زعيم المافيا سمع الجرسونه
زعيم المافيا سمع الجرسونة بتتكلم إيطالي لمدة دقيقة واحدة… فقرر إنها يا إما هتنقذ إمبراطوريته، يا إما هتدمره
أول مرة سليم السيوفي سمع صوتي الحقيقي، وقف أكل كأنه سمع شبح بينادي اسمه.
أنا ماكانش المفروض أبقى مهمة الليلة دي.
أنا كنت مجرد الجرسونة اللي رجليها بتوجعها، ولابسة جزمة سودا مستعملة، وكتب القانون تقيلة في الشنطة اللي سايباها في دولاب الموظفين.
كنت مجرد ليلى روسي.
عندي 24 سنة.
بنت عامل بناء من القاهرة، وست بتشتغل في تنظيف البيوت ولسه بتكوي أكياس المخدات كأن الأغنياء ممكن يحكموا على روحها من كرمشة في الملاية.
في مطعم «بيلاناتا» الإيطالي، واحد من أغلى المطاعم في القاهرة، واللي إزازة مشروب واحدة فيه ممكن يكون تمنها أكتر من إيجار شقتي، كان الاختفاء عن عيون الناس مهارة لازم أتعلمها عشان أعيش.
الأغنياء كانوا بييجوا المكان عشان الناس تعجب بيهم.
مش عشان تفهمهم.
كانوا عايزين أوسوبوكو.
ومكرونة معمولة بإيد الشيف.
وزيت زيتون مستورد.
وجرسونة تبتسم في الوقت المناسب من غير ما تفكرهم إن فيه ناس زيي موجودين بره الوجبة اللي بياكلوها.
عشان كده كنت ببتسم.
وأملى كوبايات المية.
وأرشح لهم أنواع المشروبات.
وأعمل نفسي مش فاهمة لما الشيف ماركو يصرخ بالإيطالي من المطبخ.
مع إن الإيطالي كان أول لغة اتعلمتها…
قبل حتى ما العربي يبقى لغتي الأساسية.
جدتي هي اللي ربتني على الأغاني الإيطالية القديمة.
وأكل يوم الجمعة.
وتصحيحاتها الحادة كل ما أتكسل في قواعد اللغة.
في البيت، الإيطالي ماكانش مجرد منظر.
كان ذكريات.
كان عيلة.
كان صوت جدي وهو بيغني أثناء ما يصلح كرسي مكسور، لأنه كان شايف إن رميه إهانة للإيدين اللي صنعته.
لكن في بيلاناتا…
لو اتكلمت إيطالي، الناس هتبصلي مرتين.
هيسألوا ليه بنت بتتكلم بالطريقة دي شايلة أطباق بدل ما تكون قاعدة على الترابيزة.
هيستغربوا ليه إيديا خشنة من حمل صواني الأطباق المتسخة، مع إني بعرف أنطق المصطلحات القانونية وأسامي مدن عصر النهضة بنفس الدقة.
هياخدوا بالهم مني.
وأنا ماكنتش أقدر أتحمل إن حد ياخد باله مني.
الليلة دي، النجفة الكريستال كانت بترمي ضوء هادي على السياسيين، ورجال الأعمال، وأصحاب شركات الاستثمار، وستات العائلات الغنية، والنساء اللي شكلهم يقول إنهم عمرهم ما بصوا على سعر حاجة قبل ما يشتروها.
ريحة التوم.
والريحان.
والبرفانات.
والفلوس.
كانوا ماليين الهوا زي البخور.
كان عندي امتحان مرافعات مدنية الصبح.
وأنا بتحرك بين الترابيزات والصينية متسندة على جنبي، كنت براجع في دماغي الاختصاص القضائي.
دي كانت حياتي وقتها.
بالنهار، كنت بدرس العدالة.
وبالليل، كنت بخدم ناس شكلهم عايشين براها بمنتهى الراحة.
عند الترابيزة رقم 12، زوجين كبار في السن نادوا عليا عشان أزودلهم مية غازية.
كانوا طيبين.
وراجعين قريب من رحلة لإيطاليا.
وحماسهم كان بريء لدرجة إنه لين حاجة جوايا.
الست كانت بتحاول تقول لجوزها بالإيطالي إن التيراميسو فكرها بمدينة فلورنسا.
لكن الجملة طلعت منها غلط.
كان المفروض أعمل نفسي ما سمعتش.
لكن من غير ما أفكر، ابتسمت وصلحتلها الجملة بهدوء بالإيطالي.
إيطالي توسكانِي مثالي.
وش الست نور.
—يا نهار أبيض! إنتِ بتتكلمي إيطالي بطريقة جميلة جدًا.
—جدي وجدتي كانوا من قرية قريبة من فلورنسا.
قولتها بالإيطالي قبل ما ألحق أوقف نفسي.
—وجدتي كانت هتزعقلي لو نسيت اللغة.
الراجل مال ناحيتي بحماس، وبدأ يحكيلي عن متحف أوفيزي، وهو بيدبح نص الأفعال الإيطالية بطريقة غريبة كانت مضحكة ولطيفة في نفس الوقت.
لمدة 3 دقايق…
نسيت أنا فين.
نسيت المريلة اللي لابساها.
ووجع رجلي.
والحسابات اللي ما بتقفش في دماغي.
الإيجار.
ومصاريف الجامعة.
والأكل.
والنوم.
للحظات، أنا ماكنتش مجرد جرسونة.
كنت جسر.
حكيتلهم سر جدتي في التيراميسو.
إزاي كانت بتستخدم إسبريسو مر لدرجة تحس إنه مستعد يدخل معاك خناقة.
قولتلهم إن ريحة فلورنسا بتتغير بعد المطر.
وقولتلهم إن أحلى وجبات في إيطاليا عمرها ما كانت الوجبات اللي السياح بيصوروها.
وأثناء ما كنت بتكلم…
راجل قاعد على الترابيزة رقم 7 وقف أكل.
في الأول، ماخدتش بالي.
شوكته كانت محطوطة جنب طبق الأوسوبوكو اللي ماكملوش.
وكوباية المشروب الأحمر كانت مرفوعة في نص الطريق ناحية بوقه.
لكنه نسيها في إيده.
كان بيتفرج عليا بتركيز وهدوء حيوان مفترس بيحاول يقرر إذا كان الكائن اللي قدامه فريسة…
ولا تهديد…
ولا كنز.
لما أخيرًا بعدت عن الترابيزة رقم 12، سمعت صوته.
واطي.
هادي.
وواثق.
—فهد.
قالها للراجل اللي قاعد قصاده.
—أنا عايزها.
ماقالش:
«دي جميلة.»
ولا:
«اعرفلي اسمها.»
ولا حتى:
«خليها تيجي هنا.»
قال:
—أنا عايزها.
الكلمات ماكانتش شبه رغبة.
كانت شبه قرار خلص واتاخد بعد ما عدى على كل الاعتراضات الممكنة.
لفيت قبل ما ألحق أمنع نفسي.
سليم السيوفي كان بيبصلي مباشرة.
كان وسيم بطريقة تخلي مجرد الاعتراف بده خطر.
شعر أسود.
بدلة سودا متفصلة على جسمه.
فك حاد من غير دقن.
وعيون ثابتة كأنها بتمتلك أي حاجة تركز فيها.
مافيش حاجة فيه شكلها مستعجلة.
مافيش حاجة فيه مترددة.
الساعة اللي في إيده لوحدها كان ممكن تدفع مصاريف سنة كاملة من دراستي.
لثانية واحدة…
المطعم كله اختفى.
وبعدين حسيت وشي سخن.
وهربت ناحية المطبخ وأنا ماسكة إبريق مية فاضي في إيدي.
—ليلى.
قالتها ياسمين وهي تقريبًا بتخبط فيا جنب مكان الخدمة.
—إنتِ كويسة؟
—كويسة.
كدبت.
—الترابيزة رقم 4 محتاجة المدير؟
رمشت باستغراب.
—آه. بس إنتِ شكلك كأنك شوفتي حد بيتق*تل.
—لسه.
تمتمت بالكلمة قبل ما ألحق أمنع نفسي.
باقي الشيفت عدى ببطء كأنه تحذير.
كل مرة كنت برجع فيها للصالة، كنت بحس بنظرات سليم السيوفي قبل ما أشوفه.
ماكانش بيبصلي بطريقة مقرفة.
وماكانش بيبتسم زي رجال الأعمال السكرانين اللي بيفتكروا إن المعاملة الطيبة معناها دعوة.
هو كان بس…
بيتفرج.
ولسبب ما، ده كان أسوأ.
الساعة 12 بالليل، غيرت هدومي ولبست بنطلون جينز وبلوفر رمادي في حمام الموظفين.
علقت الشنطة على كتفي.
وقولت لنفسي إني بأفور.
الرجالة الأغنياء بينسوا الجرسونات أول ما عربياتهم تتحرك من قدام المطعم.
ولما وصلت شقتي الصغيرة، كنت تقريبًا قدرت أقنع نفسي بكده.
تقريبًا.
شقتي كانت صغيرة لدرجة إني لو ملت من فوق السرير بطريقة خطيرة، ممكن أوصل لحوض المطبخ.
لكنها كانت بتاعتي.
كتب مستعملة فوق الشباك.
ملخصات قضايا متعلقة فوق المكتب.
كوباية مشروخة مليانة أقلام.
حياة اتبنت من منح دراسية.
وشيفتات مضاعفة.
وعند.
فتحت اللابتوب وحاولت أذاكر.
وقريت نفس الفقرة عن الإجراءات القانونية 5 مرات.
كل اللي كنت سامعاه…
كان صوته.
—أنا عايزها.
تاني يوم الصبح، في محاضرة القانون الدستوري، الدكتور كان بيتكلم عن الفصل بين السلطات، وأنا قاعدة في آخر صف وكوباية القهوة بتبرد جنب الكشكول.
كان المفروض المحاضرة تهديني.
القانون عادة كان بيعمل كده.
القانون نظام.
القانون لغة اتمنحت قوة.
القانون هو الوعد إن حتى أقوى الرجالة ليهم حدود.
لكن عقلي كان بيرجع كل شوية لسليم السيوفي.
فيه حاجة فيه كانت بتقول إنه قضى حياته كلها بيتعامل مع الحدود على إنها مجرد اقتراحات.
وقت الغدا، كلمت أمي من ركن هادي في مكتبة الجامعة.
قالتلي إن شغل أبويا في المقاولات أخيرًا بدأ يستقر.
وإنها أخدت بيتين زيادة تنظفهم يوم الخميس.
—صوتك تعبان يا بنتي.
—أنا كويسة يا ماما.
—إنتِ بتشتغلي كتير.
—وبذاكر كتير برضه. عايزاني أبطل دي كمان؟
ضحكت بهدوء.
—أبدًا. جدتك كانت هتطلع من قبرها وتطاردنا.
كنت تقريبًا هحكيلها عن الراجل اللي كان قاعد على الترابيزة رقم 7.
لكن تخيلتها وهي قاعدة طول الليل قلقانة.
وتخيلت أبويا وهو داخل مطعم بيلاناتا، وخوذة الشغل لسه في عربيته، ومستعد يهدد مليونير بمفتاح إنجليزي.
عشان كده…
ماقولتش حاجة.
بالليل، بيلاناتا كان زحمة تاني.
احتفال بعيد ميلاد عند الترابيزة رقم 7.
ورد ذكرى جواز جنب الشبابيك.
وعشا عمل خاص في الخلف.
فوضى عادية.
فوضى آمنة.
ارتحت.
وبعدين شوفته.
المرة دي، ماكانش قاعد على الترابيزة رقم 7.
كان على الترابيزة رقم 3.
في الجزء اللي أنا مسؤولة عنه.
سليم السيوفي كان قاعد لوحده، قدامه طبق لينجويني تقريبًا ما لمسوش، وملف جلد مفتوح جنب كوباية المشروب.
ما ناداش عليا.
ماكانش محتاج.
وجوده لوحده كان كفاية يشد المكان كله ناحيته.
قربت منه ومعايا المية، لأن الهروب كان هيخليني أبان طفلة.
—مساء الخير يا فندم. تحب أجيب لحضرتك حاجة تانية؟
سليم السيوفي ما رفعش عينه عن الملف اللي قدامه، وبصوت هادي تقيل كأنه بيقرأ نص عقد مش مجرد رد على جرسونة، قال:
— “عايزك تقعدي.”
الكلمة كانت زي الصاعقة. المطعم حوالينا صوته اختفى في ودني، وحسيت إن كل العيون اتجهت ناحيتنا، مع إن الحقيقة كانت إن محدش خد باله. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج مسموع بالعافية:
— “أنا بشتغل يا فندم.. مش مسموح لي…”
قاطعني وهو بيقفل الملف بهدوء، ولأول مرة رفع عينه وبص لي مباشرة. عينيه كانت حادة وباردة، بس فيها نظرة غريبة، نظرة حد بيدور على “مفتاح” لحاجة مكسورة.
— “أنا اللي بملك المطعم ده يا ليلى.”
اسمي.. نطق اسمي بطريقة خلت جسمي يقشعر. عرفه منين؟ وأنا مكنتش حاطة “نيم تاج” عليه اسمي!
— “أنا ماليش اسم غير في سجلات الموظفين، وحضرتك عرفته إزاي؟”
— “أنا ما بسألش، أنا بعرف.”
سكت لحظة، وبعدين أشار للكرسي اللي قدامه: “اقعدي، لإن عندي عرض مش بيتكرر مرتين، وعرضي ده فيه نجاة لمستقبلك اللي بتذاكري عشانه، وفيه دمار لحياتك لو رفضتي.”
قلبي كان بيدق لدرجة إني خفت سليم نفسه يسمعه. كان عندي اختيارين: يا إما أتمسك بكرامتي وأمشي، يا إما أسمع هو عايز إيه، والفضول القاتل اللي عندي خلاني أشد الكرسي وأقعد.
— “إيه العرض؟” سألت وأنا بحاول أبين إني قوية.
سليم مال بجسمه ناحيتي، وقرب لدرجة إني شميت ريحة برفانه.. خشب صندل مع حاجة حادة زي الحديد:
— “عندي صفقة في إيطاليا، صفقة ممكن تنهي إمبراطوريتي لو حد من أعدائي عرف تفاصيلها قبل ما تتم. محتاج حد بيتكلم إيطالي بطلاقة، حد ذكي بيفهم في القانون، وحد.. محدش يشك فيه. حد زي الجرسونة اللي بتدرس مرافعات مدنية بالليل.”
وقفت مصدومة: “إنت بتراقبني؟”
— “بأمن استثماراتي بس.” قالها ببرود، وبعدين كمل: “إنتي هتيجي معايا كـ ‘مترجمة’ وسكرتيرة خاصة. في خلال أسبوع، هتكوني في قصر في فلورنسا، بعيد عن الفقر اللي إنتي فيه، وبعيد عن الدراسة اللي بتهلكي نفسك فيها عشان شهادة في الآخر هتديكي مرتب مايجيبش تمن بدلة من اللي أنا لابسها.”
— “ولو رفضت؟”
سليم ابتسم، ابتسامة خلتني أحس إني وقعت في فخ كبير:
— “لو رفضتي، مدير المطعم هيعرف إن إنتي، الجرسونة الهادية، كنتِ بتسرقي أسرار الزباين وبتبيعيها لمنافسيني.. طبعاً دي كذبة، بس أنا اللي بكتب تاريخ الناس هنا. هطردك، وهمنعك تشتغلي في أي مكان في مصر، وهخلي حلمك في إنك تكوني محامية مجرد ورقة مقطوعة.”
حسيت إن الهوا بيخلص في الأوضة. ده مش عرض، ده تهديد مغلف بشياكة.
— “أنا ليلى، مش مجرد أداة في إيدك.”
سليم قام وقف، وطوله خلى الأوضة تصغر، وقال وهو ماشي: “ليلى، قدامك لحد بكره الساعة 8 الصبح. يا إما تطلعي محامية شاطرة وتغلبيني في مكتبي، يا إما تلبسي المريلة وتيجي المطار.. اختاري.”
مشى وسابني في مكاني، والترابيزة رقم 3 بقت فاضية، بس كان سايب وراها إعصار هيغير كل حاجة.
ليلة طويلة مرت عليا، كانت أطول من كل سنين عمري. قعدت في أوضتي الضيقة، والكتب حواليا في كل حتة، وكل سطر قانوني بقراه كان بيتحول في خيالي لمذكرة دفاع عن نفسي ضد “سليم السيوفي”. كنت بوزن الأمور في دماغي: أرفض وأواجه غطرسته، ولا أقبل وأشوف إيه اللعبة اللي هو بيلعبها؟
الساعة جت 8 الصبح، وكنت واقفة قدام باب قصر سليم السيوفي اللي كان في منطقة بعيدة عن صخب القاهرة. كنت لابسة هدومي البسيطة، وشايلة شنطة فيها كتبي ولبس قليل، وقلبي كان بيدق دقات سريعة.
بمجرد ما دخلت، لقيت المساعد بتاعه “فهد” مستنيني. كان راجل ملامحه حادة، بيبصلي بتركيز كأنه بيقيّم إمكانياتي.
— “سليم بيه في المكتب مستنيكي. عندك 10 دقايق تخلصي اتفاقك.”
دخلت المكتب، كان أضخم مكتب شفته في حياتي، مليان تحف وأوراق قديمة. سليم كان قاعد ورا المكتب، بيبص من الشباك على الجنينة، وبمجرد ما دخلت، لف بكرسيه وقال:
— “كنت متوقع إنك هتيجي.. الجرسونة اللي بتدرس قانون مش ممكن تضيع فرصة زي دي.”
— “أنا جيت، بس مش عشان خاطر التهديد بتاعك.” قلتها بصوت ثابت رغم رعشة إيدي، “أنا جيت لإن عندي فضول أعرف إيه اللي ممكن يخلي ملياردير زيك يحتاج جرسونة في صفقة دولية. إيه اللي إنت مخبيه في إيطاليا؟”
سليم قام وقف، وقرب مني، وفضل ساكت للحظة، وبعدين قال:
— “في إيطاليا، فيه أوراق ومستندات بتثبت إن جزء كبير من ثروة السيوفي اتسرق من والدي، مش بس كدة، الصفقة اللي رايح أعملها هي اللي هترجع لي اسم عيلتي اللي حاولوا يشوهوه. المحامين بتوعي كلهم “مكشوفين” قدام أعدائي، لكن إنتي.. إنتي “ورقة غامضة”. محدش يعرفك، محدش يتوقع إنك ممكن تكوني العقل المدبر ورا تحركاتي.”
فهمت اللعبة.. هو مش محتاجني عشان الإيطالي، هو محتاجني عشان أكون “غطا” لتحركاته القانونية في وسط المافيا اللي بتحاول تبتزه.
سليم كمل: “ليلى، الصفقة دي لو نجحت، مش بس هترجعي حياتك، إنتي هتاخدي مبلغ يخليكي تفتحي أكبر مكتب محاماة في مصر.”
بصيت في عينيه كويس، ولأول مرة حسيت إن سليم السيوفي ده “مكسور” من جواه، زي ما هو حاول يكسرني بتهديده.
— “موافقة، بس ليا شرط.”
سليم رفع حاجبه بفضول: “قولي.”
— “مفيش أسرار. أي ورقة هتحطها في إيدي، لازم أعرف إيه اللي مكتوب فيها. القانون هو اللي هيمشي الصفقة دي، مش “المافيا” اللي إنت بتتعامل معاها.”
ابتسم ابتسامة غامضة وقال: “اتفقنا. جهزي نفسك، الطيارة الخاصة جاهزة.”
بمجرد ما ركبت الطيارة، حسيت إني بدأت أعيش حياة تانية خالص. بس اللي ما كنتش أعرفه، إن في إيطاليا، كان فيه “شخص” مستنينا، شخص عارف سليم وعارفني، وكان بيجهز “مفاجأة” تخلي الصفقة دي تتحول لمطاردة حقيقية.
وصلنا مطار فلورنسا، الجو كان لسعة برد خفيفة، وريحة الهوا مختلفة تماماً.. ريحة تاريخ وقدم وفخامة. سليم كان بيتحرك بهدوء مريب، وكأن المكان ده ملعب بيته. ركبنا عربية سوداء فخمة، وفهد كان سايق، وسليم فضل ساكت طول الطريق وهو بيبص من الشباك، كأنه بيراجع خطته في دماغه.
أنا كنت قاعدة جنبه، ويدي بتترعش جوه جيبي. أنا مكنتش مجرد مترجمة، أنا كنت “الدرع” بتاعه. وصلنا لقصر قديم، تحس إنه خارج من رواية، بوابات حديد ضخمة وأشجار عالية محوطاه من كل ناحية.
أول ما دخلنا القصر، استقبلنا راجل عجوز بملامح حادة وبدلة كلاسيك، اسمه “ماركو”. ماركو ده مش مجرد مدير أعمال، ده كان “الصندوق الأسود” لصفقات عيلة السيوفي في إيطاليا. أول ما شافني، بص لسليم بابتسامة صفراء وقال بالإيطالي:
— “سليم، هي دي اللي اخترتها؟ باين عليها لسه بتخاف من خيالها.”
سليم بص لي ببرود، وكأنه بيختبر ثباتي، وقال لماركو:
— “الخوف ساعات بيكون أسرع سلاح، ماركو. ليلى مش مترجمة عادية، ليلى هي اللي هتراجع بنود العقد اللي المحامين بتوعك فشلوا في فهمه.”
ماركو ضحك بصوت عالي ومزعج، ودخلنا أوضة الاجتماعات. الأوضة كانت مليانة رجالة شكلهم يوحي إنهم خارجين من فيلم أكشن. سليم بدأ يتكلم بالإيطالي بطلاقة مرعبة، وأنا كنت قاعدة جنبه بكتب كل كلمة في النوتة بتاعتي. فجأة، سليم وقف كلام وبص لي وقال:
— “ليلى، ترجمي لهم البند الخامس في العقد اللي قدامك، وقولي لهم ليه هو “غير قانوني” حسب القوانين الإيطالية الجديدة.”
الرجالة اللي في الأوضة كلهم بصوا لي. كان فيه لحظة صمت خانقة. حسيت إن أنفاسي محبوسة، بس افتكرت محاضرات القانون اللي قضيت عمري بذاكرها.
خدت العقد، وقرأت البند، ووقفت بثبات وبدأت أتكلم:
— “البند الخامس ده يا سادة مش بس غير قانوني، ده “تزوير” صريح. المادة 142 من القانون التجاري الإيطالي بتمنع انتقال الأصول بالطريقة دي، وأي توقيع هنا معناه إنكم بتبصموا على تهمة جنائية في حقكم.”
سكتت، ولقيت واحد من الرجالة قام وقف وبص لسليم بغضب:
— “إنت جايب عيلة هنا تعلّمنا القانون؟”
سليم طلع مسدسه بهدوء وحطه على الترابيزة قدامهم، وقال بصوت واطي:
— “لا، جايب محامية هتحبسكم لو ما مضيتوش العقد الصح دلوقتي.”
الوضع في الأوضة كان مشحون. كنت حاسة إني في نص معركة، سليم السيوفي كان بيلعب لعبة خطر جداً، وأنا كنت جزء منها. فجأة، سمعنا صوت صريخ جاي من الجنينة، وباب القصر اتكسر بقوة.
فهد دخل يجري وقال لسليم:
— “سليم بيه، “إلياس” عرف مكاننا.. وواضح إنه مش جاي للتفاوض!”
سليم بص لي بسرعة وقال:
— “ليلى، معاكي كل الأوراق المهمة؟”
— “أيوه.”
— “تمام.. فهد، خد ليلى واهربوا من الباب الخلفي، أنا هلهي “إلياس” والرجالة دول.”
سليم جري ناحية الباب التاني، وأنا وقفت مصدومة:
— “سليم! مش هسيبك!”
سليم لف لي لثانية واحدة، نظرة عينيه كانت مختلفة.. نظرة خوف عليّ مش خوف منه، وقال:
— “لو ليلى الروسية ماتت النهاردة، حلم المحامية ضاع.. اهربي يا ليلى!”
فهد شدني من إيدي، وطلعنا نجري في ممرات القصر الضلمة، وسلاح إلياس كان شغال ورا باب القصر.. المعركة بدأت، وأنا دلوقتي في قلب النار.
يتبع
