ملف خيانه موثق بقلم منال عباس الاول

ملف خيانه موثق بقلم منال عباس

الاول

أنا المغفلة اللي كانت بتحضر لجوزها مفاجأة عيد ميلاده، والنهاردة واقفة قدام القاضي بطلب الطلاق، وبإيدي ملف كامل موثق بخيانته، هدية ما كانش عامل حسابها في ليلة عيد ميلاده.
الساعة كانت ستة، الشقة مليانة دفا وريحة الأكل اللي عملته بحب، وأهله كلهم مستخبيين في الأوضة ومستنيين لحظة دخوله عشان يصرخوا “كل سنة وأنت طيب”. كنت واقفة قلبي بيدق من الفرحة، متخيلة ملامح حسن وهي بتتحول من التعب للدهشة.
بس اللي ما كنتش أعرفه، إن “المفاجأة” كانت متبادلة، وإن حسن كان بيحضر لي “هدية” تانية خالص.
سمعت صوت مفتاحه في الباب، دخل وهو بيضحك وبيهزر، وما كانش لوحده.. كانت معاه “دينا” السكرتيرة، اللي قضت اليوم كله في المكتب بتلف وتدور عليه وتسمعه كلام معسول عن إنها “هتشيله في عينيها”.
دخل وهو بيقولها بصوت واطي ومبسوط: “ارتاحي يا حبيبتي، البيت بيتنا الليلة.. ومراتي الغبية سافرت عند أمها، ولا حد هيعرف يزعجنا ولا يعكر صفونا”.
كلماته كانت زي الرصاص اللي اخترق قلبي. اتجمدت في مكاني، وبصيت ورايا لأهله اللي كانوا واقفين ورا باب الأوضة، شوفت الصدمة في عيون أبوه، والوجع في عيون أمه، والذهول على وش أخوه.
ما صرختش، وما رديتش عليه، ولا عملت “الأكشن” اللي بيحصل في المسلسلات. عملت حاجة أقوى بكتير.. إشارة واحدة بإيدي لأخوه، وفتح باب الأوضة.
البيت كله طلع في وشه.. دينا وقعت من الرعب، وحسن وقف متسمر في مكانه، وشه بقى أبيض زي الملاية، والكلمات هربت من لسانه. كان واقف قدام أهله، قدام “سنده”، وقدام الشخص اللي أمنوه على حياتهم، وهو في قمة خسته.
لا حد فيهم قدر يدافع عنه، ولا هو عرف يبرر. كان منظرهم وهم ملمومين عليه يكسف، والبيت اللي كنت مفكراه حصن لحبنا، اتحول في ثانية لمسرح فضيحة.
النهاردة، وأنا واقفة قدام القاضي، مش مستنية منه اعتذار، ولا حتى تبرير. الراجل اللي استرخص مراته وباع العشرة عشان “نزوة” في ليلة عيد ميلاده، ما يستاهلش مني دمعة واحدة.
أنا خرجت من البيت ده بكرامتي، وسبت له هو “المفاجأة” اللي هيفضل عايش فيها طول عمره.. سيبت له خزي الفضيحة، وخدت لنفسي حقي في بداية جديدة، بعيد عن راجل ما عرفش يعني إيه “بيت” ولا يعني إيه “زوجة”.بقلم منال عباس
وقفت قدام القاضي وصوتي ثابت ولا فيه رعشة ولا دموع زي ما هو كان فاكر إني هضعف لما يشوفني، بدأت أحكي التفاصيل بهدوء مريب وهو قاعد قدامي في قفص الاتهام مكسور العين ومش قادر يرفع راسه لا ليا ولا لأهله اللي حضروا الجلسة عشان يشهدوا على خيبته، القاضي سألني عن الأسباب ففتحت الملف اللي معايا ورميته على المكتب وقلت له يا سيادة القاضي ده ملف كامل فيه كل اللي حصل يوم عيد ميلاده اللى كان فاكرني فيه المغفلة اللي غفلت عن بيتها، وريته صور ومحادثات ورسايل بتبين خيانته مع دينا السكرتيرة في الوقت اللي كنت أنا فيه بجهز له أحلى ليلة، القاعة كلها سكتت وبصوا له بنظرات احتقار، حسن حاول يقطع كلامي وبص لي بعيون كلها ذل وانكسار وقال لي يا منال أرجوكي بلاش الفضيحة دي، إحنا عشرة عمر وأنا كنت شيطان وغلطت، سامحيني واسترى عليا قدام الناس والبيت والشركة، دي كانت ساعة شيطان يا منال والكل بيغلط، أنا مقدرش أعيش من غيرك ومقدرش أتحمل نظرة الناس ليا، ارجعي البيت يا بنت الحلال وأنا هعملك اللي تطلبيه وهرمي دينا دي بره حياتي وهبوس إيدك قدام الكل بس بلاش تطلقي، بصيت له بابتسامة سخرية وقلت له عشرة العمر دي كان المفروض تحافظ عليها يوم ما كنت أنت بتخطط مع السكرتيرة خيانتك في بيتي، أنت مش خايف من الفضيحة أنت خايف على كرسيك في مايكروسوفت وخايف على وضعك الاجتماعي اللي هيتهز لما الكل يعرف حقيقتك، أنا لا عايزة لا بوست إيد ولا عايزة رجوع، أنا جاية أخد حريتي من واحد رخيص زيك، القاضي بص له بقرف وقال له الزم الصمت يا حسن، المحكمة مش مكان للاستعطاف، وأنا كملت كلامي وقلت له يا حسن أنت اللي أهنتني وأهنت أهلك اللي كانوا مستنيينك بفرحة، أنت اللي دمرت الثقة بأيدك، أنا النهاردة مش بطلقك عشان غلطة، أنا بطلقك عشان عرفت إن اللي قدامي ده ما يعرفش يعني إيه رجولة ولا يعني إيه أمانة، خيانتك كانت أكبر هدية لقرار طلاقي، سكت حسن تماماً بعد ما عرف إن كل الطرق بقت مسدودة في وشه وإن الناس اللي كان بيتباهى قدامهم بمركزه هم نفسهم اللي شافوا خسته ووضاعته في ليلة عيد ميلاده، القاضي نطق بحكمه بالطلاق، وخرجت من القاعة وأنا حاسة إن جبل تقيل انزاح من على صدري، سبته ورايا بيلم شتات نفسه المكسورة ومستقبله اللي ضاع بسبب نزوة رخيصة، خرجت من المحكمة وأنا ببدأ حياة جديدة نظيفة من الخداع، وما بصيتش ورايا أبداً لأني عارفة إن اللي زي حسن ما يستاهلش حتى التفاتة من وحدة زدت قيمتها بقرارها.
بقلم منال عباس
بعد ما خرجت من قاعة المحكمة بالورقة اللي بتعلن نهايتي معاه، ماكنتش حاسة بأي ندم، بالعكس، كنت ماشية في الشارع والخطوة تقيلة بالكرامة اللي استردتها، وفجأة لقيته طالع ورايا بيجر أذيال الخيبة، وقف قدامي وهو بيحاول يمثل دور الضحية مرة تانية وبصوته اللي كان بيتهز من الخوف قالي يا منال ارجوكِ اسمعيني، الكلام اللي اتقال جوه ده كان قدام الناس والكل بيغلط، بس بيني وبينك الوضع يختلف، الشركة والمركز اللي وصلت له تعبت فيه سنين، والناس اللي كانت موجودة في بيتك يوم عيد ميلادي دول ليهم كلمة عليا، لو مشيتِ في طريق الطلاق ده هيضيعوا كل حاجة، حتى أمي وأبويا بقوا بيبصولي كأني غريب عنهم، أنا ما كنتش أقصد كل ده يحصل، دينا دي كانت مجرد لحظة طيش وأنا ندمان، ندمان ندم يقطع قلبي، ارجعي معايا للبيت ونفتح صفحة جديدة، هغير كل حياتي، هغير طريقتي معاكي، وهعوضك عن كل دمعة نزلت منك في اليوم ده، بصيت في عيونه ولقيت فيها انكسار بجد، مش عشان بيحبني، لا، عشان خايف على صورته اللي اتهشت، ضحكت بمرارة وقلت له يا حسن أنت فاكر إني ممكن أرجع عشان كرامة خايفة تضيع أو مركز بيتهز، أنت لسه ما عرفتنيش كويس، أنا يوم ما قررت أفتح باب الأوضة لأهلك كان ده إعلان رسمي بنهاية التسامح اللي كنت بضيعه معاك سنين، أنت مش ندمان على خيانتك، أنت ندمان إن خيانتك اتكشفت، أنت خايف من نظرة المجتمع، خايف من نظرة مديرينك في الشركة لما يعرفوا إن المدير الكبير اللي بيحاضر في الأمانة والالتزام خاين في بيته ومع سكرتيرته، أنت بتبكي على وضعك مش عليا، أنا عشت معاك سنين بداري على عيوبك وببني معاك حياة، وفي أول فرصة كانت الدنيا بتضحكلك فيها اخترت تهدم كل ده وتدوس على قلبي، تفتكر بعد اللي شوفته وبعد ما أهلك شافوا حقيقتك ممكن أرجع؟ البيت اللي أنت عاوزه نرجع له ده بقا في نظري مكان موحش، كل ركن فيه بيفكرني بوقفتي وأنا بحضر للمفاجأة وبكل كلمة سمعتها منك وأنت بتستخف بوجودي، دينا بالنسبة لي ماكنتش هي المشكلة، المشكلة كانت في الشخص اللي كان بيوعدني بالحب وهو بيحضر الخيانة، سيبته واقف في مكانه وهو بيحاول يمسك في أي قشة أخيرة، بس أنا كنت خلاص قررت، مشيت وسبته يواجه الحقيقة اللي هو صنعها بنفسه، وبدأت أبعد أكتر، حاسة إن الهواء بقا أنقى والخطوة بقيت أسهل، والقرار اللي أخدته كان أصدق حاجة عملتها في حياتي، سبته يلملم بقايا كبرياءه المكسور، وطلعت تليفوني ومسحت كل ذكرياتنا، وكأني بمسح صفحة سودة من كتاب حياتي، بدأت أمشي في طريق جديد، طريق من غير كدب ولا خيانة، طريق أنا اللي برسمه لنفسي، وعارفة إني مهما قابلت في حياتي الجاية، عمري ما هكون “المغفلة” تاني، لأن اللي كسر الثقة مرة، ما يستاهلش فرصة تانية يكسرها تاني. بقلم منال عباس
عدت الأيام وبدأت حياتي الجديدة تاخد شكل مختلف تماماً بعيد عن ضجيج الكذب ووجع الخيانة، كنت فاكرة إن الطلاق هيكون نهاية العالم، بس اكتشفت إنه كان بداية حقيقية لنفسي اللي كنت ناسياها وسط دوامة اهتمامي بيه وبشغله وبطلباته، في الوقت ده بدأت أخبار حسن توصلني عن طريق أهله اللي فضلوا على تواصل معايا، عرفت إن دينا السكرتيرة ما استنتش عليه كتير بعد ما خسر مركزه في الشركة واتفضح أمره، وبمجرد ما لقت إن “مدير مايكروسوفت” مابقاش هو الشخص اللي هتحقق من وراه مطامعها، اختفت من حياته وباعت أول أسرار تخصه لجهات كانت بتستنى غلطة واحدة منه عشان يزيحوه، وحسن اللي كان فاكر نفسه ذكي وبيلعب على كل الحبال، لقى نفسه فجأة محاصر بين خيبة أمله في الناس اللي كان بيظن إنهم سنده وبين الواقع المُر اللي ما بقاش فيه حد يداري عليه، أهله حاولوا يرجعوا يضغطوا عليا تاني بأساليب مختلفة، مكالمات من والده وهو بيتحايل عليا أرجع عشان خاطر “العيش والملح” وعشان خاطر سمعة العيلة اللي اتمرغت في الطين، وكلمات من والدته اللي بقيت بشوف فيها نظرات انكسار ما كانتش موجودة قبل كدة، بس كنت بقفل السكة في وش أي ندم متأخر، لأن الوجع اللي عشته في ليلة عيد الميلاد ماكنش مجرد موقف عابر، ده كان زلزال هدم كل ركيزة كنت ببني عليها مستقبلي معاه، بدأت أركز في شغلي الخاص وأحقق النجاح اللي كان دايماً بيحاول يقلل منه أو يهمشه عشان يفضل هو “النجم” الوحيد في حياتنا، ولقيت في الاستقلال راحة بال ما كنتش أتخيلها، وفي يوم وأنا بتمشى في مكان عام، شفته بالصدفة من بعيد، كان شكله متغير تماماً، هدومه اللي كانت دايماً مهندمة بقت باهتة، وملامح الغرور اللي كانت بتملأ وشه اختفت وحلت محلها نظرات الترقب والخوف من أي حد يقابله، كان قاعد لوحده في ركن ضلمة، كأنه هربان من ذكرياته، ولحظتها حسيت بإشفاق مش عليه، لكن على الإنسان اللي كان موجود جوه حسن ومات من زمان بسبب طمعه، وقفت للحظة فكرت أدخل أواجهه بحاله دلوقت، أو أقوله إني بقيت أحسن من غيره، بس لقيت إن الصمت أبلغ رد، مشيت من غير ما يلمحني، لأن وجوده في حياتي بقا صفحة مطوية، ولقيت نفسي ببتسم لنفسي وأنا ماشية، لأني عرفت إن الانتقام الحقيقي مش إني أدمره، الانتقام الحقيقي كان إني أكمل وأكبر وأعيش حياتي وهو مابقاش له فيها مكان، وكنت عارفة إن اللي جاي لسه فيه تفاصيل تانية، بس الأكيد إني خلاص بطلت أكون ضحية، وبقيت بطلة حكايتي اللي بكتب سطورها بكرامتي وقوتي…يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *