أهانت الخدامة قدام الكل… لكن جملة واحدة قلبت إمبراطورية الديب رأسًا على عقب حكايات شروق خالد الاول
“انزلي على ركبك… ولمّي الإزاز بإيدك.”
الجملة خرجت من بسمة الجندي وهي رافعة راسها بتكبر، قدام أكتر من ميتين شخص مجتمعين في قاعة أفخم فيلا في إسكندرية.
المزيكا سكتت.
الكلام وقف.
حتى الجرسونات بطلوا حركة.
كل العيون اتجهت ناحية البنت اللي كانت واقفة في النص، لابسة يونيفورم أسود بسيط، وشعرها مربوط وراها، ووشها باين عليه الإرهاق من سنين الشقا.
اسمها داليا منصور.
بنت فقيرة، اشتغلت من وهي عندها خمستاشر سنة عشان تصرف على أمها المريضة.
وفي الناحية التانية كانت واقفة بسمة الجندي…
بفستان أبيض مطرز بالألماس، وساعة تمنها يشتري عمارة كاملة، وخاتم خطوبتها كان حديث كل الناس.
بعد أسبوع واحد بس، كانت هتبقى مرات رأفت الديب…
الاسم اللي أي حد في إسكندرية بيخاف ينطقه بصوت عالي.
بسمة قربت من داليا وهي بتبتسم ابتسامة كلها شماتة.
وقالت بصوت متعمد يخلي كل الموجودين يسمعوا:
ـ إيه يا خدامة… واقفة بتبصيلي كده ليه؟ أول مرة تشوفي ناس لابسة نضيف؟
داليا ردت بهدوء وهي ماسكة صينية العصاير:
ـ أنا ببص قدامي يا هانم.
بسمة ضحكت وهي بصت للضيوف.
ـ سمعتوا؟! حتى وهي خدامة بتحاول تبان محترمة.
واحدة من الستات همست لجوزها:
ـ البنت دي شكلها هتروح في داهية.
الراجل هز راسه وقال:
ـ محدش يقف قدام بسمة… خصوصًا دلوقتي وهي بقت ست البيت.
بسمة مدت إيدها فجأة…
وخبطت الصينية بكل قوتها.
الكوبايات طارت في الهوا.
والإزاز اتكسر على الرخام الإيطالي.
العصير الأحمر اتناثر على الأرض وعلى هدوم داليا، لدرجة إن شكله بقى كأنه دم.
شهقة خرجت من أكتر من شخص.
لكن…
ولا واحد اتحرك.
كلهم خافوا.
خافوا من اسم الديب.
بسمة بصت للإزاز المكسور وقالت وهي بتضحك:
ـ يلا… انزلي لمّي الزبالة اللي عملتيها.
داليا نزلت بعينيها للإزاز.
ثواني عدت…
والكل مستني يشوفها وهي بتعيط أو تعتذر.
لكن اللي حصل كان حاجة محدش توقعها.
رفعت راسها ببطء…
وبصت مباشرة في عيون بسمة.
وقالت بهدوء يخوف:
ـ أنا هنضف الأرض… لأنها جزء من شغلي.
بسمة ابتسمت بانتصار.
لكن داليا كملت:
ـ إنما الإهانة… دي مش شغلي.
ابتسامة بسمة اختفت.
ـ نعم؟!
ـ أنا فقيرة… أيوه.
وبشتغل خدامة… أيوه.
لكن لا الفقر عيب… ولا الشغل عيب.
العيب الوحيد…
إن الإنسان يفتكر إن فلوسه ادته الحق يهين الناس.
القاعة كلها اتجمدت.
الأنفاس اتحبست.
أقدم محامي في القاعة بص للي جنبه وقال بصوت واطي:
ـ البنت دي خلصت على نفسها.
بسمة قربت منها لدرجة إن وشهم بقى قصاد بعض.
وقالت من بين سنانها:
ـ شكلك مش عارفة أنا مين.
داليا ردت من غير خوف:
ـ لا…
أنا عارفة كويس.
بس اللي واضح إن حضرتك اللي لسه متعرفيش نفسك.
بسمة فقدت أعصابها.
ورفعت إيدها…
كانت هتضرب داليا بالقلم قدام كل الناس.
لكن قبل ما إيدها توصل لوشها…
صوت رجولي هادي خرج من آخر القاعة:
ـ نزلي إيدك… حالًا.
الصوت كان هادي جدًا…
لكن وقعه كان أقوى من طلقة رصاص.
الكل لف ناحية الباب.
وفجأة…
كل اللي كانوا قاعدين وقفوا مرة واحدة.
الحراس عدلوا وقفتهم.
الخدم نزلوا عيونهم في الأرض.
حتى بسمة نفسها بهت لونها.
واقف عند باب الفيلا…
رأفت الديب.
الرجل اللي اسمه لوحده كان بيقفل شركات ويفتحها.
الرجل اللي أكبر رجال الأعمال كانوا يحسبوا حساب كلمته.
كان لابس بدلة سودا، وفي إيده باقة ورد أبيض كان جايبها لخطيبته.
لكن أول ما شاف الإزاز المكسور…
والعصير اللي مغرق هدوم داليا…
والدموع اللي كانت محبوسة في عينيها…
حط الورد على أول ترابيزة قابلته.
وبص لخطيبته نظرة خلت قلبها يقع.
قال بهدوء:
ـ قوليلي يا بسمة…
مين اللي كسر الكوبايات؟
بسمة حاولت تبتسم.
ـ الخدامة دي قليلة الأدب…
قاطعها رأفت وهو بيقرب خطوة:
ـ سألت سؤال واحد…
مين اللي كسرهم؟
لأول مرة…
بسمة معرفتش ترد.
وساعتها…
اتكلم كبير الخدم عم سيد، وكان صوته بيرتعش:
ـ الحقيقة… الهانم هي اللي خبطت الصينية يا باشا.
ساد صمت مرعب.
رأفت بص لداليا.
ثم للإزاز.
ثم لخطيبته.
وبعد لحظات قال الجملة اللي قلبت الليلة كلها…
ـ اللي يهين إنسان ضعيف قدام الناس… ما ينفعش يبقى شريك حياتي.
حكايات شروق خالد
جلس الصمت على القاعة كأنه حمل ثقيل.
ولا نفس واحد اتجرأ يقطعه.
بسمة بصت لرأفت وهي فاكرة إنه بيهزر.
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
ـ إيه؟! أنت أكيد بتهزر… معقول هتزعل مني عشان خدامة؟
رأفت ما ردش.
فضل باصص لها بنفس البرود.
وده كان أسوأ من أي صريخ.
ابتسامتها بدأت تختفي.
ـ رأفت… أنا بكلمك.
رد من غير ما يرفع صوته:
ـ وأنا سمعتك.
ـ يبقى قول للبنت دي تعتذر.
ـ تعتذر على إيه؟
ـ على طريقتها معايا.
داليا أخدت نفس عميق وقالت بهدوء:
ـ أنا ما غلطتش في حضرتك بكلمة.
بسمة لفت ناحيتها بعصبية.
ـ اخرسي! محدش سمحلك تتكلمي.
رأفت قال بحزم:
ـ لا… خليها تتكلم.
بصت له بسمة بصدمة.
ـ إنت بتديها الإذن تتكلم قدامي؟
ـ لأنها إنسانة… وليها حق تدافع عن نفسها.
اتغير لون وش بسمة.
كانت أول مرة حد يقف قدامها بالشكل ده.
من أول ما اتعرفت على رأفت، كانت متأكدة إن كل كلمة تقولها هتتنفذ.
لكن النهارده…
كل حاجة كانت بتنهار قدام عينيها.
داليا بصت لرأفت وقالت:
ـ لو تسمحلي… أنا ممكن أمشي.
رأفت هز راسه.
ـ لأ… استني.
بعدين بص على كبير الخدم.
ـ يا عم سيد…
ـ أمرك يا باشا.
ـ من النهارده… أي حد يشتغل في البيت ده، سواء خدام أو سواق أو جنايني… يتعامل باحترام كامل.
اللي يغلط في حد منهم… يغلط فيا أنا شخصيًا.
عم سيد حس إن عينيه دمعت.
اشتغل في البيت أكتر من أربعين سنة.
وعمره ما سمع حد من أصحاب البيت يقول الكلام ده.
بسمة ضحكت بسخرية.
ـ معقول؟! بقيت تدافع عن الخدم؟
رأفت رد وهو ثابت مكانه:
ـ بدافع عن الحق.
ـ والحق بقى مع خدامة؟
ـ الحق عمره ما كان له علاقة بالفلوس.
بسمة قربت منه وقالت بصوت منخفض:
ـ إوعى تنسى إن بعد أسبوع كتب كتابنا.
رأفت رد من غير تردد:
ـ مش متأكد إنه هيتم.
الجملة نزلت عليها كأنها صاعقة.
ـ إنت… إنت بتقول إيه؟
ـ بقول إني اكتشفت النهارده جانب في شخصيتك ما ينفعش أعيش معاه.
بسمة شهقت.
ـ عشان موقف تافه؟
ـ اللي إنتِ شايفاه تافه… هو بالنسبة لي اختبار أخلاق.
سكت لحظة.
وبعدين كمل:
ـ والاختبار ده… إنتِ سقطتي فيه.
بسمة فقدت أعصابها.
مسكت أقرب مزهرية كريستال ورمتها على الأرض.
اتكسرت لألف حتة.
ـ إنت هتسيبني عشان دي؟!
وأشارت على داليا باحتقار.
داليا اتراجعت خطوة.
كانت نفسها تختفي من المكان.
لكن رأفت وقف قدامها تلقائيًا، كأنه بيحميها.
الحركة دي خلت كل اللي واقفين يبصوا لبعض.
واحد من رجال الأعمال همس لصاحبه:
ـ أول مرة أشوف رأفت الديب يحمي حد بالشكل ده.
وقبل ما أي حد يتكلم…
دخل أحد الحراس بسرعة وهو بيجري.
وقف وهو بيحاول يلقط نفسه.
ـ باشا…
رأفت بص له.
ـ خير؟
الحارس بلع ريقه وقال:
ـ في راجل عجوز بره الفيلا… مصر يقابلك حالًا.
ـ قال اسمه إيه؟
ـ قال…
وسكت لحظة وهو باصص ناحية داليا.
ثم قال:
ـ قال اسمه… حسن منصور.
في اللحظة دي…
داليا شحب وشها فجأة.
وهمست بصوت مخنوق:
ـ مستحيل…
رأفت عقد حواجبه.
ـ تعرفيه؟
دموع داليا لمعت في عينيها وهي قالت:
ـ ده… اسم أبويا.
عم سيد وقع منه طبق الشاي من الصدمة.
وبص لداليا وهو بيردد بصوت مرتعش:
ـ لا… ده مستحيل…
أبوكي مات من أكتر من عشرين سنة… يبقى مين الراجل اللي واقف بره؟
حكايات شروق خالد