سلمى وعمار بقلم الكاتبه منال عباس الاول
سلمى وعمار بقلم منال عباس
الاول
وقف عمار قدام العربية بملامح حادة زي السيف اللي مبيعرفش يرحم، وعينيه طالعة منها نار، وإيده ماسكة الدريكسيون بقوة وقسوة بتعكس كل الغل اللي في قلبه من سنين الصراع اللي مبينتهيش، وسلمى واقفة قدامه زي وردة دبلانة من كتر الخوف، لابسة فستانها الأحمر اللي ناطق على بياض وشها المخطوف، وماسكة شنطتها الصغيرة بإيدين بتترعش وكأنها بتحاول تحمي روحها من نظراته اللي بتحرق جدار صمتها المصطنع، هي اللي تحدت الدنيا كلها عشانه وقبلت تدخل الجحيم ده بمزاجها عشان تبدأ معركة جديدة مش عارفة نهايتها إيه، ولا حتى بدايتها جت إزاي في اللحظة دي بالذات اللي عينيهم اتلاقت فيها تاني، وشعللت نيران الماضي اللي كانوا فاكرين إنها طفيت تحت رماد الكره والجفاء، وبينما صوت الموتور بيوشوش زي وحش مستني إشارة البداية، كانت هي واقفة مسمرة في مكانها، عاجزة تنطق بكلمة توصف البركان اللي في صدرها بين حب أكل قلبها سنين، وصراع أعمى خلاها تشوفه العدو اللي اتمنت طول عمرها تغلبه، قبل ما تكتشف إنها هي اللي غلبت نفسها لما وقعت في شباك حبه المسموم، فالتفت عمار بجسمه الضخم اللي مالي كرسى القيادة وقفل الباب بعنف وراه كأنه بيقفل معاه كل بيبان الرحمة اللي ممكن تفكر تفتحها، وخدها بالتجاهل التام وهو بيحط إيده على فتيس العربية في حركة متعمدة بينت كل القوة والسيطرة اللي بيملكها قدامها، فتقرب هي بخطوات تقيلة زي اللي ماشية لمصيرها المحتوم، وهي عارفة إن المشوار اللي بدأ ده مش مجرد مسافة العربية هتقطعها، ده مشوار في أعماق عذابهم المشترك اللي ملهوش مفر، مفيش غير طريق واحد بيجمعهم، ولا خيارات غير إنهم يكملوا الطريق للآخر مهما كان التمن غالي، ومهما كانت قلوبهم اللي اتقطعت من قسوة الأيام هتستحمل وجع تاني ملهوش دوا، ولا حتى مسكن يطفي لهفة الشوق اللي مستخبية ورا وش الكره اللي بيمثلوه لبعض كل ما يقربوا من بعض، عشان يتأكدوا إنهم لا قادرين يعيشوا مع بعض، ولا طايقين يعيشوا بعيد عن بعض في الدنيا اللي مليانة خيبات ودموع، اللي بتيجي دايماً قبل لحظات الضعف اللي بينكسروا فيها قدام مشاعرهم الحقيقية اللي بيحاولوا بكل قوتهم يداروها ورا قناع القوة واللامبالاة الكداب اللي بيلبسوه كل ما يقفوا قدام بعض في حلبة صراعهم الأبدي. بقلم منال عباس
اتحركت العربية بصوت واطي ومكتوم لكنه كان كفيل يهز كيان سلمى اللي قعدت جنبه وهي حاسة إن الأكسجين بدأ يخلص من المكان، عمار كان بيسوق وعنيه ثابتة على الطريق بتركيز مرعب وعروق إيده بارزة على الدريكسيون كأنه بيحارب معركة تانية جوه نفسه، سكتت وهي بتبص من إزاز العربية على الشوارع اللي بتعدي قدامها بسرعة وهي بتفتكر كام مرة اتمنوا اللحظة دي، لكنها كانت دايمًا بتيجي في خيالاتهم بعيدة عن الحقد والغل اللي بينهم دلوقتي، فجأة كسر عمار الصمت بصوت عميق ورخيم هز أركان العربية وقال وهو لسه باصص قدامه إنها لو فاكرة إنها بوقفتها دي قدامه هتغير حاجة من اللي فات فهي غلطانة ومغفلة، الكلمة نزلت على قلبها زي الرصاصة لكنها تماسكت بكل قوتها وقررت إنها مش هتدي له الفرصة يشوف ضعفها اللي بيستناه، وردت بصوت واطي بس فيه تحدي باين إنها مش هنا عشان تغير اللي فات، هي هنا عشان تنهي اللي بدأه هو، لفت عمار وشه ناحيتها بابتسامة سخرية باهتة وراجع يبص للطريق وقال إن النهاية اللي هي بتتمناها بعيدة قوي، وإنهم لسه في أول خطوة في طريق طويل مليان شوك، سلمى حسيت ببرودة سارية في جسمها من طريقته، بدأت تفتكر الصراعات اللي دخلتها عشانه واللي كلفتها كتير من نفسها وكرامتها، وعمار كان بيزيدها حيرة بقسوته اللي وراها نظرة عتاب خفية بيحاول يداريها بأي شكل، العربية دخلت طريق فرعي مهجور والهدوء بقى مطبق على المكان إلا من صوت أنفاسهم اللي بدأت تتسارع مع زيادة سرعة العربية، سلمى لفت وشها ليه وقالت بحدة إن كان فاكر إنها ممكن تخاف أو تتراجع فهي غلطانة، وإن اللي حصل زمان كان درس اتعلمت منه كتير، عمار داس فرامل فجأة وقف العربية في نص الطريق ومال بجسمه ناحيتها لدرجة إنها حست بضغط أنفاسه اللي بقت قريبة منها جداً، وقال بنبرة مليانة وجع مش بس غضب إن الدرس اللي هي اتعلمته مكنش أكتر من مجرد بداية لعذابهم، وإنها مهما حاولت تهرب من الحقيقة، الحقيقة هي إنهم الاتنين مربوطين ببعض بخيوط رفيعة من نار، سلمى اتسمرت في مكانها وعينيها اتملت دموع محبوسة وهي بتواجه نظراته اللي كانت بتدور على أي رد فعل منها، في اللحظة دي حست إن كل القوة اللي كانت بتدعيها اتبخرت، وبدأت تدرك إن الصراع بينهم مش مجرد كره، ده كان خيط رفيع جداً بيفصل بينهم وبين الانفجار اللي هيحصل في أي لحظة، وفجأة سحب عمار نفسه ورجع لورا ببرود، وشغل العربية تاني وكمل طريقه وكأن شيئاً لم يكن، وساب سلمى غرقانة في دوامة أفكارها ووجع قلبها اللي زاد مع كل كيلومتر بيبعدهم أكتر عن الدنيا اللي كانوا يعرفوها قبل اللحظة دي.بقلم منال عباس
الجو جوه العربية كان مشحون بكهرباء كفيلة تولع في المكان كله، سلمى كانت باصة من الشباك وإيديها بتعصر فستانها لدرجة إن صوابعها بقت بيضا من كتر الضغط، وعمار كان بيسوق بهدوء مستفز بيخبي وراه بركان، فجأة كسر السكوت بصوت مبحوح ومليان نبرة تحدي وقالها إنها لو فاكرة إن الهروب من عينيها هيحل المشكلة فهي واهمة، سلمى اتنفست بعمق وحاولت تجمع شتات نفسها وقالتله بصوت بيتهز بس ثابت إنها مش بتهرب، هي بس بتحاول تستوعب السخافة اللي هما وصلولها، عمار ضحك ضحكة قاسية خلت جسمها يقشعر وقالها إن السخافة دي هي اللي كانت بتجمعهم في كل مرة، وهي اللي خلتهم يوصلوا لمرحلة إنهم يدمروا بعض عشان يحسوا إنهم موجودين، سلمى لفت وشها ليه بصدمة وقالتله إنهم مش بيدمروا بعض، هما بيحاولوا يهربوا من حقيقة إنهم محتاجين لبعض أكتر ما بيحتاجوا للهوا، عمار سكت فجأة وضرب دريكسيون العربية بيده بقوة لدرجة إن العربية اتمرجحت في الطريق، وبص لها نظرة كان فيها مزيج غريب من الغضب والضعف اللي بيحاول يداريه طول الوقت، وقالها إن الاعتراف بالحقيقة دي هو أكبر غلطة ممكن يعملوها، لأنهم لو اعترفوا، مفيش قوة في الدنيا تقدر تلم شتاتهم تاني، سلمى حست بقلبها بيوجعها من كلامه، وكأن كل كلمة بيقولها بتمزق حتة من روحها، ولقيت نفسها بتقوله إنهم أصلاً مفيش فيهم حاجة سليمة عشان تتلم، وإنهم كسروا كل حاجة ممكن تتكسر، عمار فضل باصص للطريق وعينيه بدأت تلمع بدموع محبوسة، وكأنه بيصارع نفسه عشان ما ينفجرش قدامها، وفجأة قرر يغير مسار العربية ويدخل طريق أضيق وأظلم، سلمى سألته بنبرة فيها خوف مشوه بالفضول عن هو رايح بيهم فين، عمار رد عليها بصوت واثق بس فيه رعشة خفيفة وقالها إنهم رايحين للمكان الوحيد اللي يقدروا يواجهوا فيه حقيقتهم من غير أقنعة، المكان اللي بدأ فيه كل شيء وانتهى عنده كل شيء، سلمى غمضت عينيها واستسلمت للقدر، وهي عارفة إن الليلة دي مش هتعدي زي غيرها، وإن الصراع اللي بينهم وصل لنقطة اللاعودة، والليل بدأ يلفهم بظلامه زي ما الحيرة لفت قلوبهم، وكل كيلو متر بيقطعوه كان بيقربهم أكتر من مواجهة طال انتظارها، مواجهة ممكن تنهي الصراع بدمار شامل، أو ببداية جديدة، بس الثمن في الحالتين هيكون أكبر من قدرتهم على التحمل.بقلم منال عباس
العربية كانت بتشق طريقها في قلب الضلمة وسط سكون الليل اللي زاد من حدة التوتر اللي مالي المكان، سلمى كانت قاعدة بتبص للأشجار اللي بتعدي جنبهم زي خيالات سودا مرعبة، حست بقلبها بيخبط في صدرها زي طير مذبوح وهي بتبص لعمار اللي ملامحه اتحولت لتمثال من الجليد الصلب اللي مش ممكن يدوب، فجأة كسر عمار السكوت بصوت تقيل كأنه خارج من أعماق بئر مهجور وقالها ببرود إن كل الطرق اللي اختاروها في حياتهم كانت بتوصلهم لنفس النقطة، نقطة التيه والوجع اللي هما عايشين فيه دلوقتي، سلمى لفتت وشها ناحيته وبكل جرأة وشجاعة خايفة قالتله إن التيه اللي هو بيتكلم عنه ده كان باختيارهم، وإنهم كانوا بيدوروا على أي سبب عشان يفضلوا في دايرة الصراع دي بدل ما يواجهوا الحقيقة اللي بتخوفهم أكتر من الموت نفسه، عمار ضغط على الدريكسيون بقسوة لدرجة إن مفاصل إيده بدأت تبيض وبص لها نظرة حادة وقاتلة وقالها إنهم لو واجهوا الحقيقة هينهار كل حاجة ببنوا حوالين نفسهم من حصون كدابة، وإن الوجع اللي بيحسوا بيه دلوقتي أرحم بكتير من الحقيقة اللي ممكن تحرق الأخضر واليابس، سلمى حست بدموعها بدأت تغلبها بس مسحتها بعنف وقالتله بلهجة قوية إن الحصون اللي بيبنيها دي مش هتحميه، بالعكس دي سجنه اللي بيقضي فيه حياته وهو بيحارب طواحين الهوا، عمار سكت للحظة وكأنه بيوزن كلماتها في ميزان قلبه المجروح، وبعدها فجأة انحرف بالعربية ناحية طريق جبلي وعر، سلمى شهقت بخوف وهي بتمسك في باب العربية وبصتله باستنكار وقالتله هو بيعمل إيه، عمار رد عليها بصوت خافت بس فيه نبرة غامضة وقالها إن الطريق ده هو اللي بيعرف البشر على حقيقتهم، وإنه لازم يوريكِ قد إيه إحنا صغيرين قدام الأقدار اللي راسمينها لنفسنا، العربية بدأت تتنطط على الطريق الوعر وسلمى حست إن روحها بتطلع مع كل هزة، بس عمار فضل مكمل بطريقته اللي بتعكس إصراره الغريب على إنه يوصل لنهاية المشوار ده مهما كان الثمن، والليل كان لسه بيستر عيوبهم ووجعهم اللي لا بيعرف يهدأ ولا بيعرف ينسى، وكل دقيقة بتعدي كانت بتزيد المسافة بينهم وبين العودة لحياتهم القديمة اللي بقت مجرد ذكرى بعيدة ومؤلمة.بقلم منال عباس
وصلت العربية لقمة الجبل وسط ضباب كثيف بيغطي المكان، وعمار وقف فجأة ونزل منها وترك سلمى وراه بتغلي من الغيظ والقهر، نزلت هي كمان ووقفت وراه وبدأت تصرخ فيه وتعاتبه على طريقته المهينة ليها وكأنها مش موجودة، التفت لها عمار وفجأة قرب منها وبنظرة كلها غيرة مكتومة وجنون محبوس قالها بصوت عالي هز سكون المكان إنها لو فاكرة إنها بتقدر تستفزه ببرودها ده فهي غلطانة، وإنه شايف كل نظرة بتبعتها لغيره، وكل كلمة بتقولها بتوجعه أكتر ما بيوجعها، سلمى اتصدمت من اعترافه وغيرته اللي طلعت أخيراً من ورا ستار القسوة، وحست إن الأرض بتدور بيها، سألته بدموع حارقة هي ليه بيعمل فيها كده إذا كان بيحس بكل ده، ليه بيعذبها وبيعذب نفسه في صراع ملوش آخر، عمار مسك إيديها بقوة وبص في عينيها بنظرة حب ممزوجة بوجع سنين وقالها إن الغيرة دي هي الضريبة اللي بيدفعها كل يوم عشان حبها اللي بيحاول يقتله جوه قلبه بس مش قادر، سلمى حسيت إن قلبها بيدق بجنون، وبدأت تدرك إن كل الصراع اللي بينهم مكنش إلا وسيلة عشان يهربوا من الحقيقة اللي بتعذبهم، الحقيقة إنهم بيحبوا بعض لدرجة الموت، وقفت قدامه وبكل جرأة قالتله إنها كمان غيرانة عليه من خياله، وإنها تعبت من التمثيل والهروب، عمار قاطعها وهو بيقرب منها أكتر لدرجة إن أنفاسهم اختلطت ببعض وقالها إنها لو فعلاً صادقة في كلامها، فمفيش طريق تاني غير المواجهة، وبدأ يمسح دموعها بإيده بحنية فاجئتها، سلمى حست إن كل الحواجز اللي كانت بينها وبين عمار بدأت تنهار واحدة ورا التانية، والمكان اللي كان شاهداً على صراعهم تحول للحظة لمكان بيشهد على لحظات ضعفهم واعترافاتهم اللي طال انتظارها، والليل كان لسه ساتر عليهم، والضباب كان بيحاوطهم وكأن العالم كله اختفى وما بقاش موجود غيرهم هما الاتنين في حلبة صراعهم اللي بدأت تتحول ببطء لقصة حب مستحيلة ومليئة بالوجع والغيرة والدموع اللي بدأت تترجم حقيقة مشاعرهم اللي حاولوا يخبواها طول الوقت.بقلم منال عباس