خطوبة زوجى صافى هانى الثالث والاخير
دخلت المكتب الكبير، المكتب اللي حازم قضى فيه سنين وهو بيقنعني إن وجودي فيه مجرد “ديكور” وإن عقله هو اللي محرك كل شيء. قعدت على الكرسي الجلدي الضخم، ورايا الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف القاهرة كلها من الدور الاتنين وأربعين.
كريم قعد على الكرسي المقابل ليا، حط الملفات على المكتب، وبصلي بهدوء: “الشركة هتقف على رجلها أسرع مما تتخيلي يا علا. السوق كان مرعوب من سحب السيولة، بس أول ما اسم ‘مجموعة الشافعي’ ينزل في البيان الرسمي بكرة الصبح كشريك ومستثمر جديد، الأسهم هترتد بقوة.”
هزيت راسي وأنا بلمس سطح المكتب الخشبي: “مش فارق معايا الأسهم دلوقتي يا كريم.. أنا فارق معايا النظافة. مش عايزة أي قذارة من ريحة حازم أو فريدة تفضل هنا. كل الموظفين اللي ثبت في تقرير المحاسبة الجنائية إنهم تسهلوا في التحويلات السريعة، أو كانوا عارفين وساكتين.. يتفصلوا بكرة الصبح.”
”اعتبريه حصل، فريق المراجعة بتاعي شغال من الفجر.” كريم سكت ثانية، وعينيه لمعت بفضول: “بس قوليلي.. فريدة؟ تفتكري هترسي على إيه؟”
ضحكت بثقة: “فريدة شاطرة في التخطيط، بس غبية في الطمع. هي افتكرت إنها لما تهرب بباسبور مزور ومعاها الفيزا بتاعة الحساب السويسري هتبدأ حياة جديدة.. مكنتش تعرف إن البنك السويسري جمد الحساب بطلب النيابة المصرية قبل ما هي حتى توصل صالة المطار. اتقبض عليها بتهمة تزوير مستندات سفر واختلاس.. والاتنين هيتجمعوا في زنزانة واحدة قريب.”
المشهد التالي: بعد مرور أسبوع (مطار القاهرة الدولي – صالة درجة أولى)
الأسبوع عدى وكأنه سنة، بس كان سنة من الإنجاز. “رسلان والشافعي” بقت هي الحديث الأول في مجتمع المال والأعمال. الموظفين اتغيروا، السيولة رجعت، وحازم وفريدة بقوا مجرد مانشيت في حوادث الصحف عن “سقوط شبكة فساد مالي”.
كنت قاعدة في صالة الدرجة الأولى في المطار، لابسة فستان بسيط، وماسكة في إيدي شنطة صغيرة فيها باسبوري وتذكرتي. كريم جه من ورايا، شايل كوبايتين قهوة، وقعد جنبي وهو بيبتسم: “الطيارة فاضل عليها نص ساعة.. جاهزة لباريس؟”
”جاهزة جداً.. حاسة إني ببدأ أتنفس بجد.”
في اللحظة دي، تليفوني نور. جالي رسالة من المحامي بتاعي. فتحتها وقريت:
”أستاذة علا، تم توقيع حكم الحبس الاحتياطي على حازم رسلان وفريدة الشاوي لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيقات مع التجديد، وتم رفض الاستئناف. حازم طلب يشوفك أو يكلمك بشكل هادي لتسوية الطلاق ودياً مقابل التنازل عن باقي أملاكه الشخصية (الشاليه والسيارة) لتخفيف العقوبة.”
وريت الشاشة لكريم. كريم قرا الرسالة وبصلي: “هتوافقي على التسوية؟”
قفلت الموظف، وحطيته في الشنطة وقولت بكل حسم: “الطلاق هيحصل بحكم محكمة، مش بتسوية. وأملاكه؟ المحكمة كده كده هتحجز عليها كتعويض عن الفلوس اللي سرقها. مش هسيب له قشة يتدفى بيها في الشتا اللي داخل عليه ورا القضبان.”
صوت النداء الأخير لرحلة باريس رن في الصالة.
قمت وقفت، عدلت الشنطة على كتفي، وبصيت لكريم اللي كان باصصلي بفخر حقيقي. مشينا في الممر الطويل المؤدي لخرطوم الطيارة. الهوا البارد بتاع التكييف كان بيخبط في وشي، وكل خطوة كنت بخطوها لقدام، كنت بحس إن السنين اللي ضاعت من عمري مع شخص خاين بتتساقط ورايا زي أوراق الشجر الميت.
اللحظة القوية: المفاجأة غير المتوقعة
ركبنا الطيارة، وقعدنا في أماكننا في الدرجة الأولى. المضيفة جت بابتسامة وقدمت لنا المشروبات. الطيارة بدأت تتحرك على الممر تستعد للإقلاع.
طلعت التذكرتين وبصيت فيهم.. “باريس”. المكان اللي كان حازم بيذلني بيه ويقولي “هجيبك هنا لما تكتمل نجاحاتي”، النهاردة أنا رايحاه بفلوسي، وبقوتي، ومع الراجل اللي صانني بجد.
الطيارة بدأت تزيد سرعتها بشدة، صوت المحركات بقى عالي ويهز المكان، وإحنا بنترفع في الجو وخلفيتنا أضواء القاهرة بتبعد بالتدريج.
لفيت وشي لكريم عشان أكلمه، بس لمحته باصص للشاشة الصغيرة اللي قدامه بتركيز غريب ووشه اتشد فجأة.
”في إيه يا كريم؟” سألته بقلق.
كريم لف الشاشة ناحيتي وهو بيبلع ريقه بصعوبة: “علا.. المحامي بتاعي لسه بعتلي إيميل عاجل.. التقرير النهائي للأموال العامة مش بس اتهام لحازم وفريدة.”
”يعني إيه؟” قلبي انقبض فجأة.
كريم قرب مني وهمس بصوت مرعوب: “حازم وفريدة مكانوش بيسرقوا لوحدهم يا علا.. الحساب الوهمي في سويسرا، اللي اتمول منه ملايين الدولارات.. التوقيع الثالث اللي كان بيمضي على الاعتمادات الدولية من وراكي.. هو توقيع أبوكي الله يرحمه! الشراكة الوهمية دي بدأت من 6 سنين.. قبل ما أبوكي يموت بسنة! حازم مكنش بيخونك لوحده.. حازم كان بيكمل لعبة بدأها أبوكي معاهم!”
الطيارة كانت في اللحظة دي بتخترق السحاب، والصدمة شلت حركتي تماماً.. الجبل اللي افتكرت إني هديته، طلع وراه بركان لسه بيبدأ يثور!الصوت رن في ودني وكأن الطيارة هي اللي اتقسمت نصين، مش الجو.
الهوا حسه اتسحب من الرئة، وبقيت باصة لكريم والملف اللي في إيده وعينيا مش بتتحرك. برا من الشباك الصغير، السحاب كان لونه رمادي وضبابي، مغطي على كل ملامح الأرض.. بالظبط زي حياتي اللي افتكرت إنها نضفت، ليتضح إن العفن واصل لجدورها.
”أبويا؟” الكلمة طلعت مني همس، بس كان ليها صدى مرعب جوه راسي. “أبويا أنا يا كريم؟ الاسم اللي بنيت بيه كل نفوذي في السوق؟ الراجل اللي حازم كان بيتمسح في طوب أرضه عشان يرضى عنه؟!”
كريم مسك إيدي، إيده كانت دافية بس إيدي كانت تلج. “علا، اهدي.. أنا مكنتش عايز أقولك دلوقتي، بس المحامي قالي إن النيابة هتدرج اسم ‘رسلان والوالي’ تحت بند إعادة فحص التركات.. الورق بيثبت إن من 6 سنين، أول تحويل ضخم خرج للحساب السويسري، كان بطلب موقع ومختوم ببصمة خاتم وجواز سفر والدك، المستشار جلال الوالي.”
فتحت حزام الأمان وقمت وقفت، المضيفة لمتني من بعيد وجت عليا بسرعة: “يا فندم، من فضلك الإشارة لسه…”
شاورتلها بإيدي بحدة خلتها تقف مكانها. دخلت الحمام وقفلت الباب بالمفتاح.
سندت بإيديا الاتنين على الحوض. بصيت لوشي في المراية.. الوش الأبيض، البدلة البيضا.. كل حاجة كانت باينة نقية، بس الحقيقة كانت قذرة. افتكرت أبويا.. افتكرت لما كان يقعد معايا ويقولي: “حازم راجل طيب يا علا، حافظي عليه وشغليه معاكي، الراجل سند”.
مكنش بيوصيني عليه عشان بيحبني.. كان بيأمن ضهره! كان بيشتري سكوت حازم بيا!
المشهد: بعد ساعتين (فوق أجواء أوروبا)
خرجت من الحمام، ملامحي كانت هديت، بس الهدوء ده كان الهدوء اللي بيسبق تسونامي. قعدت جنب كريم، اللي كان بيبصلي بقلق حقيقي.
”أنا كويسة يا كريم.” قولتله ونبرة صوتي اتغيرت 180 درجة، بقت حادة وقاطعة زي الموس. “وريني الورق.”
كريم فتح اللاب توب بتاعه ووراني المستندات الممسوحة ضوئياً اللي بعتها المحامي. عيني بدأت تقرأ الأرقام.. والتواريخ.
2020: تحويل بقيمة 12 مليون دولار من حساب شركة الوالي للأغذية إلى “الوالي كونسلتينج” بسويسرا. التوقيع: جلال الوالي.
2021 (قبل الوفاة بشهرين): توكيل رسمي عام وشامل من جلال الوالي لحازم رسلان، يمنحه حق الإدارة والتوقيع على الحسابات الخارجية في حالة الوفاة.
”فهمت..” همست وأنا ببتسم ابتسامة مرعبة. “أبويا مكنش شريك في السرقة يا كريم.. أبويا كان هو (الرأس الكبيرة) اللي أسس اللعبة، وحازم لما اتمكن، وفريدة لما دخلت، طمعوا في الحساب ليهم لوحدهم بعد ما أبويا مات.. عشان كده حازم مكنش خايف مني، لأنه كان عارف إن لو الورق ده اتكشف، اسم أبويا وتاريخه كله هيتمرغ في التراب، وأنا هبقى بنت الحرامي في نظر السوق كله!”
كريم قفل اللاب توب وقال بحسم: “علا، إحنا نقدر نلم الموضوع. المحامي بيقول إن بوفاة والدك، التهمة الجنائية بتسقط عنه شخصياً، ونقدر نوجه كل الاتهامات لحازم وفريدة على أساس إنهم استغلوا التوكيل بعد الوفاة لتمرير غسيل أموال. اسم والدك مش هيتذكر في المحكمة الجنائية لو لعبناها صح.”
بصيت لكريم وقولتله بقسوة: “لأ يا كريم. مش هداري على حد. اللي يسرق.. يتدفن في وساخته، حتى لو كان أبويا.”
اللحظة القوية: الهبوط في باريس (مطار شارل ديغول)
الطيارة هبطت. نزلنا وسط أجواء باريس الشتوية، المطر كان بينزل خفيف وبيخبط على إزاز المطار. الهوا كان ساقع جداً، بس النار اللي جوايا كانت كفيلة تدفي بلد.
كنا ماشيين في صالة الوصول، وفي وسط الزحمة، لمحت شخص واقف لابس بالطو أسود، وماسك يافطة مكتوب عليها باسمي الثنائي القديم: (علا جلال الوالي).
الراجل مكنش سواق من الأوتيل. الراجل ملامحه كانت مصرية، وصارمة جداً.
قربت منه وكريم جنبي، الراجل أول ما شافني، نزل اليافطة، وطلع من جيبه ظرف كرافت بني قفله شمع أحمر، ومده لإيدي.
”أستاذة علا؟” الراجل سأل بصوت واطي.
”أيوه.. أنت مين؟”
الراجل بص حواليه وقال: “أنا المحامي الفرنساوي المسؤول عن تركة المستشار جلال الوالي هنا في باريس. والدك ساب وصية مغلقة ومسجلة في صندوق أمانات بنك ‘بي إن بي باريبا’ في الشانزلزيه، والشرط الوحيد لفتحها كان.. إنك تيجي باريس بنفسك، وتكوني (لوحدك) بعد ما تكتشفي حقيقة حازم.”
قلبي ضرب بسرعة جنونية. بصيت لكريم، وبصيت للظرف اللي في إيدي.
الراجل كمل كلامه وهو بيبص في عيني مباشرة وبيهمس بكلمات زلزلت الأرض تحت رجلي تاني:
”والدك مكنش بيسرقك يا فندم.. والدك كان بيهرّب ثروتك الحقيقية برا مصر عشان حازم وفريدة والشبكة اللي وراهم ميتنازلولكيش عنها بالدم.. والوصية دي فيها عقود ملكية لـ 40% من أسهم أكبر شركة اتصالات في أوروبا باسمك أنتِ وبس.. حازم وفريدة كانوا مجرد طُعم أبوكي رماه عشان يشغلهم عنك لحد ما تكبري وتقدري تدوسيهم.. ودلوقتي أنتِ جيتي باريس.”الظرف الكرافت البني المقفول بالشمع الأحمر كان تقيل في إيدي، أتقل من الـ 558 مليون دولار اللي سحبتهم من مصر.
بصيت لكريم، لقيت في عينيه نظرة ذهول مش أقل من الصدمة اللي شلتني. الراجل اللي كنت فاكرة إنه باعني عشان يحمي ضهره، طلع غزلّي من خيوط الغدر دي درع يحميني لما يغيب.
”علا…” كريم نطق اسمي بهمس وهو بيبص للظرف: “أبوكي مكنش خاين.. أبوكي كان بيلعب شطرنج مع دئاب، ومات وهو سيبلك الوزير اللي هتموتي بيه الملك.”
أخدت الظرف من إيد المحامي الفرنساوي، وحطيته في شنطتي ببطء شديد وبمنتهى الثبات. لفيت وشي للمخرج، وبصيت لشوارع باريس اللي المطر كان بيغسل أرصفتها، زي ما الحقيقة غسلت وجعي بدموع مغسولة بالنصر.
حازم وفريدة دلوقتي في زنزانة ضلمة، فاكرين إنهم ضحايا ذكائي، ومش عارفين إنهم كانوا مجرد “عرائس ماريونيت” في مسرحية كتبها جلال الوالي من 6 سنين، وأنا قفلت ستارتها النهاردة.
مشيت بخطوات واسعة وقوية على أرض المطار، وكريم ماشي جنبي، مش ساندني لأني مش محتاجة سند، لكن كشريك بجد في رحلة جديدة بتبدأ من الصفر.. بس صفر قيمته مليارات.
التفتّ لكريم قبل ما نركب العربية وقولتله بابتسامة صخرية مفيهاش ذرة ضعف:
“يلا بينا يا كريم.. نروح البنك. حازم وفريدة أخدوا عقاب القانون.. دلوقتي جه الوقت اللي هعلمهم فيه إزاي الأسياد بيمسحوا الخدم من التاريخ.”
ركبت العربية، وقفلت الباب، ومع قفلته.. اتقفلت صفحة “علا الضحية” للأبد، واتفتحت صفحة “الإمبراطورة”.