيت بتعيط على فراقه، ومتطمن إن خطته مشيت زي السكينة في الحلاوة، ومتأكد إنه فاز بالماتش خلاص. كان مستني يبعت لي رسالة من زيوريخ بس أنا كنت جاهزاله بحاجة أكبر من الرسالة. صباعي كان لسه حام فوق الماوس، والعملية تمت بنجاح. وبعد ثانية واحدة، رن موبايلي. رقم مجهول، مش متسجل عندي. رسالة قصيرة واحدة بس، جات لي في ثانية. كانت بتقول: “رانيا بتقول لك مش أنت لوحدك اللي بتعرف تخطط، ولا إحنا اللي بنخاف.” قلبي نزل لرجلي، ورجعت خطوة لورا. حسيت ببرودة الموت مسكتني، ورعشة حقيقية رجعت في جسمي. وبعدها، في صورة اتبعتت تحت الرسالة. الصورة كانت لصفحة تانية في العقد، عقد الإيجار اللي أنا مكنتش شفته كويس قبل كده، ومكتوب فيه شرط غريب، شرط جزائي لو حد فيهم فسخ العقد قبل مدته، ومكتوب تحت، بخط أحمد وإمضائه، اسم “شريف الشرقاوي”، صديقه القديم والمحامي بتاعه، ومأكد عليه بالتاريخ، التاريخ اللي أنا عملت فيه التحويل. اللحظة اللي فتحت فيها الصورة، عرفت إن دمي كله اتحول لثلج. بقلم منال عباس

الصورة اللي ظهرت على شاشة موبايلي خلت الدنيا تلف بيا، مكنتش مجرد صورة، كانت سكرين شوت لمحادثة واتساب بين أحمد وشريف، المحامي بتاعه، ومكتوب فيها نصاً: “الخطة ماشية زي ما اتفقنا، هي فاكرة إني مسافر، وأول ما الفلوس تدخل الحساب التاني بتاعها، هتكون هي اللي أعلنت إفلاسها قانوناً عشان أنا مجهز تهمة اختلاس وتزوير ضدها، وكل ده عشان رانيا تبدأ حياة نظيفة وأنا أخرج من الجوازة دي ومعايا كل حاجة”. البرود اللي في كلامه كان بيحرق أعصابي، الراجل ده مش بس كان ناوي يطلقني ويسيبني، ده كان عايز يدمر حياتي المهنية ويحبسني عشان يغطي على قذارته. قفلت الموبايل وإيدي بتترعش، بس الغضب اللي جوايا اتحول فجأة لبرود قاتل، زي “جيم أوفر” في لعبة كنت فاكرة إني بلعبها بس اتضح إني كنت الضحية. قعدت على المكتب، شغلت اللابتوب تاني، وبدأت أراقب حركة حسابه هو، وبما إني كنت عارفة كل الباسوردات بتاعته، دخلت على تطبيق البنك بتاعه، لقيت إنه كان بيحول مبالغ صغيرة بشكل يومي لحساب “خارجي” أنا ما كنتش أعرف عنه حاجة. تتبعت حركة الحساب ده، ولقيت إن الحساب ده مربوط بمحفظة إلكترونية بتستخدم في شراء عملات رقمية مشفرة، يعني أحمد كان بيحاول يغسل الفلوس دي عشان محدش يعرف يوصلها. ابتسمت ابتسامة صفرا، وأنا بقول لنفسي: “برافو يا أحمد، طلعت أذكى من العادي، بس نسيت إن مراتك خريجة حاسبات ومعلومات ومش أي حد يضحك عليها”. بدأت في “الخطة ب”، دخلت على السيستم بتاع الشركة اللي شغال فيها أحمد، وبما إني كنت مبرمجة وبدخل أساعده في شغله أحياناً، كان ليا صلاحيات دخول مخفية. لقيت إيميلات متبادلة بينه وبين رانيا فيها تفاصيل سرقة أفكار مشاريع للشركة وتبييض أموال لحسابات تانية بره مصر. كانت دي “القاضية”، لو الإيميلات دي وصلت لمدير الشركة، أحمد مش بس هيترفد، ده هيترمي في السجن سنين. فضلت أسمع صوت تنبيهات الإيميلات وهي بتتحمل عندي، قلبي كان بيدق زي الطبول، بس عقلي كان شغال زي الساعة. فجأة، سمعت صوت رنة موبايلي تاني، رسالة من رقم مجهول: “أحمد عرف إنك شفتي الحساب، هو دلوقتي في الطيارة بس بيكلم شريف عشان يبلغ عنك دلوقتي فوراً، قدامك أقل من ساعة قبل ما البوليس يخبط على بابك”. قمت من مكاني، لبست الكوتشي بتاعي، وجمعت أهم أوراقي، وخدت الهارد ديسك اللي عليه كل الأدلة اللي تدينه. خرجت من البيت، ركبت عربيتي، وقررت إني مش هفضل مستنية الضربة، أنا اللي هبدأ الهجوم. اتصلت بمدير أحمد، وقلت له بصوت هادي: “يا فندم، أنا عندي ملف هيدمر سمعة الشركة لو ما اتحركتش فوراً، وأحمد وجوه هو المتورط الأول”. المدير كان مذهول، بس لما بعت له أول إيميل كـ “عينة”، سكت خالص وقال لي: “أنا جاي لك المكتب دلوقتي”. أحمد كان فاكر إنه بيلعب “تريلير” فيلم أكشن، بس ما كانش عارف إن بطلة الفيلم قررت تغير السيناريو وتخليه فيلم رعب عليه هو. وقفت قدام مراية الأسانسير، بصيت لنفسي، ومسحت باقي أثر دموعي، وكتبت حالة على الواتساب للكل يشوفها: “البدايات الجديدة دايماً بتحتاج تنظيف قوي”. سقت العربية وأنا حاسة بانتصار ملوش وصف، أحمد كان بيطير فوق السحاب، بس كان بينزل لساحة معركة هو اللي بناها بإيده، والمرة دي، مفيش “زيوريخ” هتحميه من نار غضبي.بقلم منال عباس
وصلت شركة أحمد وأنا لابسة نظارة شمسية مدارية وشي، دخلت من غير ما حد يلاحظني وطلعت على مكتب المدير مباشرة، كان قاعد ووشه أحمر من الغضب بعد ما شاف العينة اللي بعتها له. من غير ولا كلمة، حطيت الفلاشة قدامه، قلت له بصوت واثق: “دي كل الأدلة، مش بس عن سرقة الأفكار، دي كمان إثباتات تبييض أموال وتزوير توقيعات في العقود الجديدة، أحمد كان مخطط يهرب ومعاه كل السيولة دي بعد ما يلبسني أنا التهمة”. المدير مسك الفلاشة وإيده بتترعش، اتصل فوراً بالشؤون القانونية والمحاسب القانوني للشركة، وفجأة المكاتب بقت خلية نحل من الحركة والتوتر. أحمد في اللحظة دي كان لسه في الجو، فاكر إنه بيبعت “إيميلات” التهديد لشريف عشان يخلص الإجراءات القانونية ضد براءتي، ومكنش عنده أي فكرة إن حسابه البنكي اتجمد، وإن شريف نفسه بدأ يتصل بيه عشان يلحق نفسه ويحمي سمعته لما شاف إن الأدلة اللي في إيدي حقيقية ومش مجرد تهديد. رن موبايلي، كان رقم أحمد، تجاهلت المكالمة مرتين، المرة التالتة رديت: “ألو؟ يا حبيبي طيارتك وصلت؟”. أحمد صرخ من الناحية التانية: “انتي عملتي إيه؟ حسابي البنكي متجمد ليه؟ وإيه الرسائل اللي بتجيلي من الشركة دي؟”. ضحكت ضحكة هادية وبردة، رديت عليه: “زي ما قلت لك يا أحمد، النهايات دايماً بتبقى مفاجأة، أنت كنت مخطط لحياة جديدة في كاليفورنيا، بس اللي مكنتش حاسب حسابه إنك وأنت بتهد بيتنا، هديت الأرض اللي واقف عليها، الشركة عرفت كل حاجة، والبوليس مستني وصولك المطار، ومعايا كل المحادثات اللي تثبت إنك كنت بتخطط تلبسني تهمة اختلاس”. سكت للحظة، وبعدها بدأ يتوسل، “أرجوكِ، رانيا ماليش ذنب، أنا كنت مضغوط، خلينا نتفاهم، هرجع الفلوس، هعمل أي حاجة”. قفلت السكة في وشه، وحسيت براحة عمري ما حسيتها. خرجت من الشركة، لقيت شريف المحامي مستنيني قدام الباب، وشه أصفر. بص لي وقال: “أنا ماليش دعوة، هو اللي جرني لكل ده، ومعايا أدلة تثبت إنه كان بيغدر بيكي وبيا، أنا هكون شاهد ملك ضد أحمد”. هزيت راسي، مش فارق معايا هو ولا غيره، المهم إني استرديت كرامتي. ركبت عربيتي، لقيت رسالة تانية من أحمد: “أنا مش هسيبك، هخليكي تندمي”. ابتسمت، وكتبت له: “أنا مش بس خليتك تندم، أنا خليتك تبدأ من الصفر، بس المرة دي وأنت ورا القضبان”. مشيت بالعربية وسط زحمة القاهرة، والجو كان حر، بس قلبي كان في قمة البرودة والهدوء، الحرب لسه ما خلصتش، بس الجولة دي كانت ليا وبامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *