عمر ومريم
وقف عمر مكانه وهو بيبص لمريم بنظرة خلتها تحس إن نفسها اتقطع. الصورة كانت لسه في إيديها، وإيدها بترتعش من الخضة.
قال بصوت هادي لكنه مرعب: “أنا سألتك سؤال… مين سمح لك تلمسيها؟”
نزلت الصورة بسرعة على الرف وقالت وهي بتحاول تسيطر على ارتباكها: “حقك عليا يا فندم… ماكنش قصدي… لقيتها مقلوبة فافتكرت إنها وقعت.”
قرب منها خطوة، وعينه ما سابتش وشها.
“ولما شفتيها… عرفتي الست اللي فيها؟”
اترددت ثواني، لكنها ما شافتش سبب للكذب.
“دي جدتي… الله يرحمها… اسمها أمينة.”
في اللحظة دي وش عمر اتغير تمامًا، كأنه سمع اسم كان مستحيل يسمعه تاني في حياته.
همس من غير ما يحس: “أمينة…”
مريم استغربت إنه نطق الاسم بالطريقة دي.
قالت: “حضرتك تعرفها؟”
فضل ساكت، وبص للصورة وكأنه رجع عشرين سنة لورا.
قطع الصمت صوت تليفونه، لكن أول مرة تجاهله.
سألها وهو بيحاول يخبي اضطرابه: “جدتك عايشة؟”
هزت راسها بالنفي.
“لأ… اتوفت من أربع سنين.”
غمض عينيه لحظة، ولما فتحهم كانوا مليانين حاجة عمرها ما كانت تتخيل تشوفها في عينين راجل الناس كلها بتخاف منه… وجع.
“قبل ما تموت… قالتلك حاجة عن العيلة اللي كانت شغالة عندها؟”
مريم حاولت تفتكر.
“كانت ساعات تحكي عن طفل صغير كانت بتحبه أوي… وكانت دايمًا تقول إنه كان بيعيط أول الليل، وماكانش بيهدى غير لما تغنيله نفس التهويدة.”
اتجمد عمر في مكانه.
“وقالتلك اسمه؟”
“لأ… عمرها ما قالت.”
لف ناحية الشباك الكبير وهو حاطط إيده في جيبه، لكن مريم لاحظت إن صوابعه كانت بتترع
في أقل من ثانية اختفى الهدوء من على وش عمر.
قال بصوت حاسم: “خلي عينك عليها… متسيبوهاش لحظة.”
قفل المكالمة وجري ناحية المصعد لأول مرة من سنين من غير ما يستنى الحرس.
في نفس الوقت كانت مريم ماشية في الشارع وهي لسه ماسكة الظرف، مش مستوعبة اللي حصل. فجأة حست إن عربية سودا ماشية وراها بنفس السرعة.
لفت أكتر من مرة.
العربية ما بطلتش تمشي وراها.
زودت سرعتها.
العربية زودت.
أول ما دخلت شارع جانبي نزل منها راجلين.
واحد منهم قال: “آنسة مريم… معانا كام سؤال بس.”
قبل ما يلمسها كانت عربية عمر وقفت قدامهم بعرض الشارع.
نزل الحرس، وخلال لحظات الراجلين جريوا واختفوا.
وصل عمر بنفسه بعد ثواني.
وقف قدامها وقال بنبرة مفيهاش نقاش: “اركبي.”
كانت مرعوبة، لكنها ركبت.
طول الطريق ولا واحد فيهم اتكلم.
ولما وصلوا للبنتهاوس، فتح الخزنة القديمة وحط قدامها صندوق خشب صغير.
قال: “قبل خمسة وعشرين سنة جدتك أنقذت طفل كان مطلوب يتق*تل بسبب صراع على ثروة عيلة كبيرة. الطفل ده… كنت أنا.”
مريم فضلت باصة له في صدمة.
فتح الصندوق.
طلع نفس البطانية البيضا اللي كانت في الصورة، ومعاها خطاب قديم.
ناولها الخطاب.
كان بخط جدتها أمينة.
“لو وصلت الرسالة دي لعمر بعد السنين دي كلها، يبقى ربنا كتب له يعيش. أنا مخبيتوش عشان الفلوس، خبيته عشان كان طفل مالوش ذنب. ولو في يوم حفيدتي قابلته، أعرف إنها أمانة عنده زي ما هو كان أمانة عندي.”
دموع مريم نزلت من غير ما تحس.
افتكرت جدتها وهي دايمًا تقول لها إن المعروف الحقيقي بيرجع مهما طال الزمن.
ابتسم عمر لأول مرة ابتسامة صادقة.
“التهويدة اللي غنيتيها كانت الإشارة الوحيدة اللي فضلت معايا من طفولتي. أول ما سمعتها عرفت إن بينك وبين الست دي صلة.”
لكن لسه كان فيه سؤال.
“مين حاول يخطفني؟”
فتح عمر ملف قديم.
كان فيه مستندات وصور وأسماء.
قال: “الشخص اللي دبّر كل حاجة كان شريكي القديم. مات من سنين، لكن قبل موته اعترف بكل حاجة وسلم الأدلة للنيابة. القض*ية اتقفلت، والناس اللي شاركوه اتحاسبوا.”
أخدها في اليوم التالي لبيت جدتها القديم في إسكندرية.
كان البيت مقفول من سنين.
فتحوا أوضة صغيرة كانت جدتها دايمًا تمنع أي حد يدخلها.
جواها لقوا صندوق تاني.
الصندوق كان فيه صور كتير لعمر وهو طفل، ورسائل شكر كانت جدتها عمرها ما بعتها، ومفكرة كتبت فيها كل اللي حصل بالتفصيل من أول ليلة أنقذته فيها لحد ما سلمته لأهله بعد ما الخطر انتهى.
وقفت مريم تقلب الصفحات وهي بتبكي.
كانت جدتها بطلة حقيقية، لكنها اختارت تعيش وتموت من غير ما تحكي لحد.
بص لها عمر وقال: “أنا مدين ليها بعمري كله… وعمري ما هقدر أوفي الدين ده.”
ردت مريم بابتسامة هادئة: “هي ما كانتش مستنية مقابل… كانت بتعمل الصح وبس.”
بعد شهور، عمر أنشأ مؤسسة خيرية باسم “أمينة” لعلاج الأطفال غير القادرين، وكان أول قرار فيها تحمل مصاريف علاج يوسف بالكامل وتعليمه لحد ما يحقق حلمه.
أما مريم، فكملت دراستها من جديد، واشتغلت في إدارة المؤسسة بدل شغل التنظيف، لأنها كانت مؤمنة إن الفرصة اللي غيرت حياتها لازم تكون بداية لتغيير حياة ناس تانية.
وفي يوم افتتاح المؤسسة، وقف عمر قدام صورة أمينة المعلقة على الحائط وقال بصوت كله امتنان:
“زمان أنقذت طفل بتهويدة… والنهارده ذكراها بتنقذ آلاف الأطفال.”
وساعتها مريم ابتسمت وهي حاسة إن جدتها، رغم رحيلها، كانت لسه بتكمل رسالتها… لكن المرة دي من خلال كل روح اتكتبت لها فرصة جديدة للحياة.