صدمة زوج حكايات انجى الخطيب

​اثبتي بقي .، إنتي كدا بتخلي الموضوع أصعب.”..
خلصت شغلي وجريت على البيت عشان أعمل أكل لمراتي العيانة، وأول ما دخلت الشقة جالي ذهول واتصدمت من اللي سمعتة و شوفته في الحمام ….😱
اول ما دخلت الشقة الباب كان موارب، ونور الطرقة قاطع و الصالة هادية ، والمكان كله كان فيه السكون الغريب المكتوم ده اللي بيخلي جسمك يقشعر.
​نور مكنتش بتسيب بابنا موارب أبدا.
​كانت بتراجع القفل لما ترجع البيت، وبتراجعه قبل ما تنام، وأحيانا كانت بتقوم بعد نص الليل بس عشان تلمس المقبض تاني، عشان تطمن ان الدنيا امان…

​الصبح ده، كانت بعتالي رسالة الساعة 8:16.
​أنا هلكانة… صداع وسخونية، هنام طول اليوم.
​اتصلت بيها على طول، صوتها كان ضعيف ومكسوفة تقول أنها عيانة.
​سألتها: “عايزاني أخدك للدكتور ؟”
​همست وقالت: “لا، أرجوك، سيبني أرتاح شوية.”
​فرجعت الشغل تاني، وقفت في غرفة الاستراحة ومعايا القهوة بتاعتي ، وحضرت اجتماع مع عميل، وعملت نفسي بقرأ ملف في الموارد البشرية لكن عقلي كان بيروح لصوتها.
​على الظهر، مكنتش قادر أكمل.
​قلت للمدير بتاعي إني همشي بدري، وخدت أكل من المطعم اللي جنب المكتب، وسوقت العربية وأنا ماسك الدريكسيون بقوة، كنت بتخيل نور متكومة تحت اللحاف، وشعرها لازق على خدها، وبترفض أي أكل تقيل عشان مكنتش عايزة تتقل عليا .
​دي كانت نوعية الزوجة اللي هي عليها.
​هادية، ورقيقة، ومستقرة ملهاش طلبات ومبتحبش تضايق حد…
​كانت بتطبق قمصاني حتى وهي راسها بتوجعها، وبتسيب لي كباية قهوة جنب مفاتيحي لما يكون عندي شغل بدري، وكانت بتفتكر عيد ميلادي وعيد ميلاد امي واخويا وتفكرعم لو نسيوا عيد ميلادي….
#انجي_الخطيب
​شقتنا كانت بسيطة، متوضبة علي ادنا ، وسجاد كويس بس مش غالي ، ومكتب إدارة بيافطة صغيرة عليها علم مصر متلزقة على الإزاز، وعربيتنا العائلية اللي علي ادها مركونة بميل تحت البيت بس نور كانت مخلياها دافية، ريحة المعطر، وشمع مولع مدي جو رومانسي ، وفطار الصبح الجميل
نرجع لساعة دخولي الشقة
سمعت صوت الدش ​مش حنفية المطبخ.
كان ​الحمام.
​المية كانت نازلة بتخبط في السيراميك في أخر الطرقة بصوت عالي ومزعج، أخدت خطوة، وبعدين التانية، وده الوقت اللي صوت تاني اتسرب من تحته.
​صوت راجل بيضحك.
ضربات قللي صوتها بقي عالي في ​صدري وبفت سريعة لدرجة إني اضطريت أمسك الرخامة.
​للحظة واحدة وحشة، كل فكرة محترمة كانت عندي عن جوازي اختفت، مراتي العيانة، مراتي الهادية، نور بتاعتي، كل اللي كنت شايفه باب حمام مقفول ومية شغالة وراجل تاني جوه وأنا كنت في الشغل قلقان على سخونيتها.
​معليتش صوتي.
​معملتش اي رد فعل كنت بتقدم كل خطوة وانا نفسي اكون بحلم واللي سامعة دا يكون مش حقيقي….
​الطرقة كانت. تبان أطول من العادي بتاعها ،..
كان في فوطة مرمية على الأرض بره الحمام، والبخار كان طالع من حلق الباب، والمية كانت نازلة بقوة…
و​بعدين سمعت صوته.
​ببقولها اثبتي يا نور ، إنتي بتخلي الموضوع أوحش.”
دا صوت ​أخويا.
​تامر مستحيل يكون هو
تامر ​كان ساكن في العمارة اللي جنبنا، كان بيستلف عربيتي ، وكان دايما بييجي من غير ميعاد ودايما كان يجي جعان ويفتح التلاجة وياكل اي اكل من تلاجتنا، كان الشخص الوحيد غيري اللي يعرف مكان المفتاح الاحتياطي اللي لازقة جوه علبة قهوة قديمة في دولاب الخزين بتاعنا.
#انجى_الخطيب
​كنت واثق فيه عشان هو اخويا من دمي.
​كنت واثق فيه عشان كنت فاكر إن صلة الرحم هتخلينا نخاف علي بعض ونكون سند لبعض وان الدم عمرة ما هيكون ماية ابدا…
​مسكت المقبض وزقيت الباب فتحه.
​خبط في الحيطة والمراية اتهزت.
​نور كانت في البانيو ومبلولة من شعرها وشعرها المبلول لازق على رقبتها، وشها كان أصفر، وإيد واحدة كانت ماسكة طرف البانيو كأنها الحاجة الوحيدة اللي مخلياها واقفة.
​تامر كان واقف قدامها مباشرة وهدومة كانت غرقانة، وإيده الاتنين على كتفها.
​الدش كان لسه شغال عليهم…
​الكاب بتاعه كان بيعوم في البانيو قدامهم….
دخلت ​محدش اتحرك.
​بصيت على إيد تامر…
​بعدين بصيت على وش نور ….
​وبعدين رجعت بصيت عليه تاني…
​قلت: “إيه اللي بيحصل ده؟”
​تامر وشه اتخطف وعلامات الخوف ظهرت علية
ونطق وقال ​”ماهر…”
​زعقت وقلت: “ليييية .”
​نور حاولت تتكلم، بس صوتها مكنش طالع من زورها، وشفايفها كانت بترتعش، وعينيها كانت بتتنقل مني لتامر اخويا ورجعت ليا تاني، مبقتش عارف اعمل اية…
مراتي واخويا في حمام شقتي ….
لسة هقرب عليهم وامسك في تامر …..
​لاقيت نور مراتي رفعت إيدها وهي بترتعش ناحيتي وهمست وقالت اللي مكنش يخطر علي بالي في يوم اني اسمعة…..
رفعت إيدها وهي بتترعش زي ورقة شجر في عز الشتا، وكلمات ضعيفة متقطعة خرجت من بين سنانها اللي كانت بتخبط في بعض: “ماهر.. ابعد.. تامر.. تامر مش بيخوني.. تامر.. تامر هو اللي أنقذني.”
​سكت فجأة، الكلمة خبطت في دماغي زي الرصاصة، وقفت مكاني مش قادر أستوعب، بصيت لتامر اللي كان وشه مخطوف وعينه فيها نظرة رعب ما شفتهاش في حياته، كان ماسك كتف نور بقوة وكأنه بيحاول يثبتها عشان ما تقعش. مسحت على وشي بإيدي وصرخت فيهم: “أنقذ إيه؟ أنقذ إيه وهي في حمام بيتنا؟ أنقذها من إيه وأنا اللي كنت برا بقطع نفسي عشانها؟ انطقوا!”
​تامر اتنفس بصعوبة، صوته كان مبحوح ومكتوم تحت صوت المية اللي لسه نازلة من الدش، وقال بلهجة كلها قهر: “يا غبي.. نور كانت بتموت.. وقعت في الصالة وهي لوحدها، خبطت راسها في حرف التربيزة وفقدت الوعي، ولما جيت عشان آخد منك مفتاح العربية زي ما اتفقنا، دخلت لقيتها غرقانة في دمها ومفيش نفس.. شلتها ودخلتها الحمام عشان أفوقها بالمية الساقعة، كنت بحاول أرجعها للدنيا، كنت بحاول أثبتها عشان ما تقعش وتتخبط تاني وهي مش حاسة بجسمها!”
​بصيت لنور، لأول مرة ركزت، عيني نزلت على جنب راسها.. كان فيه جرح غائر ودم أحمر خفيف مختلط بالمية نازل على كتفها، وشها مش أصفر من التعب، وشها أبيض زي الملاية من الصدمة وفقدان الدم. رجلي خذلتني، وقعت على ركبي قدام باب الحمام، والشنطة اللي كنت شايل فيها الأكل وقعت من إيدي، علب الأكل اتفتحت في طرقة الشقة وتناثرت على السجاد.
​نور بدأت تعيط بصمت، دموعها اختلطت بالمية اللي على وشها، وهمست: “ماهر.. كنت خايفة أموت قبل ما أشوفك.. تامر دخل ولقاني.. أنا مش قادرة أتحرك.. رجلي.. رجلي مش حاسة بيها.”
​تامر بص لي نظرة خيبة أمل وجعته أكتر ما وجعته صرختي، وقال: “أنا أخوك يا ماهر.. أنا اللي كان ممكن أبيع عمري عشانك، إنت بجد كنت فاكر إني ممكن أعمل كدة فيك؟”
​قمت وقفت بتلقائية، رميت كل شكوكي في الزبالة، جريت عليهم، زقيت تامر بالراحة وخدت نور في حضني، جسمها كان تلج، شلتها وطلعت بيها برة الحمام، قلبي كان بيتقطع وهي بتأن في حضني.. بصيت لتامر اللي كان واقف ورايا مبلول ومنهار، قلتله بصوت متقطع من البكا: “اطلب الإسعاف يا تامر.. اطلب الإسعاف بسرعة، مش عايزها تروح مني!”
​تامر طلع موبايله وإيديه بتترعش، وأنا قعدت على الأرض في الصالة، حاضن مراتي، بمحي بقميصي الدم اللي على راسها، والبيت اللي كان دافي ومعطر بريحة الشمع اللي لسه مولع في الزاوية، اتحول للحظة لمكان رعب، وأنا بدعي ربنا ما ياخدها مني، بعد ما كنت بظن فيها وفي أخويا الظنون اللي بتدبح.
……
تامر كان بيصرخ في التليفون للمسعف، بيوصف الحالة بدقة وهو صوته بيتهز.. “خبطة في الدماغ.. غيبوبة.. فقدان إحساس في الأطراف.. أرجوكم تعالوا بسرعة!”.. أنا كنت قاعد على الأرض، راسي بين إيديا، مش قادر أبص لنور اللي بدأت ملامحها تبهت والدم بينزف من جرح راسها زي شريط أحمر بيسحب الحياة منها.
​كنت بمسح الدم بقميصي اللي اتبهدل تماماً، إيدي بتترعش، وبهمس لها بصوت مخنوق: “نور.. خليكي معايا.. بصيلي يا حبيبتي، أوعي تغمضي عينك.. أنا آسف.. يا رب سامحني، أنا آسف يا نور.”
​تامر نزل على ركبه جنبي، مسك إيدها التانية وبص لي، كانت نظرة عتاب حارقة من غير ولا كلمة.. قالي بصوت مبحوح: “قمت بجد تظن فيا كدة يا ماهر؟ بعد كل السنين دي؟”
​الكلمة جت في صدري زي السكي..نة، اتمنيت الأرض تبلعني في اللحظة دي.. بصيت له وعيوني مليانة دموع، مكنتش عارف أرد أقول إيه، خجلي من نفسي كان أكبر من أي اعتذار. مكنش فيه وقت للكلام، صوت سرينة الإسعاف بدأ يعلى في الشارع، والضوء الأحمر والأزرق بقى ينور ويطفي على حيطان الصالة، بيكسر سكون البيت اللي اتحول في دقايق لمسرح مأساة.
​خبطوا على الباب بقوة، تامر قام يجري يفتحلهم، دخلوا المسعفين بشنطهم ونقالتهم.. المنظر كان زي الكابوس، ناس غريبة بتتحرك في بيتي، بتزقني عشان يوصلوا لنور، بيشيلوها من حضني ويحطوها على النقالة.. حسيت ببرودة فظيعة لما إيدها سابت إيدي.
​جريت وراهم وأنا مش حاسس برجلي، تامر كان سابقني، فتح باب الأسانسير ووقف قدامهم.. نزلنا الشارع، والجو كان لسه دافي، ناس العمارة بدأوا يخرجوا يتفرجوا، جيراننا اللي بيصبحوا علينا كل يوم.. تامر زقني ناحية عربيتي وقال بنبرة حادة ومركزة: “اركب! لازم نلحقهم.. انسى أي حاجة تانية غير إنها تعيش.”
​ركبت وسقت ورا الإسعاف، عيني متثبتة على النور اللي جوه العربية الكبيرة اللي قدامي، قلبي كان بيضرب في وداني.. شريط ذكرياتي مع نور بيمر قدامي، بساطتها، تعبها علشاني، حتى نظرة الرضا اللي كانت في عينيها وهي بتستقبلني كل يوم.. وكل ده كان قصاده سواد قلبي اللي صور لي الخيانة في لحظة ضعف، لحظة شيطان، لحظة خلتني أشك في دمي وفي أقرب إنسانة ليا.
​وصلنا المستشفى، دخلوا بيها الطوارئ، وقفت أنا وتامر في الممر، ريحة الكلور والدواء بدأت تخنقني.. تامر سند بظهره على الحيطة وغمض عينه، كان مبلول ومبهدل، ولسه في إيده أثار دمها.. بصيت له، والمرة دي أنا اللي نطقت: “يا تامر.. أنا.. أنا مكنتش بوعيي، الشيطان دخل بيننا.”
​تامر فتح عينه، بص لي نظرة طويلة مليانة وجع، وخرج صوت مكتوم من صدره: “أنا مش زعلان منك يا ماهر.. أنا زعلان على اللي إحنا وصلنا له، إن الثقة اللي بينا تتهز للدرجة اللي تخليك تشوف مراتك وأخوك في موقف زي ده.. استغفر ربنا، وادعي لها.. ده اللي يهم دلوقتي.”
​سكتنا، والساعات بدأت تمر زي السنين، ونور جوه، والباب المقفول ده بقى هو الحاجز الوحيد بيني وبين العالم، وبيني وبين الحقيقة اللي كنت خايف منها.. كنت بتمنا بس تفتح عينيها، وتقولي إنها مسامحاني، حتى لو مش هقدر أسامح نفسي أبداً على اللحظة اللي دخلت فيها الحمام بعيون مليانة شر.
……….
مرت ساعات، كانت بتمر عليا زي السنين، ريحة التعقيم في المستشفى بقت محفورة في مناخيري، وصوت دقات الساعة في الممر بقت بتتردد في ودني زي دقات قلبي المنهك. تامر كان قاعد جنبي، ساند راسه على الحيطة وعيونه مغمضة، مكنش بينطق، بس كنت حاسس بالوجع اللي جواه، وجع الأخ اللي اتهموه في شرفه، والوجع اللي كان في عينه وهو بيشوفني شاكك فيه.
​فجأة، باب الطوارئ اتفتح وخرج منه دكتور بيمسح عرقه، وقفت بسرعة، لدرجة إني وقعت الكرسي اللي كنت قاعد عليه، وتامر نط واقف ورايا، صوتي طلع مخنوق وأنا بسأل: “طمنا يا دكتور.. نور عاملة إيه؟ هي كويسة؟”
​الدكتور بص لنا بجدية وقال: “المدام وصلت في وقت حرج، الخبطة اللي في دماغها كانت قوية وسببت ارتجاج ونزيف داخلي بسيط، بس قدرنا نسيطر عليه. هي دلوقتي استقرت وهتنقلها غرفة الملاحظة.”
​نفس طويل خرج من صدري، حسيت إن روحي رجعت لجسمي، التفت لتامر وبصيت له بامتنان، لقيته بيتنهد وبيرفع إيده بيمسح على وشه. الدكتور كمل: “بس لازم نفهم هي وقعت إزاي، لأن الحالة اللي وصلت بيها بتقول إنها كانت فاقدة الوعي فترة مش قليلة، وكان فيه بوادر جفاف حاد وسخونية عالية.. هل هي كانت بتشتكي من حاجة قبل كدة؟”
​اتلعثمت وأنا برد: “أيوة.. كانت بتقولي إنها مصدعة وعندها سخونية من الصبح.”
​الدكتور هز راسه: “سخونية عالية مع خبطة في الدماغ، الموضوع محتاج متابعة دقيقة لمدة 24 ساعة عشان نطمن على نشاط المخ.”
​دخلنا الغرفة، كانت نور نايمة، وشها شاحب، والأجهزة موصلة بجسمها، وصوت “بيب.. بيب” المنتظم كان هو الصوت الوحيد في الغرفة. قعدت جنبها، مسكت إيدها اللي كانت لسه ساقعة، وقربتها من شفايفي وبستها وأنا بدمع، تامر قرب وحط إيده على كتفي، ضغط عليها ضغطة خفيفة وقال: “أنا هخرج أجيب قهوة لينا، وأشوف الإجراءات، خليك جنبها.”
​لما تامر خرج، فضلت قاعد لوحدي، بصيت لنور وبدأت أكلمها بصوت واطي: “سامحيني يا نور.. أنا كنت أعمى، الغيرة والظنون أعمت بصيرتي لدرجة إني مسمعتش صوت عقلي.. كنت عايز أموت نفسي لما عرفت الحقيقة.. إنتي أغلى حاجة عندي، وأنا كنت هزعزع أمانك بسبب سوء ظني.”
​فجأة، حسيت بحركة خفيفة في إيديها اللي في إيدي، رفعت عيني بلهفة، لقيت جفونها بتتحرك ببطء شديد، فتحت عينيها بصعوبة، بصت في السقف ثواني وبعدين عينها وقعت عليا. كانت ضعيفة جداً، حاولت تبتسم بس ملامحها كانت تعبانة، همست بصوت يا دوب مسموع: “ماهر؟”
​دموعي نزلت غصب عني، مسحت على شعرها بحنان: “أنا هنا يا نور.. أنا جنبك، متخافيش، كل حاجة هتبقى كويسة.”
​حاولت تنطق تاني، وبصت ناحية الباب، سألت: “تامر.. تامر فين؟ أنا.. أنا كنت بكلمه في التليفون لما وقعت.. كنت بطلب منه يجي يلحقني عشان مش قادرة أقوم، كنت عارفة إنك في الشغل ومش هتلحق توصل.”
​الكلمة دي كانت الضربة القاضية لضميري.. هي كانت مستنجدة بيه عشان تنقذ نفسها عشاني، وأنا كنت جوايا بقتله. في اللحظة دي، دخل تامر ومعاه كوبايتين قهوة، شافها فايقة، ابتسم ابتسامة باهتة وقرب منها، نور بصت له بامتنان وقالت بصوت متهدج: “شكراً يا تامر.. لولاك كنت زماني..”
​تامر قاطعها بابتسامة وهدوء: “بلاش كلام، المهم إنك بخير.. وبعدين أنا أخو ماهر، يعني إنتي اختي يا نور.”
​بصيت لتامر، شفت فيه الأخ والسند، وبصيت لنور، شفت فيها الزوجة اللي بتخاف على بيتها حتى وهي بتموت. في الغرفة الصغيرة دي، وسط أجهزة المستشفى، أدركت إن أغلى حاجة في حياتي كادت تضيع بسبب لحظة انعدام ثقة، وإن البيت مش بس حيطان وأثاث، البيت هو الناس اللي بتخاف عليك بجد، حتى في أظلم لحظاتك.
………
قعدت نور في السرير بصعوبة، وحاولت تسند ضهرها، شفت في عينيها نظرة استيعاب للي حصل، كأنها بتفتكر لحظة دخولي عليهم الحمام. سكتت فترة، وبصت لي بصمت طويل، نظرة كانت أعمق من العتاب، نظرة وجع حقيقي.
​نزلت راسي في الأرض، مقدرتش أواجه عينيها، وسمعتها بتقول بصوت خافت بس كان مسموع جداً في هدوء الأوضة: “يا ماهر.. أنا عشت معاك سنين، كنت بلملم جروحك، وبشيل همومك قبل ما تشتكي.. كنت فاكرة إني مالي عينك وقلبك، ومكنش في خيالي أبداً.. أبداً.. إن أول فكرة هتيجي في بالك لما تشوفني في موقف ضعف، هي إني بخونك.”
​جسمي كله انتفض، كلامها كان أقسى من أي ضربة ممكن أخدها. حاولت أتكلم، صوتي كان طالع زي الحشرجة: “نور، أنا.. أنا اتجننت، الشيطان لعب في عقلي، الموقف كان غريب ومفاجئ..”
​قاطعتني وهي بتبعد إيدي عن إيديها ببطء، وكأنها بتقولي “ماتلمسنيش دلوقتي”: “الموقف كان غريب، بس قلبي كان مفتوح ليك، وثقتي فيك كانت عمياء.. أنت مكنتش شايفني بتموت، أنت كنت شايف “خيانة”. أنت كنت قلقان على كرامتك أكتر ما كنت خايف على حياتي يا ماهر.”
​تامر، اللي كان واقف جنب الباب، اتدخل بصوت حازم وهادي: “نور، ماهر مكنش في وعيه، كان خايف، والخوف بيخلي الواحد يشوف خيالات مش حقيقية..”
​نور بصت لتامر بامتنان ودموعها نزلت: “شكراً يا تامر.. لولاك بعد ربنا، مكنتش هكون موجودة دلوقتي عشان أسمع الكلام ده.”
​بصت لي تاني، وقالت بنبرة فيها انكسار مش غضب: “أنا محتاجة وقت، يا ماهر. أنا مش قادرة دلوقتي أستوعب إنك شكيت فيا وفي أخوك.. أنا كنت فاكرة بيتنا ده حصن، طلع مجرد قزاز هش، أي هزة صغيرة كسرته.”
​سكتت، وبصت للسقف، وبعدين غمضت عينيها، كأنها بتطلب مني أخرج. تامر حط إيده على كتفي وشدني برفق ناحية الباب، خرجنا في الطرقة، قفلت الباب ورايا وحسيت إن قلبي اتقفل معاه.
​سندت بظهري على الحيطة في الممر الطويل، ولقيت تامر بيطلع سيجارة، وبيولعها بإيد بتترعش، وقفنا الاتنين في السكوت، ريحة السجاير اختلطت بريحة المستشفى.
​بصيت لتامر وقلت: “خسرتها يا تامر.. خسرتها في اللحظة اللي فكرت فيها في الأسوأ.”
​تامر أخد نفس عميق وبص لي بحدة: “خسرتها لأنك بنيت جوازك على “الثقة المشروطة”، يا ماهر. نور ست أصيلة، والستات اللي زيها بيسامحوا، بس بيفضل في قلبهم شرخ.. أنت لازم تشتغل كتير عشان تداوي الشرخ ده، مش بالكلام، بالأفعال. لأن لو حصل أي موقف تاني، وأنت لسه بتشك، يبقى إحنا بنضيع وقتنا كله.”
​وقفت هناك، لوحدي في الممر، بعد ما الكل مشي أو نام، وبدأت أفهم إن المعركة الحقيقية مكنتش في الحمام، ولا في البيت.. المعركة الحقيقية بدأت دلوقتي، وهي إزاي أرجع ثقة إنسانة كانت شايفة فيا السند، وشافتني في لحظة.. جلاد.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *