خطوبة زوجى صافى هانى الثانى

أول ما سمعت صوته، جسمي كله اتنفض.

“كريم؟”

​النطق باسمه بعد السنين دي كلها كان ليه طعم غريب، زي ما تكون بتفتح صندوق قديم مقفول بقفل مصدي، بس جواه حاجة غالية أوي. كريم الشافعي.. الشريك الثالث القديم اللي حازم عمل المستحيل عشان يطفشه من السوق ويشوه سمعته، عشان يصفى له الجو لوحده في الشركة.. وفي حياتي.

​”أيوه يا علا.. كريم.” صوته كان هادي ومطمئن، عكس الإعصار اللي كان شغال بره باب الشقة من دقيقة واحدة. “أنا تحت العمارتك.. وشايف حازم وفريدة وهم خارجين من مدخل العمارة والاتنين شكلهم متبهدل، حازم بيزعق في الشارع زي المجانين وفريدة ركبت تاكسي وسابته. قوليلي.. أنتِ كويسة؟”

​أخدت نفس طويل، وحسيت فجأة إن دموعي اللي حبستها طول اليوم كانت عايزة تنزل، مش حزناً على حازم، بل راحة لأن اللعبة انتهت. “أنا كويسة يا كريم.. كويسة جداً كمان.”

​”طب أنا طالع.”

​قفلت السكة. قمت وقفت قدام المراية، صلحّت شعري، ومسحت وشي. مفيش ثنتين وجرس الباب رن تاني.. بس المرة دي الرنة كانت هادية، مفيهاش الرعب واللجلجة بتاعة حازم.

​فتحت الباب.

كان واقف بكامل أناقته، بالطو أسود طويل، شعره اللي بدأ يغزوه الشيب من الجناب مكنش منقّص من هيبته حاجة، وعينيه الحادة كانت بتبصلي بلهفة واهتمام حقيقي.

​بصلي لثواني من غير ما ينطق، وكأنه بيتأكد إن البنت اللي سابها من خمس سنين مكسورة الخاطر، لسه واقفه على رجليها. ابتسم نص ابتسامة وقال: “كبرتي يا علا.. وبقيتي بتعرفي تخبطي خبطات توجع.”

​”الدنيا بتعلم يا كريم.. اتفضل.”

​دخل الصالة، وبص على تذاكر باريس والورد اللي كانوا مرميين على الترابيزة. ملامحه اتغيرت وفهم كل حاجة من غير ما أتكلم. قعد على الكرسي المقابل ليا وقال: “أنا مسبتكيش طول السنين اللي فاتت دي يا علا. كنت بتابع من بعيد.. وكنت عارف إن حازم وفريدة بيسرقوا الشركة، بس مكنتش أقدر أتدخل عشان حازم كان مستنيلي غلطة عشان يحبسني بالورق المزور اللي عمله ضدي زمان.”

​سندت ضهري لورا وقولتله: “أنت عرفت منين إن كل ده هيحصل النهاردة؟”

​طلع من جيبه ملف أسود وحطه على الترابيزة: “لأن المحامي بتاعك اللي قفل القض*ية الجنائية ضد حازم وفريدة.. يبقى المحامي الدولي بتاعي أنا كمان. إحنا كنا بنرتب لليوم ده بقالنا شهرين. أنا جمدت قضيتي القديمة في المحاكم لحد ما يقعوا هما في شر أعمالهم والمستندات الجديدة تطلع. النهاردة.. حازم مش بس هيتحبس بتهمة اختلاس أموال شركتك، ده كمان هيتفتح ملف تزوير العقود القديمة وضياع حصتي.”

​بصيت للملف بذهول: “يعني أنت كنت مرتب لكل ده؟”

​”أنا كنت مستني اللحظة اللي تكتشفي فيها حقيقته بنفسك.. عشان لما تضربي، تضربي وأنتِ مقتنعة ومفيش في قلبك ذرة ندم عليه.” قرب من التربيزة شوية ووشه بقى جاد جداً: “علا.. بكرة الساعة 9 الصبح مش بس النيابة هتتحرك.. بكرة في جلسة طارئة للمستثمرين في البورصة. سحب حصتك الـ 83% معناه إن أسهم الشركة هتنزل للأرض، وحازم هيبع الفروع كلها في المزاد عشان يسدد ديونه.. أنا هشتري الفروع دي بكرة باسم شركتي الجديدة.”

​سكت ثانية وبص في عيني مباشرة: “بس مش هشتريها لوحدي.. أنا عايز أرجع ‘رسلان والوالي’ بس بالاسم الحقيقي اللي كان المفروض تبدأ بيه.. ‘رسلان والشافعي’.. حصتك زي ما هي، وإدارتك زي ما هي، بس المرة دي مع شريك بجد مش مع نصاب.”

​الكلام كان سريع، ومرتب، وكأنه بيقفل صفحة السنين اللي فاتت كلها في دقيقة واحدة.

وفجأة.. موبايلي رن تاني.

​بصيت على الشاشة.. كان رقم حازم.

كريم بص للموبايل وقال: “متشغليش بالك بيه.. سيبيه يموت برعبه.”

​بس أنا قررت أرد. فتحت الاسبيكر من غير ما أتكلم.

صوت حازم كان طالع مرعوب، وصوت دوشة وعربيات حواليه: “علا! أرجوكي اسمعيني! فريدة سرقت عربيتي وهربت، والشرطة لسه مكلميني على البيت بيقولوا إن في أمر استدعاء ليا في الأموال العامة بكرة الصبح! علا أنا بتبهدل.. هبيعلك نصيبي في الشركة ببلاش.. هتنازل عن كل حاجة بس اسحبي البلاغ! أنا بموت يا علا!”

​بصيت لكريم اللي كان بيبتسم بنصر، وبعدين بصيت للتذاكر الورد، وقولت لحازم بكل برود وبأعلى نبرة ثقة وصلت لها في حياتي:

“النصيب اللي أنت عايز تبيعه ده يا حازم.. بكرة الصبح هيكون ملك كريم الشافعي.. وأعتقد أنت عارف كريم كويس وعارف هيعمل فيك إيه بالورق القديم.. مبروك عليك السجن يا جوزي العزيز.”

​وقبل ما ينطق بكلمة ثانية، قفلت السكة في وشة، وعملت له “بلوك” نهائي من حياتي.

​لفيت وشي لكريم وابتسمت: “بكرة الساعة كام في البورصة؟”

​كريم قام وقف، ومد إيده ليا بكل احترام: “الساعة 8 الصبح يا سيادة رئيسة مجلس الإدارة.. بس قبل البيزنس.. الورد والتذاكر دول شكلهم حلو أوي.. تفتكري باريس جوها حلو في الوقت ده من السنة؟”حطيت إيدي في إيده وقمت وقفت، الابتسامة اللي كانت غايبة عن وشي لسنين رجعت تنور تاني، بس المرة دي كانت ابتسامة قوة، مش طيبة وسذاجة.

​”باريس دايماً جوها حلو يا كريم.. بس بعد بكرة، لما نكنس الزبالة اللي في الشركة الأول.”

​المشهد التالي: يوم الحساب (الساعة 8:45 صباحاً)

​المنظر قدام برج شركة “رسلان والوالي” كان أشبه بساحة حرب هادية. عربيات القنوات الإخبارية الاقتصادية بدأت تقف بره، وحركة الموظفين في الممرات كانت أشبه بخلية نخل اتهدت؛ كله شايل أوراق، وكله بيتوشوش، والإشاعات مالت المكان إن الشركة أعلنت إفلاسها بعد انسحاب المستثمرين وسحب السيولة.

​دخلت من الباب الرئيسي، وفوق راسي النظارة الشمسية، ولابسة بدلة بيضا كاملة. كريم كان ماشي جنبي بخطوات ثابتة وواثقة، وورانا المحامي بتاعي وفريق الحسابات الجديد.

​أول ما الموظفين شافوني، السكوت حلّ تماماً. نفس الموظفين اللي كانوا من 24 ساعة بيسقفوا لحازم وفريدة ويقولوا “أقوى كابل في البيزنس”، كانوا واقفين النهاردة برعب، مستنيين يعرفوا مصيرهم.

​طلعنا الدور الاتنين وأربعين. باب الأسانسير فتح على نفس الصالة.. بلالين الفرحة كانت لسه متعلقة بس فست وسيرها هبط على الأرض، ويافطة “مبروك حازم وفريدة” كانت مقطوعة من النص وكأن إعصار عدى عليها.

​وفي نص الصالة.. كان واقف حازم.

​المواجهة الأخيرة

​منظره كان يصعب على الكافر. البدلة الكحلي الغالية بقت مكرمشة، قميصه مفتوح من فوق، وعينيه حمرا ودموية من قلة النوم. أول ما شافني جري عليا زي المجنون، بس حراسة الأمن بتاعة المبنى – اللي كريم غيرها بالكامل من الفجر – وقفت في وشه ومنعته يقرب مني خطوة.

​”علا! حرام عليكي اللي بتعمليه ده!” زعق بصوت مبحوح وهستيري، “المحامي بتاعي قال إن النيابة طلعت أمر ضبط وإحضار ليا ولفريدة! فريدة اتقبض عليها في المطار وهي بتحاول تسافر برقم باسبور مزور، والبوليس بيدور عليا! أنتِ عايزة تخرب بيتك؟ عايزة تشمتي الناس فينا؟”

​وقفت قدامه، قلعت النظارة الشمسية ببطء، وبصيت له بقرف: “بيتي اتخرب يوم ما دخلت فيه يا حازم. والناس مش شمتانة فينا.. الناس بتتفرج على عدل ربنا.”

​في اللحظة دي، حازم لمح كريم واقف جنبي. عينيه وسعت بصدمة مرعبة، ورجله رجعت لورا خطوة وهو بيلهث: “كريم؟! أنت.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت منفي برا البلد!”

​كريم قدم خطوة، حط إيده في جيب البنطلون وبص له بنظرة تشفي باردة: “المنفي رجع يا حازم.. بس المرة دي رجع عشان ياخد حقه وحق البنت اللي استغليت طيبتها وسرقتها. الورق اللي أنت زورته من 5 سنين عشان تطلعني برا الشراكة، المحامي بتاعي قدم الأصل بتاعه للنائب العام من ساعتين.. يعني فوق قض*ية اختلاس أموال علا، عندك قض*ية تزوير جنائي، والاستيلاء على حقوق شريك.”

​حازم حس إن الأرض بتلف بيه. بص للموظفين وبص للمحاميين، وصرخ بقلة حيلة: “أنا رئيس مجلس الإدارة! أنا اللي لسه معايا الإدارة الفعلية! مش هتقدروا تخرجوني برا الشركة دي!”

​طلعت من شنطتي ورقة رسمية مختومة بختم المحكمة والبورصة، ورفعتها قدام وشه:

“كنت رئيس مجلس الإدارة يا حازم. بناءً على طلب عاجل ومستندات الاختلاس، تم صدور حكم قضائي مستعجل بعزلك من الإدارة، والتحفظ على حصتك الـ 17% الباقية لصالح التعويضات. الشركة دي من اللحظة دي.. مابقاش ليك فيها تمن قشرة بصلة.”

​اللحظة الحاسمة

​صوت كعب عالي وصوت خطوات تقيلة ومنتظمة رن في الممر.

الكل لف وشه.

اتنين ظباط بشرطة قضاة، ووراهم اتنين أمناء شرطة، داخلين بخطوات حاسمة.

​الظابط قرب وبص في وش حازم اللي كان عرقان وبيتمرجح في مكانه: “أنت المتهم حازم رسلان الوالي؟”

​حازم صوته مطلعش، هز راسه برعب وهو باصصلي وعينيه بتترجاني أقول أي حاجة تنقذه.

​الظابط طلع الكلبشات الحديدية، وصوت رنتها في هدوء الصالة كان زي صوت حكم الإعدام. مسك إيد حازم، ولوى دراعه ورا ضهره.. وفي ثانية واحدة، الكلبشات اتقفلت على إيديه. نفس الإيد اللي كانت من 24 ساعة بتترفع لفوق عشان توري الناس خاتم الألماظ بتاع فريدة، بقت النهاردة متكتفة بالحديد قدام الشركة كلها!

​حازم بدأ يعيط بهستيريا وهو بيتسحب: “علا! أرجوكي! متعمليش فيا كده! أنا بحبك! فريدة هي اللي غوتني! علااااا!”

​صوته كان بيبعد والظباط بيجروه للأسانسير وسط ذهول الموظفين اللي كانوا بيبصوا للأرض من الكسوف.

​لفيت ضهري للمشهد، وبصيت لكريم اللي مدلي إيده تاني وهو بيشاور على مكتب رئيس مجلس الإدارة.. مكتبي الجديد.

​”جاهزة تبدأي الصفحة الجديدة يا سيادة رئيسة مجلس الإدارة؟”

​بصيت للمكتب، وبعدين بصيت له وابتسمت ابتسامة صافية: “جاهزة يا كريم.. بس اطلبلي تذكرتين باريس للأسبوع الجاي.. المرة دي بجد.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *