اتجوزت مسجون صافى هانى الثاني
أنفاسي هربت مني تماماً، وبقيت حاسة إن روحي بتتسحب. الضلمة كانت كاحلة، مفيش غير النور الأحمر والأزرق بتاع سراين البوليس وهو بيلف على الحيطة زي كابوس ملوش آخر. صوت دبة البيادات على السلم كانت بتعلى.. الدور الأول.. الدور التاني.. هما طالعين شقتنا في الثالث بالظبط!
أخويا الصغير جِري عليا في الضلمة وهو بيعيط وكاتم صوته، مسك في رجلي بكل قوته وهو بيترعش. وطيت بسرعة شيلته وضميته لصدري، وكنت حاسة بدقات قلبه الصغيرة زي دقات الساعة اللي بتعد ثوانينا الأخيرة.
يونس مكنش بيضيع وقت، فتح الباب الخشب الصغير بتاع المطبخ اللي بيطل على المنور.. الهوا الساقع بتاع الفجر ضرب في وشنا، والمنور كان عبارة عن ضلمة ومواسير وممر ضيق آخره بيطلع على الشارع الوراني.
”انزلي قدامي، براحة ومن غير صوت.. إيدك في إيدي” يونس قالها بصوت فحيح زي التعبان، وهو لسه ماسك المسد..س بيده التانية وعينه على باب الشقة الرئيسي.
قبل ما رجلي تلمس أول درجة في السلم الحديد المصدّي بتاع المنور.. رن في العمارة كلها صوت رزع عنيف على باب شقتنا!
“افتح.. بوليس!! افتح يا يونس يا هلالي!”
الواد أخويا صرخ صرخة مكتومة ودفن وشه في كتفي. يونس زقني زقة خفيفة وقاللي: “انزلي!! حالا!”
بدأنا ننزل السلم بسرعة والحديد بيزيق تحت رجلينا بصوت كنت حاسة إن العمارة كلها سامعاه. وفي نص السلم، سمعنا صوت خبط ورزع رهيب.. الباب الرئيسي بتاع الشقة اتهد واتكسر. صوت العساكر والضباط وهما بيدخلوا ويفتشوا الأوض كان واصلنا كأنهم معانا.
“مفيش حد هنا يا فندم! الأوض فاضية!”.. “فتشوا المطبخ والحمام بسرعة!”
في اللحظة دي، يونس وقف فجأة على السلم ونزل لمستوانا. وبص من بين أسياخ الحديد للشارع الضيق اللي تحت المنور.. وفجأة وشه اتقلب، الملامح الثابتة الواثقة اللي كانت عليه اتهزت لأول مرة.. وعينه وسعت من الصدمة.
بصيت معاه ومطرح ما كان بيبص.. شفت كابوس تاني خالص.
الشارع الوراني المظلم مكنش فاضي.. كان واقف فيه شخصين، لابسيبن بدلات سودا كاملة، وواقفين في الضلمة بكل هدوء، وواحد منهم كان بيولع ولاعة، ونور الـولاعة بيّن ملامح وشه.. كان فيه جرح قديم واخد خده كله، وبيبص لفوق، للشبابيك.. وكأنه مستنينا ننزل!
يونس رجع خطوة لورا، وصوته اتهز لأول مرة وهو بيهمس: “رجالة الحوت.. قفلوا المخرج.”
احنا بقا في النص.. فوقينا حكومة بتكسر المطبخ وهتكتشف باب المنور بعد ثواني.. وتحتينا ناس مفيش في قلوبهم رحمة ومستنيين يخلصوا علينا.. وأخويا الصغير بين إيديا بيموت من الرعب.
يونس لف ليا، وبص في عيني، ولأول مرة شفت في عينيه نظرة رجاء وخوف حقيقي.. مد إيده وحط المسد..س في إيدي أنا! وقفل صوابعي عليه وهو بيقول بسرعة ونفسه مقطوع:
”بسمة.. مفيش وقت، هما عايزينني أنا مش أنتِ.. البطاقة المزورة وكشف الحساب في جيبك.. لو دخلتي للحكومة هيقبضوا عليكي، ولو نزلتي تحت هتموتي.. الخيار الوحيد اللي قدامك دلوقتي عشان تنقذي نفسك وأخوكي.. إنك تضربي عليا نار حالا!”صوابعي اتجمدت على زناد المسد..س، والحديد الساقع بتاعه حسسني إن الموت بقى بين إيديا. بصيت ليونس بذهول، ودماغي وقفت عن التفكير.. أضرب عليه نار؟ الراجل اللي كنت بموت فيه من كام ساعة؟ الراجل اللي طلع شيطان ومخطط لكل حاجة؟
”أنت اتجننت؟! أضرب عليك نار إزاي؟” صوتي طلع يدوب همسة مخنوقة والدموع مغرقة وشي.
صوت رزع في المطبخ فوقينا قطع كلامنا.. “يا فندم! باب المنور مفتوح! هما هربوا من هنا!”.. وصوت خطواتهم وهي بتبدأ تنزل أول درجات السلم الحديد بكل عشم وبطء.
يونس مسك كف إيدي اللي ماسك المسد..س، وضغط عليه بقوة وعينيه مثبتة في عيني: “لو ضربتي في الهواء أو في كتفي.. الحكومة هتدخل تلاقيني مصاب، وأنتِ اللي ضربتيني بدافع الدفاع عن النفس لما حاولت أخطفك أنتِ وأخوكي! هتبقي الضحية يا بسمة.. الضحية اللي نجدت البلد من مجرم هارب. هتاخدي أخوكي وتمشي في حماية الظابط، والبطاقة والفلوس اللي في جيبك هتبدأي بيها حياة جديدة بره مصر.. اخلصي! مفيش وقت!”
في نفس اللحظة.. من تحت.. سمعنا صوت دبة جزم تقيلة بتطلع السلم من الشارع الوراني.. رجالة الحوت بدأوا يطلعوا هما كمان!
الوضع بقا جحيم.. إحنا محشورين في النص، الفخ قفل علينا خلاص. أخويا الصغير كان دافن وشه في رقبتي وبيرتعش، وأنا واقفة ماسكة السلا..ح، يونس قصادي، الضوء الأزرق بتاع البوليس جاي من فوق، وكشافات رجالة الحوت بدأت تنور السلم من تحت.
”بسمة.. أرجوكي.. عشان أخوكي.. اضربي!” يونس صرخ بصوت مكتوم وهو بيشد إيدي ناحية صدره.
سمعت صوت الظابط فوقينا بالظبط: “أقف مكانك أنت وهي!! أرفع إيدك!”
ومن تحت.. صوت فحيح راجل الجرح: “هاتوا الواد حي أو ميت.. الملايين متطلعش بره!”
كل حاجة حصلت في كسر من الثانية.. قفلت عيني، ودموعي نزلت سخنة على خدي، وضغطت على الزناد..
”طااااخ!”
صوت الطلقة هز المنور كله، صرخة أخويا، مع صوت جسم يونس وهو بيترمي لورا ويقع على درجات السلم.. فتحت عيني والرعب هيموتني، شفت يونس سايح في دمه، وبصلي نظرة أخيرة مكنتش عارفة هي نظرة شكر ولا وجع..
وفي نفس اللحظة، الظابط والعساكر نزلوا على السلم ووجّهوا كشافاتهم عليا وأنا واقفة في إيدي المسد..س وبصرخ بهستيريا وأخويا في حضني.. ومن تحت، رجالة الحوت لما سمعوا ضرب النار تراجعوا وجريوا في الضلمة.
الظابط قرب مني بسرعة وسحب المسد..س من إيدي وهو بيزعق: “أثبتي مكامك! يونس هلالي مات؟!”
بصيت للظابط، وبصيت لجث..ة يونس.. وحسيت بالورق والبطاقة المزورة في جيب الجاكت بتاعي بتلسع جسمي كأنها نار.. أنا مبقتش بسمة البنت الغلبانة الشريفة.. أنا بقيت جزء من اللعبة خلاص.
