سارة وياسين التونى بقلم منال عباس الاول

سارة و ياسين التونى بقلم منال عباس

الاول

كان المفروض “ياسين التوني” يموت لوحده فوق الجبل في الليلة السودة دي، يغرق في دمه والتلج بيسحب روحه بعد ما أقرب الناس ليه باعوه بدم بارد، موبايله مكسور وعربيته اتسرقت، والرجالة اللي رباهم زي أخواته سابوه يواجه الموت لوحده، لحد ما ظهرت ست غريبة في الضلمة وماسكة كشاف وقالت بصوت هادي يطمن: “أنت في أمان، مش هسيبك”، صحيت ولقيت نفسي تحت سقف خشب مألوف، وجع رهيب بيقطع في ضلوعي وكتفي، ريحة المكان خشب محروق وتلج مش ريحة فرش الجلد البري ولا ريحة البارفانات الغالية ولا رخام مكتبي الفخم اللي في وسط البلد، لحظة واحدة خيالي تاه فيها ونسيت أنا فين، بس فجأة افتكرت صوت الرصاصة، وش أخويا وهو بيبص لي، ونور العربية وهو بيختفي في الضلمة، حاولت أقوم من مكاني ومديت إيدي بالراحة أدور على السلا..ح اللي متعود يكون جنبي، ملقيتش حاجة، والحركة دي خلت وجع في جسمي زي السك..ينة، كنت هفقد الوعي تاني، سمعت دندنة هادية وقفت فجأة في الأوضة اللي جنبي، وخطوات قربت، الست اللي لقيتها في الجبل ظهرت في باب الأوضة وماسكة كوباية سخنة، شعرها أسود ومربوط لورا، وسويتر قديم ممسوح عند الكمام، وفي عينيها نظرة مكنتش شوفتها من سنين، نظرة خوف حقيقي عليا، قالت لي بصوت واطي: “أنت صحيت؟ حاسس بإيه؟”، رديت بصوت مبحوح: “حاسس إني مدهوس تحت قطر، أنا فين؟”، قالت وهي بتحط الكوباية جنبي: “في عشتي، بعيد حوالي خمسطاشر كيلو عن المكان اللي لقيتك فيه، نزفت دم كتير بس الحمد لله مفيش حاجة حيوية اتصابت”، قالت لي إني محظوظ، ضحكت بمرارة، أي حظ ده؟ الحظ ملوش دعوة إني طلعت حي بعد ما أخويا ضربني بالنار، ولا ليه دعوة بإن الرجالة اللي حلفوا يعيشوا ويموتوا عشاني سابوني أتعفن في التلج، سألتها: “أنتي اسمك إيه؟”، قالت: “سارة”، سألتها: “وأنت؟”، هنا كانت اللحظة الخطر، في عالمي أنا، اسمي ده بيفتح أبواب ويخرس ألسنة ويخلي الوحوش توطي راسها، قلت بصوت واطي: “ياسين”، فضلت أبص في وشها، مستني أشوف علامات الخوف، بس مفيش حاجة اتغيرت، يا إما هي بجد متعرفش أنا مين، يا إما هي أشطر كدابة قابلتها في حياتي، سارة راحت ناحية الشباك وشالت الستارة، نور الصبح بان على الجبال البيضا اللي ملوش آخر، مفيش طريق ولا جيران ولا حتى شاهد على بعد أميال، سألتها: “أنتي عايشة هنا لوحدك؟”، قالت: “بقالى تلات سنين، المكان هنا هادي”، قلت لها: “مش خايفة؟”، بصت لي وللحظة وجع غريب بان في عينيها قبل ما تداريه، وقالت: “أنا بخاف من البني آدمين أكتر من الديب، الحيوانات صادقة في طبيعتها”، فهمت قصدها أكتر ما كنت أحب، قعدت جنبي وبدأت تغير الرباط على كتفي بإيدين أثبت من جراحين صرفت عليهم دم قلبي، كنت بدرسها كويس، بدور على طمع أو غدر أو خوف، أي حاجة أعرف أتعامل معاها، بس سارة كانت لغز، أنقذت واحد غريب بينزف وهي متعرفش إن ده “ياسين التوني”، أكتر راجل بيترعب منه عالم الجري>>مة في مصر، وفضلت جنبي لما أي حد تاني كان هرب، سألتني بهدوء: “الرجالة اللي عملوا فيك كدة، راجعين تاني؟”، فكي اتشد، شوفت عين أخويا تاني وسمعت صوت الرصاصة، وافتكرت السكوت اللي جه بعد ما دمي لمس التلج، قلت لها: “أيوه”، إيد سارة وقفت لحظة فوق الجرح، وبعدها بصيت ناحية الشباك، وشوفت أثر عجل عربية جديد باين عند طرف الشجر، وعرفتها في اللحظة دي، إنهم وصلوا.بقلم منال عباس
قمت من مكاني رغم الوجع اللي كان زي مسمار حديد داخل في عضمي، سارة بصتلي بخوف وقالت بصوت مهزوز “ياسين، ارجع مكانك، جرحك لسه مفتوح”، تجاهلتها وعيني كانت متثبتة على أثر الكاوتش اللي لسه طالع من تحت التلج، ده مش أثر عجل عربية عادية، دي آثار عربيات دفع رباعي تقيلة، عربيات ميعرفش يسوقها غير الرجالة اللي كانوا بيحموا ضهري، بصيت لسارة اللي كانت واقفة زي ما تكون مش حاسة بالخطر اللي داخل علينا، سحبت نفسي ناحية الدولاب القديم اللي في ركن الأوضة، قلبي كان بيدق زي طبلة في ودني، فتحته لقيت جواه مطوة قرن غزال قديمة، مسكتها وإيدي كانت بتترعش من الجرح ومن الغضب، سارة جت ووقفت قدامي وسألتني بخوف “هما مين دول يا ياسين؟ وليه ملاحقينك لحد هنا؟”، بصيت لها وبدأت أشوف الحقيقة في عينيها، مكنش فيه كدب، كان فيه رعب حقيقي، “سارة، ابعدي عن الشباك حالا، دول مش مجرد ناس، دول شياطين بوشوش بني آدمين، لو دخلوا العشة دي هيقتلوا أي حد قدامهم، أنا آسف إني جبتلك المصيبة دي لحد باب بيتك”، سمعت صوت فرامل عربية بره، صوت تكسير التلج تحت عجل حديد، وقفت وبدأت أسمع أصوات خطوات تقيلة بتقرب من الباب، خطوات مألوفة، خطوة “أدهم” دراعي اليمين اللي كان بيقسم بحياتي، صوت ضحكته المكتومة وهي بتقول “أنا عارف إنه هنا، الريحة دي ريحة دم التوني”، سارة رجعت لورا ودموعها في عينيها وقالت “أنا مش هسيبك تموت هنا”، مسكت إيدي بقوة، في اللحظة دي عرفت إن اللي جاي أصعب من الرصاص، لأن الحرب دلوقتي بقت حرب على حياتها هي كمان، لفت ناحية الباب الخشب وبدأت أدور على أي حاجة أدافع بيها، البيت ده كان صيد ثمين ليهم وأنا كنت الطريدة، لكنهم نسوا حاجة واحدة، إن الذيب لما بيتحاصر بيحفر قبر اللي حاول يقتله، “ادخلي الأوضة التانية يا سارة، واياكي تطلعي مهما سمعتي”، ملامحها اتغيرت، مسحت دموعها بسرعة، وبنظرة تحدي مكنتش متوقعها قالت “أنا هنا بقالي سنين بداري أسرار أكبر من أسرارك، لو فاكر إني هخاف من شوية كلاب بيجروا ورا سيدهم، تبقى غلطان”، وقفت جنبي وبإيد تانية سحبت بندقية صيد قديمة من فوق المدخنة، نظرتها كانت نظرة حد عارف هو بيعمل إيه كويس، باب العشة خبط خبطة قوية هزت الحيطان، وصوت أدهم من بره بيقول “يا ياسين، اخرج يا بطل، بلاش تضحي باللي جوه عشان خاطر كبريائك، إحنا عارفين إنك ميت ميت، خلينا ننهي المهزلة دي”، مسكت كتفي المجروح بألم وكتمت صرختي، وبصيت لسارة اللي وقفت قدامي وكأنها حيطة سد، الحرب بدأت، والتلج اللي كان أبيض هيبدأ يتلون بلون تاني خالص الليلة دي.بقلم منال عباس
أدهم كمل كلامه وصوته كان مليان غل، “يا ياسين، مفيش مفر، الجبل ده بقى قبرك، سلم نفسك ونخلص، بدل ما نحرق العشة دي بمن فيها”، سارة بصتلي ولقيت في عيونها شرارة تحدي غريبة، زي ما تكون شافت الموت قبل كدة ومبقتش تفرق معاها، نزلت من على الحيطة حزام رصاص قديم ورمتهولي، وقالت بصوت واثق: “البندقية دي مابتخيبش، لو عايز تعيش، لازم نلعب بقوانينهم، دول فاكرينك صيد سهل، أثبتلهم إنك الوحش اللي خافوا يواجهوه”، مسكت البندقية، حسيت بوزنها المألوف في إيدي، وصوت الأمان اللي اتسحب كان زي نغمة موسيقى بتديني حياة جديدة، أدهم بدأ يكسر الباب بكتفه، خشب العشة القديم بيأن تحت ضرباته، “عشر ثواني يا ياسين، لو مخرجتش هولع في المكان”، بصيت لسارة وغمزتلها، “جاهزة؟”، هزت راسها وراحت ناحية المطبخ، شعلت نار في قطعة قماش ورمتها في ركن بعيد، دخان كثيف بدأ يملى المكان، ده كان فخنا الأول، أدهم كسر الباب ودخل هو ورجالته، كانوا فاكرين إنهم داخلين على واحد جريح ومستسلم، لكن الدخان عماهم، مكنوش شايفين إيدينا، سارة طفت نور الكشاف اللي كان منور الصالة، وبقينا في ضلمة تامة، سمعت صوت “تكة” أمان سلا..ح أدهم وهو بيتحرك بحذر، “فينك يا ياسين؟ خايف تظهر؟”، ضحكت وسط الدخان، صوت ضحكتي كان طالع من كل ركن في العشة، “أنا مش خايف يا أدهم، أنا بس كنت بجهزلك مفاجأة”، ضربت رصاصة في السقف، صدى الصوت هز العشة وخلاهم يرتبكوا، أدهم بدأ يضرب نار عشوائي، بس الرصاص كان بيخبط في الخشب، سارة اتحركت بخفة زي القطة، وبحركة سريعة سحبت خيط كان مربوط ببرميل ميه كان متعلق فوق الباب، البرميل وقع بمجرد ما أدهم دخل تحتيه، المية غرقت الأرض وخلت الأرضية تلج وزحلقة، أدهم اتزحلق ووقع على ضهره، في اللحظة دي، مكنش فيه أي خيار غير إني أطلع من ورا الكنبة، وقفت في وشهم، كتفي بينزف بس عيني كانت نار، أدهم حاول يقوم، بس بص لي ووشه اتغير من الغرور للرعب، “ياسين؟ إزاي لسه واقف؟”، قلتله بصوت هادي ومخيف: “عشان أنت نسيت حاجة واحدة يا أدهم، إن التوني مابيموتش غير لما هو يقرر، ودلوقتي جه الوقت اللي هتعرف فيه تمن خيانتك”، بدأت المعركة، رصاص بيضرب في كل حتة، والبيت بيتهز، وكل واحد فينا بيحاول يثبت للتاني إنه الأقوى، لكن وسط كل ده، سارة كانت ورايا، بتناولني الرصاص، وبتوجهني، وكأننا بنرقص رقصة الموت سوا، والرجالة اللي دخلوا واثقين إنهم جايين ياخدوا جث..ة، بداوا يسقطوا واحد ورا التاني، بس أدهم لسه كان بيتحرك، وسحب سلا..حه التاني ووجهه ناحية سارة، صرخت “سارة، خدي بالك”، رميت نفسي قدامها، وحسيت بنار الرصاصة بتخترق جسمي تاني، وقعت على الأرض، بس قبل ما أفقد السيطرة، كنت عارف إن الدور الجاي عليهم، أدهم قرب مني وكان ناوي ينهي كل حاجة، بس في اللحظة اللي كان هيضغط فيها على الزناد، سارة ظهرت من ورا الستارة، وفي إيدها سكي..نة حادة لمحت في ضوء البرق اللي بره، ملامحها اتحولت لوجه واحدة تانية خالص، مش الست الهادية اللي أنقذتني، دي كانت وحش بيحمي طريدته، الحرب لسه في عزها، والدم على التلج بقى قصة تانية خالص….بقلم منال عباس
أدهم وقف مذهول، عيونه متعلقة بسارة اللي واقفة في وش الموت ببرود أعصاب يخلي الدم يجمد في العروق، سكينتها لمعت تحت ضوء الشمع الخافت وهي بتقرب منه خطوة بخطوة، أدهم حاول يرفع سلا..حه تاني بس سارة كانت أسرع، حركة واحدة خاطفة خلته يفقد توازنه، وفي اللحظة دي أنا جمعت كل قوتي اللي باقيالي ووقفت، وجع كتفي بقى نار بتسري في عروقي بس الأدرينالين كان مخليني مش حاسس غير بنبضات قلبي اللي بتدق بقوة، بصيت لأدهم اللي وقعت السك..ينة من إيده وبدأ يترعش، مش من البرد، لأ، ده كان رعب من اللي شافه في عيون سارة، “أدهم، كنت فاكر إنك ممكن تنهي مشواري؟” قلتها وصوتي طالع من أعماقي زي زئير، أدهم حاول يزحف لورا بس كان خلاص، رجالة أدهم التانيين اللي كانوا واقفين مصدومين من اللي بيحصل بدأوا يتحركوا، بس صوت ضرب نار من بره العشة وقفهم في مكانهم، عربيات تانية وصلت؟ لا، ده كان صوت رعد بيشق السما، سارة بصتلي وغمزتلي غمزت الخطر، فهمت إنها مجهزة حساب تاني خالص، “ياسين، في طريق سري تحت العشة، لو خرجنا منه هنقدر نلف وراهم ونحاصرهم من الجهة التانية، بس محتاجين نتحرك دلوقتي قبل ما التعزيزات التانية بتاعتهم توصل”، أدهم استجمع شجاعته وبدأ يضحك ضحكة هستيرية، “أنتوا فاكرين إنكم هتهربوا؟ الرجالة اللي بره دول مش بس جايين عشان يخلصوا عليك، دول جايين يمسحوا أثرك تماماً، أنت انتهيت يا ياسين، حتى لو نجيت من الرصاصة دي، مش هتنجى من اللي جاي”، سحبت أدهم من هدومه بكل غيظ، “أنا اللي بحدد نهايتي، مش أنت يا خاين”، ضربته ضربة واحدة خلاته يغيب عن الوعي، سارة فتحت باب سري في الأرضية، نزلنا فيه ولقينا ممر ضيق مبيعديش منه غير شخص واحد، ريحة الرطوبة والتراب كانت قوية، مشينا في الضلمة والبيت من فوقنا بيتهز من خبطاتهم، سارة كانت قدامي، بتتحرك بخفة وكأنها عارفة كل شبر في الممر ده، “مين أنتي يا سارة؟ وأيه علاقتك بالمكان ده؟”، سألتها وأنا بحاول أتنفس بصعوبة من الجرح، بصتلي بطرف عينها وقالت بابتسامة غامضة: “أنا اللي كنت مستنية اليوم اللي تيجي فيه يا ياسين، أنا عارفة كل أسرارك، وعارفة كمان مين اللي خانك بجد، والرجالة اللي بره دول مش بس أتباع أدهم، دول بيشتغلوا لحساب حد تاني، حد أكبر بكتير”، الكلام ده نزل على قلبي زي الصاعقة، كنت فاكر إن خيانة أخويا هي أقصى درجات الغدر، طلعت فيه خيانة أكبر، وصلنا لنهاية الممر ولقينا نفسنا في وسط الغابة، التلج بيقع بغزارة والعربيات بتاعتهم محاوطة العشة، بس المرة دي إحنا اللي ورانا، سارة طلعت من جيبها جهاز صغير ودوست على زرار، وفجأة العشة اللي كان فيها أدهم ورجالته ولعت، انفجار ضخم خلى التلج يسيح في ثواني، وقفنا بنبص على النار وهي بتلتهم كل حاجة، أدهم كان لسه جوه، بس اللي كان يهمني دلوقت مش هو، كان اللي ورى الغدر ده، سارة لفت وشها ليا وقالت: “المعركة الحقيقية لسه مابتدتش، لو عايز تعرف مين اللي باعك بجد، لازم نمشي حالا، لأن اللي جاي وراهم مبيعرفش الرحمة”، مسكت إيدي وقالت: “استعد، الطريق طويل، وأنا مش هسيبك، لأننا الاتنين لينا حساب قديم مع الشخص ده”.بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *