خبوا كرسي العروسة
خبّوا كرسي العروسة المتحرك عشان يضحكو عليها… لحد ما زعيم المافيا شالها قدام كل المعازيم.
سرقوا كرسيها المتحرك قبل فرحها بدقايق.
وقالولها إنه هيبوّظ صور الفرح.
لكن بعدها، راجل الكل بيخاف منه فتح باب أوضة العروسة وسألها السؤال اللي عريسها كان أجبن من إنه يسأله:
—إنتِ عايزة إيه؟
الجزء الأول — الكرسي اللي خبّوه قبل كتب الكتاب
أول مرة أدركت فيها ليلى إن محدش جاي ينقذها، كانت قاعدة على أرض أوضة العروسة بفستان فرحها.
الستان الأبيض كان مفروش حواليها على الأرض.
طرحتها مايلة على كتفها، وطرفها متعلق في دانتيل الكم.
إيديها الساقعة كانت بتترعش وهي ماسكة في رجل كرسي قدامها، كرسي ما تقدرش تطلع عليه لوحدها من غير مساعدة.
ومن ورا باب الأوضة، موسيقى دخول العروسة كانت بدأت.
هادية.
جميلة.
وقاسية.
كرسيها المتحرك اختفى.
ماكنش اتحرك من مكانه بالغلط.
ماكنش حد حطه على جنب عشان يوسع الطريق.
لأ.
اختفى.
ليلى قضت عشر دقايق كاملة بتحاول تزحف على السجادة، وتنادي على أي حد لحد ما صوتها اتبح.
لكن صحابها اختفوا.
سابوها ومشيوا وسط ريحة البرفانات وفساتين السهرة والضحكات الواطية.
كأنهم ماخدوش منها الحاجة الوحيدة اللي بتخليها تتحرك وتعيش بكرامتها.
وفجأة، الباب اتفتح سنة صغيرة.
ظهرت منه داليا.
إشبينتها.
وأخت عريسها، كريم.
بصتلها بابتسامة باردة.
—ليلى… ماتكبريش الموضوع.
رفعت ليلى عينيها من على الأرض.
—كرسيي فين؟
دخلت داليا الأوضة.
ووراها بنتين من صحابها لابسين فساتين بلون واحد، وواقفين يتفرجوا بنظرات متحمسة ومتوترة.
نظرات ناس عارفين إنهم بيعملوا حاجة بشعة…
لكن قرروا يسموها هزار.
قالت داليا:
—حطيناه في مكان آمن… لحد ما نخلص صور الدخول بس.
فضلت ليلى باصالها.
—إنتوا خبيتوا كرسيي؟
داليا نفخت بضيق.
—شكله مش مناسب للصور. والمصور قال إن صور الممر هتبقى أحلى لو دخلتي وإنتِ ماشية جنب كريم.
—أنا ماقدرش أمشي الممر ده.
—ممكن تحاولي.
واحدة من البنات ضحكت وقالت:
—ده عشرين خطوة بالكتير.
وش ليلى سخن.
وبعدين برد فجأة.
هي كانت عارفة إن عيلة كريم بيهمهم المظاهر.
عارفة إنهم بيحسبوا كل حاجة.
كل عزومة.
كل سفرية.
كل صورة.
كل ابتسامة قدام الناس.
لازم كل حاجة تبقى مثالية عشان تتحط في برواز ويتباهوا بيها.
لكن عمرها ما تخيلت إنهم في يوم فرحها هيسلبوها كرامتها عشان صورة.
قالت ليلى:
—رجعولي الكرسي.
ابتسامة داليا اختفت شوية.
—كريم موافق إن ده الأحسن.
الكلمة وجعتها أكتر من الأرض اللي قاعدة عليها.
شفايف ليلى اتحركت بصعوبة.
—كريم عارف؟
داليا بصت بعيد لنص ثانية.
بس.
نص ثانية كانت كفاية.
الإجابة دخلت قلب ليلى زي السكينة.
عريسها كان عارف.
الراجل اللي مسك إيدها في المستشفى.
الراجل اللي وعدها إن كرسيها المتحرك عمره ما كان حاجة بيتحملها فيها، وإنه جزء من حياتها وبيحترمه.
الراجل اللي واقف دلوقتي مستنيها قدام كل المعازيم…
كان عارف إن أخته وصحابها مخبيين كرسي عروسته وبيجبروها تترجى عشان يرجعولها قدرتها على الحركة.
داليا كملت:
—هو بس مش عايز مشاكل النهارده. وإنتِ عارفة كريم بيتوتر إزاي.
ضحكت ليلى ضحكة مكسورة.
—مشاكل؟
سكتت لحظة.
وبعدين همست:
—أنا المشكلة، صح؟
داليا وطت صوتها بالطريقة القاسية اللي بعض الناس بيستخدموها عشان يلبسوا الإهانة شكل النصيحة.
—إنتِ جميلة يا ليلى. والله جميلة. بس الكرسي بيخلي الناس مش مرتاحة. والنهارده المفروض كل حاجة تبقى مثالية.
مثالية.
الكلمة كسرت حاجة جواها.
بصت ليلى لفستانها.
الفستان اللي اختارته لأنها لأول مرة من سنين حسّت إنها نفسها وهي لابساه.
أكمام دانتيل طويلة.
وسط مظبوط عليها.
وجيبة واسعة كانت بتتحرك حوالي كرسيها كأنها نور وهي بتلف.
كانت متخيلة نفسها وهي داخلة الممر رافعة راسها.
لابسة سلسلة أبوها الله يرحمه.
وكريم مستنيها في الآخر والدموع في عينيه.
لكن دلوقتي؟
هي قاعدة على الأرض.
الموسيقى بره اتغيرت.
دخول العروسة قرب.
بصت داليا في موبايلها.
—قدامنا دقيقتين. يا إما تخلي واحد من أصحاب كريم يشيلك ويدخلك، يا إما تفضلي هنا لحد ما كتب الكتاب يخلص. وكريم يقول للناس إنك جالك انهيار من التوتر.
رفعت ليلى عينيها ببطء.
—اطلعي بره.
داليا رمشت باستغراب.
صوت ليلى كان بيترعش.
لكنه ما انكسرش.
—اطلعي بره الأوضة.
للحظة، داليا بصتلها كأنها هي اللي اتأذت.
وبعدين لفت عينيها بضيق، وشاورت للبنات يمشوا.
وقبل ما تقفل الباب، قالت:
—إنتِ اللي بتفضحي نفسك.
الباب اتقفل.
فضلت ليلى قاعدة لوحدها في الصمت.
الضحك اختفى بعيد.
والموسيقى عليت.
حاولت ماتعيطش.
لكنها فشلت.
نزلت أول دمعة على خدها.
وبعدين التانية.
ماكنتش بتعيط عشان محتاجة حد يشيلها.
ولا عشان عايزة شفقة.
كانت بتعيط لأن كل الناس اللي بره مستنيين يشوفوا العروسة…
بينما الناس اللي بيقولوا إنهم بيحبوها قرروا إن شكلها الحقيقي مش مناسب يتشاف.
وفجأة…
خطوات وقفت قدام باب الأوضة.
ماكنتش خطوات كعب بنت.
ولا خطوات كريم المترددة اللي حفظتها.
كانت خطوات بطيئة.
تقيلة.
واثقة.
الباب اتفتح من غير خبط.
وراجل وقف عند الباب.
طويل.
ساكن.
ولابس بدلة سودا وقميص أبيض مفتوح من عند الرقبة.
شعره الأسود مترجع لورا.
ووشه هادي زيادة عن اللزوم.
ليلى كانت شافته مرة واحدة بس الصبح من بعيد في ساحة القاعة.
وسمعت المعازيم بيهمسوا باسمه كأنه تحذير.
آسر الجبالي.
الضيف الغامض اللي جاي من الصعيد.
الراجل اللي رجال الأعمال بيوطوا صوتهم لما اسمه يتقال.
واللي ناس كتير بتعمل نفسها ماتعرفوش لما تشوفه.
عينيه اتحركت في الأوضة مرة واحدة.
المكان الفاضي اللي كان المفروض يبقى فيه الكرسي.
العلامات على السجادة مكان ما ليلى حاولت تزحف بفستانها التقيل.
إيدها الماسكة في رجل الكرسي.
والدموع اللي حاولت تخبيها بعد فوات الأوان.
وفجأة…
حاجة اتغيرت في وشه.
ماكنتش شفقة.
كان هدوء مخيف.
بصلها.
وسأل بصوت منخفض:
—مين اللي عمل فيكي كده؟
رفعت ليلى عينيها ليه.
لكن قبل ما ترد…
صوت داليا جه من آخر الطرقة وهي بتضحك:
—ماتشغلش بالك يا آسر بيه… دي بس عروسة مدلعة وبتعمل مشكلة عشان شوية صور.
آسر ما بصش ناحيتها.
فضلت عينيه ثابتة على ليلى.
وبعدين سألها سؤال واحد…
السؤال اللي عريسها نفسه ما سألهاش:
—إنتِ عايزة إيه؟
ليلى بصتله والدموع لسه على خدها.
وفي اللحظة دي…
بصت ليلى لآسر الجبالي، الراجل اللي كل الناس بتترعب منه، والكلمة طلعت من قلبها قبل ما تطلع من لسانها، كلمة كانت مخبياها حتى عن نفسها:
— «أنا عايزة أخرج من هنا بكرامتي.. مش عايزة أترحم على اللي عملوه فيا، أنا عايزة أدخل القاعة دي وأنا مرفوعة الرأس، حتى لو من غير الكرسي، مش عايزة حد يشفِق عليا.»
آسر ماقالش ولا كلمة. دخل الأوضة، قفل الباب وراه، ووقف قدام ليلى. شال جاكيت بدلته الغالية ورماه على الكرسي، ووطى بجسمه القوي ناحيتها، لدرجة إنها حست بهيبته بتملأ المكان.
بص في عينيها وقال بصوت رجولي حازم:
— «الكرامة مش في الكرسي يا ليلى.. الكرامة في الثبات. قومي..»
— «أقوم؟ أنا ما أقدرش..»
قاطعها بصوت واثق:
— «إنتِ تقدري تعملي أي حاجة طول ما أنا موجود. سندي على كتفي.. هرفعك، وهدخل بيكي القاعة اللي كانوا فاكرين إنك هتترمي فيها على الأرض.»
مد إيده القوية، ليلى مسكت فيها، حست إن إيده زي الحديد، قومها بصلابة خلتها تقف رغم رعشة رجليها. ليلى كانت أطول مما تخيلت لما وقفت على إيد آسر.
آسر بص للباب، وفتح الباب على مصراعيه. داليا كانت واقفة بره، ووجهها اتخطف تماماً لما شافت “آسر الجبالي” خارج من أوضة العروسة وهو شايل ليلى، مش شايلها كـ “معاقة”، لكن شايلها كـ “ملكة”.
آسر مشي في الطرقة، وكل خطوة كان صوتها بيزلزل المكان. المعازيم اللي كانوا بيتهامسوا سكتوا فجأة. كريم، العريس، كان واقف في أول الممر، وشه ابيض لما شاف المنظر.
آسر بص لكريم نظرة واحدة بس.. نظرة خلت كريم يرجع لورا بخوف، وبعدين بص لليلى وقال لها بصوت مسموع للقاعة كلها:
— «عروسة زي دي، ما ينفعش تمشي على الأرض.. لازم الكل يبصلها من فوق، عشان يعرفوا إنها أقوى منهم.»
آسر دخل بيها القاعة، وبدل ما يحطها في مكانها، خدها لحد “كوشة العروسة” اللي كانت فوق منصة عالية، وحطها بوقار. كريم حاول يقرب، بس آسر حط إيده على كتف كريم وضغط عليها بقوة خلت كريم يصرخ من الألم، وهمس في ودنه:
— «لو شفت دمعة تانية في عينها، هخلي الفرح ده عزاء لكل عيلة الجبالي.»
ليلى بصت لكريم، بصت لأهله اللي كانوا فاكرين إنهم كسروا عضمها، وبصت لآسر اللي وقف وراها زي الجبل، وكأنه بيقول لكل اللي في القاعة: «اللي يلمسها، يلمسني.»
ليلى رفعت راسها، ومسحت دموعها.. ولأول مرة من سنين، ليلى ما بقتش “العروسة اللي على الكرسي”، بقت “العروسة اللي الكل بيخاف يضايقها”.
كريم كان واقف بيترعش، مش بس من خوفه من آسر، لكن من نظرات المعازيم اللي بدأت تتهامس وتتغير. داليا حاولت تتدخل: «يا آسر بيه، الموضوع مش كده، إحنا بس كنا..»
آسر قاطعها بنظرة حادة خلتها تسكت فوراً، وبص لكريم وقال بصوت رخيم وهادي: «إنت عارف يا كريم إيه اللي بيحصل لما حد يغلط في أمانة في ذمته؟»
كريم بتلعثم: «دي.. دي مراتي يا آسر بيه..»
آسر ضحك ضحكة باردة، وقرب من ليلى اللي كانت قاعدة بكل هيبة على الكوشة، وخد إيدها وقال قدام الكل: «المرأة مش ملكية يا كريم، المرأة روح، واللي ما يعرفش يصون الروح دي، ما يستحقش إنها تكون في بيته.»
ليلى بصت لكريم، ولأول مرة شافت فيه “الضعف” اللي كانت خايفة منه. قالت بصوت هادي ومسموع لكل القاعة: «أنا اللي كنت مفكراك سندي، بس اتضح إن سندي كان بيستنى الوقت اللي أقع فيه عشان يخبّي الكرسي بتاعي ويشمت فيا.»
القاعة كلها شهقت. كريم حاول يقرب منها، بس آسر وقف زي السد المنيع، وقاله: «الفرح خلص يا كريم.. والمعازيم اللي جم عشان يتفرجوا على “عرض”، شافوا الحقيقة، والحقيقة أحياناً بتبقى مرّة.»
آسر شاور للحراس بتوعه، وخرجت ليلى من القاعة وهي مرفوعة الرأس، مش لأنها قدرت تمشي، لكن لأنها قدرت “تطير” بروحها بعيد عن ناس كانت مفكراهم بشر وهما كانوا مجرد أقنعة.
آسر ركبها عربيته الفخمة، وطلب من السواق يتحرك. ليلى بصتله وقالت: «ليه عملت كل ده؟ ليه وقفت قدامهم؟»
آسر بص للطريق وقال: «لأن من سنين، شفت أختي في نفس موقفك، وشفتهم بيخبوا كراسيها وبيضحكوا عليها، ومكنتش موجود عشان أخد حقها.. والنهارده، كنت موجود عشان أخد حقك إنتِ.»
ليلى حست إن ده مش مجرد صدفة، ده كان “قدر”. آسر الجبالي، الرجل اللي الكل بيخافه، طلع هو “القلب” اللي ليلى كانت محتاجاه عشان تكمل.
وصلوا لبيت آسر، اللي كان قصر واسع ومجهز بكل حاجة لراحة ليلى. آسر بص لها وقالي: «من النهارده، القصر ده بيتك، لا فيه حد هيخبّي كرسيكي، ولا فيه حد هيتحكم في خطواتك.. إنتِ هنا “ملكة”، واللي عايز يقرب من الملكة، لازم يواجه آسر الجبالي.»
ليلى ابتسمت، ولأول مرة من سنين، حست إنها مش بس “ليلى اللي على كرسي”، دي “ليلى اللي بدأت حياتها الحقيقية”.
تمت