طرقة المستشفى

طرقة المستشفى كانت ريحتها ديتول وكلور يقطع النفس لما وصلت ولقيت جوزي كريم واقف بره قسم الطوارئ، وجنب منه أمه الحاجة سوسو، ومعاهم ميرا.. البنت اللي كانت سايقة عربيتي وعملت بيها الحادثة الواعرة..
قبل الحوار ده ب ساعات قليلة بالعدد، كنت لسه شايفة بوست عامله كريم على الفيس بوك ب الفضيحة ب يبارك فيه ل ميرا على الحمل والبيبي اللي جاي في السكة.. وحالا، بدل ما يقف يديني مبرر أو يداري خيبته، بص في عيني وب كل برود وجبروت قالها لي في وشي قولي للشرطة إنك أنتِ اللي كنتِ سايقة العربية ومأ تعمليش شوشرة!..
ميرا قادت في البكاء والنحنحة ب السهو أنا مأ كنتش عاوزة كل ده يحصل.. أنا حامل في بطني عيل ومأ قدرش على بهدلة المحاضر والأقسام والمسؤولية دي واصل!..
الحاجة سوسو خطت خطوة وقربت من ودني ووشوشت ب الكلمة اللي مأ كنتش أتخيل في دنيتي إني أسمعها من ست كبرت وعرفت الأصول البنت دي ليها مستقبل والبيبي ده حتة مننا.. إنما أنتِ مأ لكيش مستقبل ولا ضهر واصل.. فكري في العيل الصغير، واشتري جوزك ولمي عيلتك ب الحلال بدل ما تتهد فوق نفوخنا!..
حتى الناس اللي كانوا واقفين في الطرقة وب يمروا جنبنا بقوا ب يبصوا علينا ب السهو والاستعجاب من كتر ما الصوت كان واعر.. وساعتها كريم عاد كلمته تاني ب النشفان العربية مكتوبة ب اسمك وفي رخصتك.. شيلي الليلة وبصمي على المحضر، وإحنا هنظبط الباقي ب القرشين بتوعنا..
فضلت كام ثانية مبحلقة في وشوشهم ب الذهول.. وبعدين بردت فجأة، مديت

إيدي جوة جيب البالطو، وطلعت تليفوني، وبصيت على الشاشة وقُلت ب الهداوة اللي تخلص على أي حد أنا مسجلة كل كلمة وكل حوار دار هنا ب الصوت والصورة..
وفي ثانية، رقعت نمرة النجدة والشرطة، وقُلت ب الثبات وب أعلى صوت عندي للظابط اللي فتح الخط ب الضبط إيه اللي بيحصل والملعوب اللي عاوزين يلعبوه عليا..
الوشوش في ثانية هرب منها الدم، واتقلبت ملامحهم ب الرعب كأن القيامة قامت فوق نفوخهم
يا ترى كريم وأمه هيعملوا إيه بعد ما البلاغ اشتغل وبقوا في وش المدفع والمحاضر؟ وإيه المصيبة المرعبة اللي الشرطة هتكشفها ب خصوص الحادثة وعربية نور والمستندات اللي ميرا مستخبية وراها وهتزلزل عائلة كريم كلها؟ الحكاية لسه بتبدأ واللي جاي صدمة وتصفية حسابات هتهز القلوب وتكتم الأنفاس..
اكتب كلمة
أول ما قفلت المكالمة، فضلت ماسكة التليفون قدامهم.
ولا حد فيهم عرف ينطق.
كريم كان أول واحد كسر الصمت.
قال بعصبية
إنتِ مجنونة؟
ابتسمت لأول مرة من ساعات.
لأ… أنا بطلت أخاف.
ميرا رجعت خطوتين لورا، وإيديها على بطنها وهي بتعيط.
أما الحاجة سوسو، فبصت لكريم وقالت بصوت واطي
اعمل أي حاجة… وقفها.
لكن خلاص…
الليلة خرجت من إيديهم.
بعد دقائق وصلت الشرطة.
الضابط طلب يسمع من كل واحد روايته.
كريم قال بسرعة
دي سوء تفاهم.
لكن الضابط رد
هنسمع من الكل… وبعدها الأدلة هي اللي هتتكلم.
سلمته التسجيل كامل.
فيه صوت كريم وهو بيطلب مني أعترف بجريمة ماعملتهاش.
وصوت أمه وهي بتحاول تضغط عليا.
وصوت ميرا وهي بتعترف إنها كانت اللي سايقة.
الضابط وقف التسجيل.
وبص لهم.
محدش قدر يرفع عينه.
بعدها طلبوا كاميرات المستشفى.
وكاميرات الشارع اللي حصل فيه الحادث.
وبعد مراجعتها…
بانت الحقيقة كاملة.
العربية كانت بتسير بسرعة كبيرة.
وميرا هي اللي كانت خلف المقود.
وكريم كان راكب جنبها.
وأثبتت التحقيقات كذلك أنهم حاولوا إقناعي بتحمل المسؤولية بعد وقوع الحادث.
لكن المفاجأة الأكبر…
ماكانتش الحادث.
كانت العربية نفسها.
التحقيق كشف إن العربية كان معمول لها تقرير صيانة قبل الحادث بأسبوع، وفيه ملاحظة واضحة إن الفرامل محتاجة تغيير عاجل.
وكريم استلم التقرير بنفسه.
ومع ذلك…
ساب العربية تتستخدم من غير إصلاح.
وده بقى جزءًا من التحقيق في مدى مسؤوليته عن الواقعة، إلى جانب محاولة التأثير على سير العدالة.
بعد أيام…
رجعت البيت.
فتحت اللابتوب.
ودخلت على حساب كريم.
الحساب كان مفتوح على جهاز قديم نسي يعمل منه تسجيل خروج.
ماكنتش بدور على فضايح.
كنت بدور على الحقيقة.
ولقيتها.
رسائل بينه وبين ميرا.
من أكتر من سنة.
وكلام واضح عن إنهم بيخططوا يعيشوا مع بعض بعد ما يخلصوا من الجوازة.
قفلت الجهاز.
وأخدت نسخة من الرسائل وسلمتها لمحاميتي، لتستخدم فقط فيما يسمح به القانون في إجراءات الطلاق والحقوق المالية.
رفعت دعوى طلاق.
وطلبت كل حقوقي القانونية.
ولم أحاول الانتقام…
فالقانون كان كافيًا.
أما ميرا…
فبعد انتهاء التحقيقات، رجعت تعيش مع أهلها.
واكتشفت إن العلاقة اللي كانت فاكرة إنها هتبني عليها مستقبلها…
بدأت بالخداع.
وانتهت بالخوف.
أما كريم…
خسر شغله.
لأن الشركة عرفت بمحاولة تحميل شخص آخر مسؤولية الحادث.
ولما راح يطلب مني أسامحه…
فتحت الباب.
وقف قدامي.
وشه باين عليه التعب.
قال
أنا غلطت.
قلت
أيوه.
اديني فرصة.
بصيت له بهدوء.
الفرصة كانت يوم ما وقفت في المستشفى، والمفروض أول واحد يحميني… طلب مني أضحي بنفسي عشان يحمي غيري.
سكت.
ومن اليوم ده…
أنت بقيت غريب.
وقف شوية.
وبعدين مشي.
من غير ما يقول كلمة.
بعد شهور، صدر حكم الطلاق.
وحصلت على حقوقي كاملة وفق ما قضت به المحكمة.
استأجرت شقة صغيرة.
واشتريت عربية مستعملة.
وأول مرة ركبتها…
وقفت قدام البحر.
فضلت أبص للموج.
وافتكرت اليوم اللي كنت واقفة فيه في طرقة المستشفى.
اليوم اللي اكتشفت فيه إن أقرب الناس ممكن يطلبوا منك تدفعي ثمن أخطائهم.
لكنك تقدر ترفض.
بعد سنة، كنت ماشية في نفس المستشفى لزيارة صديقة مريضة.
قابلت نفس الضابط.
ابتسم وقال
عاملة إيه؟
ابتسمت.
بخير.
قال
فاكرة يوم البلاغ؟
ضحكت.
أنساه إزاي؟
قال
أكتر حاجة فاكرها…
إنك رغم الصدمة، اخترتي القانون بدل الكذب.
هزيت رأسي.
لأن الحقيقة يمكن تتعب صاحبها شوية…
لكن الكذب بيفضل يطارده عمره كله.
خرجت من المستشفى.
وأخذت نفسًا عميقًا.
كانت نفس الرائحة…
ديتول وكلور.
لكن الإحساس اختلف تمامًا.
زمان كنت داخلة المكان وأنا محاطة بالخيانة.
أما الآن…
فكنت خارجة منه وأنا محاطة بالكرامة.
وأدركت أن أقوى انتقام ليس أن ترى من ظلمك يسقط…
بل أن تنجو أنت، وتبدأ حياة لا يملك فيها أحد أن يجبرك على حمل ذنب لم ترتكبه.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *