بوست جبين مراتى

بست جبين مراتي البارد وهي نايمة في النعش… ولما فتحت صوابع إيدها بالعافية، لقيت زرار كحلي مقطوع بعنف. أول ما شوفته، قلبي وقع… كان زرار جاكيت أخويا كريم.
أمي اتجمد لونها وهمست وهي بتبصلي بخوف
يا يوسف… بلاش تظلم حد من غير دليل.
بصيتلها من غير ما أرمش.
وقلت بهدوء أخوف من الصريخ
فات الأوان يا أمي.
رجعت من دبي بعد سفر تلات أسابيع كنت بحاول فيهم أنقذ شركة العيلة من الإفلاس. طول الطريق كنت بحلم بلحظة أشوف مراتي سلمى، وأحط إيدي على بطنها الكبيرة وأسألها الواد اتحرك النهارده؟
لكن أول ما دخلت الفيلا…
ما لقيتش سلمى مستنياني.
لقيت نعش في نص الريسبشن.
ستاير سودا، شمع مولع، وريحة بخور وورد ذابل مالية المكان… وكل حاجة كانت متجهزة كأنها مسرحية.
أمي، الحاجة

سعاد، كانت واقفة لابسة أسود شيك، وشكلها هادي بشكل مستفز.
لا دمعة…
ولا حتى محاولة تمثيل.
قلت وأنا حاسس إن نفسي بيتقطع
سلمى فين؟
ردت وهي بتشاور ناحية النعش
هناك… شد حيلك يا ابني.
الورد وقع من إيدي.
ومشيت ناحية النعش ورجلي مش شايلاي.
سلمى كانت نايمة كأنها بتنام بسلام…
بس أنا عارفها.
عارف إنها كانت بتكره فكرة إن حد يقفل إيدي الميت بالشكل ده.
كانت دايمًا تضحك وتقول
لما أموت، محدش يقعد يرتبني كأني تمثال.
لكن الغريب…
إيدها اليمين كانت مقفولة جامد.
قربت منها ومديت إيدي.
أمي قالت بسرعة
سيبها… متلمسهاش.
بصيتلها.
دي مراتي.
قالت ببرود
ملهاش فايدة دلوقتي.
الكلمة دي وجعتني أكتر من خبر موتها.
مسكت صوابع سلمى، وبدأت أفتحها واحدة واحدة.
أمي صرخت
قولتلك سيبها!
لكن كملت.
ولما إيدها اتفتحت…
لقيت زرار كحلي صغير، ومتعلق فيه حتة قماش مقطوعة.
حطيته في جيبي من غير ما حد ياخد باله.
وسألت
فين تقرير المستشفى؟
أمي ضحكت ضحكة ناشفة.
مراتك ماتت وهي بتولد… وابنك كمان. هتعمل بالتقارير إيه؟
في اللحظة دي…
دخل أخويا كريم.
كان ماسك كباية ويسكي، ولابس نضارة شمس جوه البيت.
كأنه راجع من حفلة… مش من عزا.
قرب مني وربت على كتفي.
البقاء لله يا يوسف… للأسف ملحقتش حتى تدفن مراتك.
بصيتله.
ولاحظت خربوش طويل تحت ودنه.
أول مرة من ساعة ما دخلت البيت…
الخوف اختفى.
قلت بهدوء
معاك حق… مش هعمل مشكلة.
هو ابتسم.
وأمي ابتسمت.
كانوا فاكرين إني انهرت.
لكن هما ميعرفوش إن أنا وسلمى قبل سفري بأيام كنا اكتشفنا إن في حد بيسرق الشركة، وإننا مضينا أوراق تخلي أي وفاة غامضة تفتح تحقيق تلقائي، وكل أملاكها تفضل تحت إيدي لحد الحقيقة ما تظهر.
ليلتها سبتهم يرتبوا الجنازة.
وسبت كريم يستقبل المعزين كأنه صاحب المصيبة.
وسمعتهم بيتكلموا عن سرعة الدفن وإن الموضوع لازم يخلص قبل الصبح.
لكن أول ما الكل نام…
دخلت مكتب أبويا.
فتحت الخزنة اللي مستخبية ورا الصورة القديمة.
ولقيت الملف اللي أنا وسلمى كنا مخبينه.
كل المستندات كانت موجودة.
وفي نفس اللحظة…
اتصلت بالدكتورة ندى، صاحبة سلمى، واللي كانت شغالة في المستشفى اللي قالوا إنها ماتت فيها.
ردت بسرعة وقالت بصوت مرعوب
يوسف… كنت بحاول أوصلك من امبارح.
قلبي وقع.
قلت
قولي الحقيقة.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
سلمى ما دخلتش المستشفى كمريضة أصلاً… جابوها وهي متوفية… من غير ملف… ومن غير أي بيانات… وأمك أصرت إنها تتدفن بسرعة.
لمحة نيوز

حسيت الأرض بتميل بيا.
سألت بصوت مبحوح
وابني؟
قالت
مينفعش أقولك في التليفون… تعالى المستشفى الساعة ستة الصبح من باب الطوارئ… وإوعى حد يعرف.
قفلت المكالمة.
وبصيت لانعكاسي في إزاز الشباك.
أنا ما بقيتش الزوج المكسور اللي رجع من السفر.
أنا بقيت راجل مراته وهي بتموت سابتله دليل في إيدها…
واللي جاي… هيقلب حياة العيلة كلها.
وسف ما غمضلوش جفن لحد الفجر.
الزرار الكحلي كان قدامه على المكتب، وكل شوية يمسكه ويبصله. كان متأكد إنه شافه قبل كده مئات المرات في جاكيت أخوه كريم.
الساعة ستة إلا ربع، خرج من الفيلا من غير ما حد يحس بيه، واتجه على المستشفى.
الدكتورة ندى كانت مستنياه عند باب الطوارئ، وشكلها كان مرهق وكأنها ما نمتش.
أول ما شافته قالت
تعالى بسرعة… الوقت ضدنا.
دخلت بيه مكتبها، وطلعت ملف أبيض من درج المكتب.
ده مش الملف الرسمي… لأن الملف الرسمي

اختفى.
فتح يوسف الملف، ولقي صورًا وتقارير مكتوب فيها إن سبب الوفاة مش مضاعفات ولادة زي ما اتقال.
كان فيه كدمة قوية في مؤخرة الرأس، وآثار مقاومة واضحة على إيدي سلمى.
بص للدكتورة وقال
يعني… كانت بتحارب.
هزت راسها وقالت
وأكتر من كده… كانت عايشة لما اتعرضت للإصابة.
حس يوسف إن الدنيا اسودت قدامه.
وابني؟
ابتسمت الدكتورة لأول مرة.
ابنك… عاش.
اتجمد مكانه.
إيه؟!
الطفل اتولد حي… لكن بعد ساعات جه شخص معاه أوراق مزورة واستلمه، وقال إنك موافق.
يوسف حس إن قلبه رجع ينبض من جديد.
يعني ابني عايش؟
أيوه… لكن معرفش هو فين.
رجع يوسف البيت وكأنه ما عرفش حاجة.
لقى أمه وكريم بيتكلموا عن بيع الشركة بعد انتهاء العزا.
دخل عليهم بهدوء وقال
أنا وافقت نبيع.
كريم ابتسم وهو فاكر إن كل حاجة انتهت.
لكن يوسف كان مركب كاميرات صغيرة في المكتب قبل الاجتماع.
وفي نفس الليلة، اتصل بكريم من رقم مجهول، وغير صوته وقال
الولد لسه عايش… ولو ما استلمتش باقي فلوسك هبلغ الشرطة.
اتوتر كريم وقال بعصبية
اسكت… الست ماتت خلاص، والولد في المكان المتفق عليه.
كل كلمة كانت بتتسجل.
وبعد ساعة، خرج كريم بعربيته واتجه لمزرعة قديمة على أطراف البلد.
يوسف كان وراه هو والشرطة.
دخل كريم المخزن وهو بيزعق
فين الولد؟
وفجأة الأنوار اشتغلت.
وضباط المباحث خرجوا من كل ناحية.
ارفع إيدك.
كريم حاول يجري، لكن اتقبض عليه.
وفي أوضة صغيرة جوه المخزن…
كان فيه سرير أطفال.
وطفل صغير نايم بهدوء.
يوسف قرب وهو بيرتعش، ولما شال الطفل، الصغير فتح عينيه ومسك صباعه.
انفجر يوسف في العياط.
ابني…
في التحقيقات، اعترف كريم بكل حاجة.
قال إنه كان مديون بمبالغ كبيرة، ولما عرف إن سلمى اكتشفت سرقة فلوس الشركة، راح يواجهها.
حصلت بينهم خناقة.
سلمى شدت جاكيته، وقطعت الزرار.
دفعها فوقعت وخبطت دماغها.
لما اتصل بأمه، بدل ما تبلغ الإسعاف، فكرت إزاي يخفوا الجريمة ويحافظوا على ثروة العيلة.
نقلوا سلمى من البيت، وزوروا التقارير، وخطفوا الطفل عشان يوسف يفتكر إن كل أسرته ماتت.
لكنهم نسوا حاجة واحدة…
إن سلمى، في آخر لحظة من حياتها، كانت أشجع منهم كلهم.
احتفظت بالزرار في إيدها…
وسابت الدليل اللي كشف الحقيقة.
بعد شهور، صدر الحكم.
السجن المؤبد على كريم بتهمة القتل والخطف والتزوير.
وأمه سعاد نالت عقوبة طويلة لمشاركتها في إخفاء الجريمة وتزوير الأدلة.
أما يوسف…
فرجع يعيش في نفس البيت، لكن بعد ما باع كل حاجة كانت بتفكره بطمع عيلته.
زرع جزءًا جديدًا من الأرض، وسماه جنة سلمى.
وكان كل سنة، في يوم رحيلها، ياخد ابنه معاه هناك، ويحكيله عن أمه.
ويقول له وهو يبص للسماء
أمك كانت آخر نفس عندها بيفكر إزاي تنقذك… وإزاي تقوللي الحقيقة.
ثم يبتسم وهو يمسك إيد ابنه الصغيرة.
لأن الحقيقة اتأخرت…
لكن في الآخر، انتصرت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *