خطيب بنتى صافى هانى الثاني والاخير
نظرت لمريم، ولآدم، وبعدها قمت من مكاني بهدوء.
قلبي كان بيدق بسرعة، لكن ملامحي كانت ثابتة.
قلت للخادمة:
“دخليهم.”
بعد لحظات دخل راجل في أواخر الستينات، ومعاه ست في الخمسينات، الاتنين لابسين بدلات رسمية، وماسكين شنطة جلد مليانة ملفات.
أول ما شافوني، الراجل وقف مكانه وقال بالفرنساوي:
“مدام نادية عبد الرحمن؟”
هزيت رأسي.
مد إيده باحترام وقال:
“أنا بيير لوران، المستشار القانوني للشركة، ودي زميلتي صوفي مارتان.”
مريم كانت واقفة جنبي ومش فاهمة حاجة.
قلت لهم بالعربي:
“دول جايين من فرنسا.”
بعدها رجعت كلمتهم بالفرنساوي:
“اتفضلوا.”
قعدوا، لكن التوتر كان مالي المكان.
فتح بيير الشنطة وطلع ملف قديم، لونه اصفر من الزمن.
قال:
“الملف ده مقفول من سنة 1986… واتفتح من جديد من أسبوعين.”
بصيت للملف، وحسيت إني رجعت بنت عندها تلاتين سنة، واقفة في مكتب المدير وهو بيهددها.
بيير قال:
“المدير اللي لفّقلك التهمة توفى من خمس سنين.”
سكت لحظة.
“لكن قبل وفاته اعترف بكل حاجة في تسجيل رسمي، واعترف إنك رفضتي تشاركي في التزوير، وإنه استخدم اسمك علشان يغطي على اختلاسه.”
آدم شهق.
أما والده فغمض عينيه، كأنه بيتأكد إن اللي بيسمعه حقيقي.
بيير كمل:
“القانون الفرنسي بيلزم الشركة تعتذر رسميًا لأي موظف اتظلم… وتعوضه.”
صوفي طلعت ظرف أبيض وخطاب مختوم.
وقالت:
“ده اعتذار رسمي باسم مجلس الإدارة.”
ناولتهولي.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الخطاب، ولأول مرة في حياتي شفت اسمي مكتوب وتحته جملة:
“نعتذر عن الظلم الذي تعرضتِ له، ونقر ببراءتك الكاملة.”
الدموع نزلت من غير ما أحس.
مش علشان الفلوس.
ولا علشان الاعتذار.
لكن علشان بعد أربعين سنة، أخيرًا حد قال الحقيقة.
مريم حضنتني وهي بتعيط.
وقالت:
“سامحيني يا ماما… أنا كنت فاكرة إن حياتك كانت عادية.”
ربت على ضهرها.
“كل واحد فينا عنده حكاية… مش لازم تكون مكتوبة على وشه.”