زياد وميرال نورهان العشرى الثالث
حكاية زياد و ميرال بقلم نورهان العشري ج٣
نظرت إلي الدكتورة صفا وقالت:
— “كويس.. بس افهم حاجة؛ الأمان مش مجرد بوابات مقفولة وحراسة. لما تصحى، ممكن تكون خايفة منك إنت شخصياً.”
تفاجأتُ وشعرت بوخزة حادة في قلبي. وتابعت الدكتورة:
— “هي اتقال لها حاجات كتير.. ممكن تكون كذب، وممكن تكون أنصاف حقايق. متقدرش تفرض عليها الثقة لمجرد إنك ندمان على خسارتها.” حكايات نورهان العشري
— “مش هعمل كدة.”
كان الوعد يبدو ضئيلاً وغير كافٍ، لكنه كان كل ما أملك.
قرابة منتصف الليل، خرجتُ أنا و”مازن” إلى الممر بينما كانت الممرضة تفحص “ميرال” مرة أخرى. وقف اثنان من حراس أمن المستشفى بالقرب من المصاعد بإنصات ويقظة.
سألتُ:
— “قولي.. شيرين عملت إيه؟”
خفض “مازن” صوته:
— “هي مشيت من بيت والدك الساعة 9:28 بالليل بعربية خاصة. يوسف كان هناك في أول السهرة بس مشي قبل ما ميرال توصل.”
— “وهي فين دلوقتي؟”
— “رجعت الفيلا، بناءً على كلام السواق.”
— “كلمتني؟”
— “لأ.”
وهذا بالذات كان دليلاً كافياً على أنها تعلم بكل شيء.
كانت “شيرين” تتصل بي لأتفه الأسباب؛ ترتيبات جلوس الحفلات، إشاعات المؤسسة، تغييرات أدوية والدي. بل إنها اتصلت بي ذات مرة من باريس لمجرد أن صحفيًا ذكر الرسام المفضل لأمي في مقال، لتسألني إن كان ذلك “مناسبًا لمشاعرنا العائلية”!
لو كانت “ميرال” سقطت بعد مغادرة منزل والدي ولم تكن لشيرين يد في ذلك، لكانت اتصلت بي قبل أن تصل سيارة الإسعاف حتى.
قلتُ لـ “مازن”:
— “عايزك تلاقي طارق علام فوراً.”
تشنجت حواجب “مازن”:
— “مساعد والدك؟”
— “هو الوحيد اللي هيكون عارف إيه اللي حصل فوق في الجناح.”
— “طارق تليفونه مقفول ومبيردش من الساعة تسعة.”
نظرتُ إليه.
أكد صمت “مازن” نفس المخاوف التي بدأت تتشكل في عقلي. حكايات نورهان العشري
قلتُ:
“حاول تاني.. وخلّي حد يروح لبابا.. في صمت وبدون شوشرة.”
— “أنا بعت رفعت فعلاً.”
أومأتُ برأسي. لهذا السبب ظل “مازن” معي لخمسة عشر عامًا؛ كان يتحرك دائمًا خطوة قبل أن أطلب منه.
فتحت الممرضة الباب:
— “تقدروا تتفضلوا تدخلوا تاني.”
بدت “ميرال” أكثر صغرًا وضآلة تحت البطانية البيضاء.
عدتُ إلى الكرسي بجانب فراشها وقرأت رسالتها مجددًا. ليس لمعرفة الحقائق، بل لأنني أردت أن أشهد على كل كلمة كتبتها وهي تعاني وحيدة.
في تمام الساعة الثانية صباحًا، اهتز هاتفي.
تفقّد “مازن”، الواقف بالقرب من الباب، هاتفه في نفس اللحظة ونظر إليّ.
وقال:
— “رفعت وصل لوالدك.”
— “وإيه الأخبار؟”
— “بيقول إن عاصم بيه صاحي.. ومنفعل جداً.. وعمال يسأل على ميرال.”
دق قلبي بعنف:
— “أبويا كان عارف إنها جاية؟”
— “الظاهر كدة.”
— “وصلني بيه فوراً.”
وبعد ثوانٍ، ظهر رقم رفعت على شاشتي. أجبتُ، وجاء صوت والدي المتهدج عبر الخط:
— “زياد؟”
كان الشخص الوحيد في العالم الذي يناديني باسمي مجردًا من الألقاب، بالنسبة للجميع كنت المستشار زياد المسيري، أما بالنسبة له، فكنت لا أزال ذلك الفتى الواقف عند قدمي سرير مستشفى والدتي، أتعلم كيف يمكن للكبار أن يكذبوا بمنتهى السهولة عن طريق إخفاء الحقائق.
قلتُ:
— “أنا معاك يا بابا.. ميرال عايشة وبخير.”
سمعتُ تنهيدة طويلة ومرتجفة عبر الهاتف.
وسألني:
— “و الطفل”
أغمضت عيني للحظة:
— “نبضه قوي.”
— “الحمد لله.. الحمد لله.”
تشنجت قبضتي على الهاتف:
— “بابا.. إيه اللي حصل النهاردة بالظبط؟”
ساد صمت طويل.
ثم صوت خشخشة خفيفة، كأن رفعت يعدل وضع الهاتف بجانبه.
قال والدي بصوت مكسور:حكايات نورهان العشري
— “أنا حاولت أقولها..”
— “تقولها إيه؟”
— “إني عمري ما فوضت شيرين إنها تبعدها عنك.”
هرب الهواء من رئتي تمامًا.
— “أنت كنت عارف إن ميرال حامل؟”
— “عرفت من أسبوعين.” حكايات نورهان العشري
— “من أسبوعين؟!” ارتفع صوتي رغمًا عني غضبًا. “ومكلمتنيش ليه؟!”
— “حاولت يا بني.”
— “لأ، محاولتش.”
— “والله حاولت،” قالها، ولأول مرة منذ سنوات يبدو والدي عجوزًا؛ ليس قويًا ولا شامخًا، بل مجرد رجل عجوز مهدود الحيل.
“مكتبك قالوا لي إنك مسافر ومحدش عارف يوصلك. وتليفونك الخاص كان بيفصل ومبيجمعش معايا. شيرين قالت لي إنك غيرت أرقامك بعد الطلاق.”
حدقتُ عبر الغرفة في “مازن”.
كان يسجل ملاحظاته بالفعل.
قلتُ لوالدي بوضوح:
— “خط تليفوني الخاص متقفلش ومتغيرش يا بابا.”
— “أنا عرفت ده دلوقتي.”
سعل والدي، سعلة خفيفة ومؤلمة:
— “زياد.. ابدأ معايا الحكاية من الأول.”
أخذ نفسًا ببطء:
— “في ست كلمت البيت.. مجهولة. قالت إن ميرال حامل ومحبوسة في شقة بتتمول من حساباتي الشخصية. افتكرت في الأول إنه ابتزاز. فطلبت من طارق علام يشوف التحويلات دي. وفعلاً لقى تحويلات مشبوهة.. صغيرة كفاية عشان متلفتش نظر مجلس الإدارة، بس كبيرة كفاية ومستمرة.”
— “طارق اللي لقى ده؟”
— “أيوة.. وكان خايف جداً.”
— “وهو فين دلوقتي؟”
صمت.
— “بابا.. انطق.”
— “معرفش.. كان المفروض يجيب لي نسخ من الورق النهاردة بالليل قبل ما ميرال توصل.. بس مجاش.”
نظرتُ إلى “مازن” مرة أخرى.
وسألتُ والدي:
— “وميرال جاتلك ليه؟”
— “عشان أنا اللي طلبت أشوفها. بعت لها رسالة مع حد كنت فاكر إن شيرين مش هتقدر تتبعه،” وارتجف صوته قليلاً، “كنت عايز أعتذر لها.. كنت عايز أقولها إنك مكنتش تعرف حاجة عن الموضوع ده. وكنت عايز أشوف الدليل بعيني قبل ما أواجه شيرين.”
— “وإيه اللي حصل لما وصلت؟”
صمت طويل آخر.
— “شيرين دخلت الجناح قبل ما ميرال تدخل. قالت لي إن ميرال حالتها النفسية مش مستقرة وبتحاول تستغل الحمل عشان ترجع لحياتك وتفرض نفسها عليك. طلبت منها تخرج وتسيينا. راحت بصت لي وابتسمت يا زياد.. ابتسمت لي كأني طفل صغير مش فاهم حاجة.”
توقف ليستعيد أنفاسه.
— “ميرال دخلت ووشها أصفر زي الليمونة بس كانت واقفة وصامدة. كان معاها فايل فيه صور الأشعة والتقارير الطبية. حاولت تتكلم، بس شيرين كانت بتقاطعها وتهاجمها طول الوقت. بعدين ميرال قالت إنها كتبت كل حاجة ونسختها وشالت النسخ دي في مكان عمر ما شيرين هتوصل له.”
نظرتُ إلى الظرف المستقر في حجري.
— “وبعد كدة إيه اللي حصل؟” حكايات نورهان العشري
— “معرفش.. ضغطي علي فجأة، وحسيت بدوخة رهيبة. رفعت بيقول إنهم طلبوا لي الممرضة بسرعة، بس أنا مش فاكر حاجة من دي خالص. ولما صحيت، ميرال مكنتش موجودة، وشيرين مكنتش موجودة، وطارق علام لسه مختفي.”
وقفتُ ببطء.
— “بابا.. اسمعني كويس. متاكلش ولا تشرب أي حاجة مكنتش مقفولة وشفتها بتتفتح قدامك. رفعت هيفضل معاك ومش هيسيبك. ومحدش يدخل عندك الجناح غير بإذن مباشر من مازن.”
— “بس يا زياد…”
— “من غير مناقشة يا بابا.. أرجوك.”
ولأول مرة، لم يجادل والدي في أوامري.
وسألني بضعف:
— “هي فاقت؟”
— “لسه.”
— “لو صحيت.. قولها إني أسف.”
نظرتُ عبر الواجهة الزجاجية لغرفة “ميرال”، حيث كانت الممرضة تعدل البطانية على كتفها.
— “هقولها لما تكون مستعدة تسمع.”
بعد إنهاء المكالمة، التفتُّ إلى “مازن”:
— “عايز طارق علام يكون قدامي.”
— “شغال على ده يا زعيم.”
— “وتسحب لي سجل المكالمات اللي دخلت وخرجت من مكتبي في التلات شهور اللي فاتوا. وكل إيميل اتعمل له بلوك. وكل مرة ميرال جات فيها المبنى والأمن رفض يدخلها. عايز أسماء كل اللي شاركوا في ده.”
أومأ “مازن” برأسه:
— “حاضر يا زياد.”
توقفتُ مذهولاً؛ فمن النادر جدًا أن يناديني باسمي الأول أثناء العمل.
وسألتُه:
— “في إيه؟”
خفض صوته وقال:
— “الموضوع ده ممكن يكون أكبر بكتير من شيرين هانم.”
— “عارف.”
لكن المعرفة شيء، والقبول والتحمل شيء آخر تمامًا.
ومع حلول الفجر، تلونت نوافذ المستشفى باللون الرمادي مع خيوط الضوء الأولى. لم أذق طعم النوم. غادر “مازن” مرتين وعاد ومعه قهوة لم ألمسها. وكانت الدكتورة “صفا” تطلعني على المستجدات ساعة بساعة. ظلت “ميرال” غائبة عن الوعي لكن حالتها مستقرة.
وفي تمام الساعة 6:17 صباحًا، تحركت أصابع يدها.
كانت الحركة طفيفة للغاية حتى ظننت أنني أتخيلها.
ثم تقطب جبيناها بتألم.
وقلت بصوت خافت ملهوف:
— “ميرال؟”
ارتجفت رموشها.
تحركت الممرضة بسرعة إلى جانب السرير:
— “مدام ميرال، إنتي في المستشفى دلوقتي. إنتي في أمان اطمني.”
انفتحت عيناها. ولثانية واحدة، كانت نظراتها مشوشة وغير مركزة. ثم التقت عيناها بعينيّ.
ارتسم الخوف على وجهها بوضوح شديد كاد يطرحني أرضًا على ركبتي من الألم والندم. رفعت يديَّ الاثنتين كفوفًا مفتوحة لأطمئنها: حكايات نورهان العشري
— “أنا مش هنا عشان أأذيكي.. والله مش هنا عشان أأذيكي.”
امتلأت عيناها بالدموع. وقالت الممرضة بلطف:
— “نبض ابنك قوي وزي الفل.”
تحركت يد ميرال بضعف شديد نحو بطنها:
— “البيبي؟”
كررت الممرضة:
— “قوي وبخير.”
انزلقت دمعة صامتة لتخترق خصلات شعرها، وعندها فقط، أعادت نظراتها إليّ، وهمست بصوت مجهد:
— “إنت جيت…”
حملت الكلمتان مزيجًا غريبًا من الدهشة والاتهام في آن واحد. أجبتُها:
— “جيت يا ميرال.”
ارتجفت شفتيها:
— “أنا حاولت أقولك…”
— “أنا عارف.”
قالت بصوت كاد لا يُسمع:
— “لأ.. إنت متعرفش. أنا كلمتك.. ورحت البيت.. وهما قالوا لي إنك مش عايزني هناك.”
— “عرفت دلوقتي كل حاجة.”
انهار وجهها بالبكاء، لكنها التفتت بعيدًا وكأن البكاء نفسه يكلفها جهدًا لا تملكه. أردت أن أمد يدي إليها، لكنني لم أفعل. كانت الدكتورة “صفا” على حق؛ الندم لا يعطيني الحق في فرض نفسي عليها الآن.وقلتُ:
— “أنا قريت رسالتك.. ومصدقك في كل كلمة.” حكايات نورهان العشري
أغمضت عينيها. كان يجب أن يكون هذا كل ما أقوله.
لكن الحقيقة أبت إلا أن تخرج بالكامل. وتابعتُ:
— “ميرال.. أنا كنت فاكر إني بحميكي لما سبتك تبعدي. كان في تحقيقات مع ناس ليهم علاقة بعيلتي.. وتهديدات.. حاجات مكنتش عايزها تقرب منك أبداً. افتكرت إني لو خليت الطلاق حقيقي ومقنع، هتكوني في أمان بعيد عن اسم المسيري.”
فتحت عينيها مجددًا، متعبة وحزينة للغاية:
— “يعني إنت اللي قررت نيابة عني.”
— “أيوة.”
— “وبعدها اختفيت.”
— “أيوة.”
بدا أن الصراحة المطلقة تؤلمها أقل مما كانت ستفعله الأعذار الواهية. وقلتُ بصدق:
— “أنا أسف.. مش الأسف اللي بيطلب منك تواسيني، ولا الأسف اللي مستني منك مقابل. أنا بس.. بجد أسف.”
تشنجت أصابعها على البطانية، وبعد صمت طويل، همست:
— “أنا معرفش إزاي هثق فيك تاني.”
— “فاهم.”
— “بس أنا محتاجة البيبي يكون في أمان.”
تشنج حلقي غصةً وقلت:
— “يبقى هي دي البداية اللي هنبدأ منها.”
بحثت عيناها في عينيَّ. لا غفران.. ولا عودة..
لكن شيئًا ما تحرك وتغير في الفراغ الذي بيننا.
بابٌ لم يفتح بعد، لكنه لم يعد مغلقًا بالقفل والمفتاح أيضًا.
طلبت مني الدكتورة “صفا” الخروج لكي يتمكنوا من فحصها. أطعتُ الأمر دون أي اعتراض، وهو ما قد يكون فاجأ “ميرال” أكثر من أي شيء آخر.
في الممر، استندتُ بظهري إلى الجدار وأرجعت رأسي للخلف متنهدًا بارتياح. لقد استيقظت. والطفل لا يزال حيًا وبخير. الفصل الذي ظننت أنه انتهى عاد مجددًا، هشًا وغير مكتمل.
اقترب “مازن” مسرعًا من جهة المصعد وقال:
— “لقينا طارق علام.”
اعتدلتُ في وقفتي:
— “فين؟”
— “مش بعيد عن مبنى والدك. دخل عيادة طوارئ صغيرة باسم مستعار. بيعاني من جفاف، وأعراض
ذعر، وكدمة جامدة في كتفه. بيقول إنه اتزق جامد أثناء خناقة في ممر الخدمات، بس رفض يبلغ الشرطة عشان كان خايف.”
— “خايف من شيرين؟”
أظلم وجه “مازن” وهو يجيب:
— “لأ.. خايف من يوسف.”
