صفا وسليم حكايات منال عباس الثاني

البيت كله كان ساكت…

حتى صوت الأنفاس بقى مسموع من شدة التوتر.

سليم وقف وسط الصالة الشعبية الضيقة، ببدلته السودا وهيبته اللى مخلياه غريب عن المكان، لكن عينيه كانت ثابتة على صفا وبس.

الحاجّة زينب قامت مرتبكة: “اتفضل يا سليم بيه… البيت نور.”

لكنه ما ردش.

مد إيده بهدوء ناحية سمر: “الشبكة.”

سمر بلعت ريقها بخوف: “أنا… أنا—”

صوته جه حاد: “الشبكة… حالًا.”

ارتعشت وهي جريت على أوضتها، وبعد دقائق رجعت بعلبة الدهب.

صفا أول ما شافتها، دموعها نزلت تلقائي.

سليم أخد العلبة وفتحها قدام الكل.

الغويشات… السلسلة… الخاتم… كل حاجة مكانها.

قفل العلبة وبص للحاضرين: “البنت دي شريفة… واتظلمت.”

في اللحظة دي، أهل الحارة اللى كانوا واقفين عند الباب بدأوا يهمسوا بخجل.

“يعني البنت بريئة؟” “إحنا ظلمناها…”

وفجأة…

دخل حسام بسرعة بعد ما سمع باللي حصل.

كان وشه متوتر وعينيه مليانة صدمة.

بص للفيديو اللى شغله سليم قدامه، وبعدها بص لصفا بندم واضح.

“صفا… أنا…”

لكنها رجعت خطوة لورا.

أول مرة يشوف في عينيها برود بالشكل ده.

قال بسرعة: “حقك عليا… والله اتسرعت.”

صفا ضحكت ضحكة مكسورة: “اتسرعت؟”

سكت.

كملت وهي بتحاول تمنع دموعها: “إنت صدقت أي كلمة عني بسهولة… حتى ما دافعتش عني.”

“أنا كنت مصدوم—”

“لا… إنت كنت مستني غلطة.”

الكلمات ضربته بقوة.

أما سليم… فكان واقف يراقبها بصمت، لكن جواه غضب غريب من حسام.

إزاي واحد يفرط في بنت بالشكل ده؟

حسام قرب منها: “خلينا نبدأ من جديد.”

لكن قبل ما صفا ترد…

سليم قال ببرود: “أعتقد الآنسة صفا من حقها تختار اللي يقدّرها.”

الكل بصله بدهشة.

وحسام قبض إيده بضيق: “دى مسألة بيني وبين خطيبتي.”

سليم رفع حاجب باستفزاز هادي: “الخطيبة السابقة.”

التوتر ملأ المكان فجأة.

سمر كانت بتراقب المشهد وعينيها مليانة خوف… لأنها لأول مرة تشوف رجل زي سليم واقف في صف صفا بالشكل ده.

أما صفا… فكانت تايهة بين وجعها، وبين الإحساس الغريب بالأمان لما سليم بيتكلم.

—

بعد نص ساعة…

خرج سليم من البيت.

لكن قبل ما يركب عربيته، سمع صوت صفا وراه: “سليم بيه…”

لف ناحيتها.

كانت واقفة عند الباب، ماسكة علبة الشبكة بإيد مرتعشة.

قال بهدوء: “خير؟”

صفا بصتله بتردد: “أنا… مش عارفة أشكرك إزاي.”

“ما تشكرنيش.”

استغربت: “ليه؟”

قرب خطوة منها، لأول مرة ملامحه القاسية تهدى بالشكل ده.

“لأن اللي حصل كان واجب.”

الهواء حرك خصلة صغيرة من شعرها، وهي واقفة قدامه مرتبكة بشكل خلاه يسرح فيها ثواني.

بنت بسيطة… لكن حضورها يهزم أي ست عرفها.

صفا حست بنظراته فاتوترت: “أنا آسفة لو المشاكل وصلت لحضرتك.”

“إنتِ مش مشكلة.”

قالها بسرعة… كأنه ما قدرش يمنع نفسه.

وسكتوا الاتنين لحظة طويلة.

وفجأة…

صوت نسائي غاضب قطع اللحظة: “سليم!”

لفوا الاتنين.

وكانت “لارا” نازلة من عربية فخمة، لابسة بإناقة مبالغ فيها وعينيها مليانة نار.

لارا… بنت رجل أعمال كبير، والكل عارف إنها من سنين بتحاول تخلي سليم يتجوزها.

قربت وهي بتبص لصفا باحتقار واضح: “مين دي؟”

سليم رد ببرود: “وده يخصك في إيه؟”

لارا اتصدمت من طريقته.

ثم بصت لصفا من فوق لتحت: “واضح إن حضرتك نزلت بمستواك أوي.”

صفا احمر وشها بإهانة.

لكن قبل ما تتكلم…

سليم قال بصوت مرعب: “اعتذري.”

لارا ضحكت بعدم تصديق: “إيه؟!”

“اعتذري للآنسة صفا.”

“علشان خدامة؟!”

وفجأة…حكايات منال عباس

سليم قرب منها بعينين باردتين أخافوها: “الخدامة دي… أنضف من ناس كتير لابسة ماركات.”

سكتت لارا مصدومة.

أما صفا… فقلبها دق بعنف.

ولأول مرة في حياتها… تشوف حد يدافع عنها بالشكل ده قدام الناس كلها.

لكنها ما كانتش تعرف إن دفاع سليم عنها… هيفتح عليها أبواب نار أكبر.

لأن في نفس اللحظة…

كانت لارا بتبص لصفا بكره مرعب، وبتقول جواها:

“أنا هدمرك.”

من يوم اللي حصل قدام البيت… واسم صفا بقى على كل لسان.

لكن المرة دي، الناس ما كانتش بتتكلم عنها بسوء… بل بدهشة.

“سليم الدمنهوري بنفسه دافع عنها!” “أكيد البنت دي وراها حكاية.”

أما صفا… فكانت كل ما تسمع الهمسات تحس بخوف أكتر.

هي عايزة تعيش في هدوء… لكن وجود سليم في حياتها قلب كل حاجة.

—

تاني يوم في القصر…

صفا كانت بتنضف أوضة المكتب بهدوء، تحاول تتجاهل دقات قلبها كل ما تفتكر نظرات سليم ليها.

وفجأة الباب اتفتح.

دخل سليم.

أول ما شافها، وقف لحظة يتأملها.

كانت لابسة إسدال بسيط، وشعرها مربوط بعشوائية، لكن رغم بساطتها كانت أجمل من أي ست عرفها.

صفا توترت فورًا: “أنا آسفة… هخلص وأنزل حالًا.”

“مين قالك تنزلي؟”

رفعت عينيها باستغراب.

قرب ناحية المكتب وقال بهدوء: “سيبي الشغل شوية.”

“أفندم؟”

طلع علبة صغيرة من الدرج وحطها قدامها.

صفا بصتلها بتردد: “إيه دى؟”

“افتحيها.”

فتحتها ببطء… واتصدمت.

تليفون جديد فخم جدًا.

قفلت العلبة بسرعة وكأنها خايفة تلمسه: “لا يا بيه… مينفعش.”

“ليه؟”

“أنا ماخدتش حاجة من حد قبل كده.”

ابتسم لأول مرة ابتسامة خفيفة غيرت ملامحه القاسية تمامًا: “اعتبريه مكافأة.”

“دى مكافأة كبيرة أوي.”

“وأنتِ تستاهلي أكتر.”

الكلمة خلت قلبها يدق بعنف.

لكنها رجعت خطوة: “لو سمحت… الناس أصلًا بتتكلم.”

اختفت الابتسامة من وشه.

“خايفة من كلام الناس؟”

همست بحزن: “الكلام بيوجع يا بيه.”

سليم سكت شوية، وبعدين قال بصوت هادي لأول مرة: “أنا طول عمري الناس بتخاف مني… لكن أول مرة أكره كلامهم علشان حد.”

صفا رفعت عينيها ليه بارتباك.

كان بيبصلها بطريقة مختلفة… طريقة خلتها تحس إن المسافة بينهم بدأت تضيق بشكل خطير.

لكن قبل ما أي حد يتكلم…

الباب اتفتح بعنف.

لارا دخلت وهي متعصبة، لكن أول ما شافت صفا واقفة مع سليم لوحدهم، عينيها ولعت.

“كنت عارفة!”

صفا ارتبكت: “يا هانم والله—”

“إنتِ اسكتي!”

ثم بصت لسليم: “إنت بجد بتقرب من خدامة؟!”

سليم رد ببرود قاتل: “احترمي نفسك.”

لارا قربت منه بعصبية: “أنا بنت الناس اللي في مستواك! وهي إيه؟!”

وفجأة…

سليم قالها بمنتهى الوضوح: “هي إنسانة محترمة.”

الصدمة ظهرت على وش لارا.

أما صفا… فحست إن قلبها خلاص مش قادر يقاوم.

لارا ضحكت بمرارة: “واضح إنها لعبت عليك كويس.”

وفي اللحظة دي تحديدًا…

صفا انفجرت لأول مرة.

“أنا عمري ما جريت ورا حد!”

الكل سكت.

حتى سليم اتفاجئ.

دموع صفا نزلت وهي بتكمل: “أنا كل اللى عملته إني حاولت أعيش بكرامة… لكن الناس مصممة تدوسني.”

صوتها كان مليان وجع حقيقي لدرجة إن قلب سليم اتقبض.

لارا بصتلها بغيظ، لكن قبل ما ترد…

سليم قال بحسم: “اطلعي برا.”

لارا شهقت: “بتطردني علشانها؟!”

“قولت اطلعي.”

كانت أول مرة حد يهين لارا بالشكل ده.

خرجت وهي تبص لصفا بنظرة كلها كره.

أما صفا فمسحت دموعها بسرعة: “أنا آسفة… بسببي حصل مشاكل.”حكايات منال عباس

سليم قرب منها ببطء.

لدرجة إنها حست بأنفاسه القريبة.

وقال بصوت منخفض: “إنتِ بقيتي أهم عندي من أي مشكلة.”

الكلمات شلت قدرتها على الكلام.

قلبها كان بيدق بعنف، وعينيها تهرب منه.

أما هو… فكان لأول مرة في حياته يحس إنه مش قادر يبعد عن حد.

لكن في نفس اللحظة…

رن تليفونه.

رد بضيق: “خير؟”

ثواني… وفجأة ملامحه اتغيرت بالكامل.

“إيه؟! إزاي ده حصل؟!”

صفا اتوترت: “في حاجة؟”

نزل التليفون ببطء، وعينيه بقت مرعبة.

“المخزن الكبير بتاعي اتحرق.”

شهقت صفا.

لكن الصدمة الأكبر… لما كمل الرجل اللي على التليفون:

“وفي شهود بيقولوا إن البنت اللي اسمها صفا كانت هناك قبل الحريق بساعة…”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *