أهانت الخدامة قدام الكل… لكن جملة واحدة قلبت إمبراطورية الديب رأسًا على عقب حكايات شروق خالد الرابع
داليا كانت لسه محتضنة أبوها، ودموعها بتنزل من غير صوت.
مش قادرة تستوعب.
رجع لها بعد سنين طويلة…
وراح منها في نفس الليلة.
رأفت قرب منها، ونزل على ركبته جنبها.
قال بهدوء:
ـ داليا…
بصت له بعينين حمرا من كتر العياط.
ـ أوعى تقول لي “البقاء لله”… أنا حتى ملحقتش أشبع منه.
رأفت سكت.
لأول مرة في حياته، ما لقىش كلام يواسي بيه حد.
مد إيده وساعدها تقوم.
ـ أوعدك… دم والدك مش هيروح هدر.
داليا مسحت دموعها بطرف كمها.
ـ مش عايزة وعود.
ـ أومال عايزة إيه؟
بصت له بقوة، رغم الانكسار اللي جواها.
ـ عايزة الحقيقة.
رأفت هز راسه.
ـ وهتعرفيها.
لف ناحية عم سيد.
ـ المكتب… حالًا.
…
بعد دقائق…
دخل رأفت وداليا وعم سيد مكتب الحاج كامل الديب.
كانت أوضة كبيرة، كلها خشب قديم، وريحة الكتب المالية المكان.
رأفت وقف قدام المكتب.
فتح أول درج…
مفيش حاجة.
فتح التاني…
أوراق وعقود.
التالت…
فاضي.
داليا افتكرت كلام أبوها.
ـ قال… “الملف الأحمر في الدرج.”
رأفت وقف يفكر.
بعدين حط إيده تحت سطح المكتب من ناحية اليمين.
حس بحاجة غريبة.
ضغط عليها.
فجأة…
سمعوا صوت “تك”.
وطلع درج سري صغير.
عم سيد شهق.
ـ يا ساتر…
رأفت فتحه.
كان جواه ملف أحمر قديم، وعليه طبقة تراب كأنه متفتحش من سنين.
داليا إيديها كانت بتترعش وهي بتبص للملف.
رأفت فتحه بهدوء.
أول ورقة كانت مكتوب عليها بخط الحاج كامل:
“لو الملف ده اتفتح… يبقى أنا أو حسن بقينا مش موجودين.”
الكل سكت.
رأفت كمل قراءة.
> “ابني رأفت… لو بتقرا الكلام ده، يبقى الشخص اللي كنت بخاف منه وصل. فؤاد السيوفي عمره ما كان مجرد منافس. كان شريك لواحد أكبر منه… واحد محدش يعرف اسمه الحقيقي.”
رأفت قلب الصفحة بسرعة.
الورقة اللي بعدها كان فيها صور.
صور لاجتماعات قديمة.
فيها أبوه…
وحسن…
وفؤاد…
وشخص رابع.
وشه متغطي، لكن كان لابس خاتم ضخم عليه رسم عقرب.
عم سيد أول ما شاف الخاتم، وشه اصفر.
ـ لا…
رأفت رفع عينه.
ـ تعرفه؟
عم سيد بلع ريقه.
ـ الخاتم ده… بتاع منظمة اسمها العقرب.
داليا استغربت.
ـ منظمة؟
عم سيد هز راسه.
ـ أخطر شبكة كانت بتتحكم في المواني والتهريب زمان.
محدش يعرف مين رئيسها.
ولا حد شاف وشه.
رأفت قلب الورقة الأخيرة.
كان فيها سطر واحد.
“لو فؤاد اتحرك… اعرف إن رئيس العقرب رجع مصر.”
في اللحظة دي…
سمعوا صوت تليفون المكتب بيرن.
الغريب…
إن الخط ده مقطوع من سنين.
رأفت بص لداليا.
ثم مد إيده ورفع السماعة.
جاله صوت رجل كبير، هادئ جدًا.
ـ مساء الخير يا رأفت…
واضح إنك فتحت الملف.
رأفت اتجمد.
ـ مين؟
الرجل ضحك ضحكة خفيفة.
ـ أنا الراجل اللي أبوك قضى عمره كله بيستخبى منه.
وسابك لحد دلوقتي تكبر…
علشان تبقى جاهز.
رأفت قبض على السماعة.
ـ قول اسمك.
رد الرجل بكل هدوء:
ـ الناس بتناديني…
العقرب.
حكايات شروق خالد
رأفت قبض على سماعة التليفون لدرجة إن صوابعه ابيضّت.
قال بصوت حاد:
ـ إنت فين؟
الراجل ضحك ضحكة قصيرة.
ـ لو كنت عايز تعرف أنا فين… يبقى إنت لسه ما تعرفنيش.
ـ إنت اللي قتلت أبويا؟
ـ لا.
ـ يبقى فؤاد؟
ـ فؤاد مجرد بيدق بيتحرك على الرقعة… إنما اللي بيحركه غيره.
رأفت سكت.
الراجل كمل:
ـ افتح الصفحة الأخيرة في الملف.
رأفت قلب الورق بسرعة.
في آخر الملف كان فيه ظرف أبيض صغير، مقفول بالشمع الأحمر.
فتح الظرف.
طلع منه مفتاح نحاس قديم.
ومعاه ورقة مكتوب عليها:
“مخزن رقم 17 – الميناء القديم.”
العقرب قال من الناحية التانية:
ـ لو عايز تعرف مين قتل أبوك… ومين حاول يقتل حسن… ومين كان عايز داليا تشتغل في الفيلا… روح هناك.
داليا اتكلمت لأول مرة:
ـ إنت تعرفني؟
العقرب ضحك.
ـ أعرف عنك أكتر ما إنتِ تعرفي عن نفسك.
داليا اتوترت.
ـ تقصد إيه؟
ـ اسألي أمك… لو كانت لسه عايشة.
الخط اتقفل.
…
الهدوء سيطر على المكتب.
رأفت بص لداليا.
ـ أمك قالتلك أي حاجة قبل ما تموت؟
داليا هزت راسها بالنفي.
ـ آخر حاجة قالتها لي كانت… “لو الدنيا ضاقت بيكي… روحي بيت الديب.”
عم سيد رفع رأسه فجأة.
ـ يا نهار أبيض…
رأفت بصله.
ـ مالك؟
ـ دي نفس الجملة…
اللي الحاج كامل قالها لحسن قبل ما يختفي.
رأفت عقد حواجبه.
ـ يعني إيه؟
عم سيد بلع ريقه.
ـ يعني أبوك كان مستني اليوم ده من سنين.
…
بعد ساعة.
أربع عربيات سوداء خرجت من الفيلا في اتجاه الميناء القديم.
الجو كان ضلمة، والهوا جاي من البحر ببرودة غريبة.
وقفوا قدام مخزن قديم، متآكل، مكتوب عليه بالصدأ:
17
رأفت نزل من العربية.
بص للمفتاح اللي في إيده.
ودخله في القفل.
القفل اتفتح من أول محاولة.
الباب الحديد أصدر صريرًا عاليًا وهو بيتفتح ببطء.
ريحة التراب والرطوبة خرجت من جوه.
الحراس دخلوا الأول.
وفجأة واحد منهم صرخ:
ـ يا باشا… لازم تشوف ده.
رأفت جري ناحيته.
وفي منتصف المخزن…
كانت فيه عربية قديمة مغطاة بمشمع.
شالوا الغطا.
داليا حطت إيدها على بقها.
العربية كانت محطمة من الأمام.
ورقمها…
هو نفس رقم العربية اللي قالوا إن والد رأفت مات فيها.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في المقعد الخلفي.
كان فيه صندوق خشبي صغير.
رأفت فتحه.
ولقى جواه ساعة يد قديمة، ومحفظة جلد، وشريط كاسيت مكتوب عليه بخط اليد:
“الحقيقة… لو مت، شغّل الشريط.”
داليا همست:
ـ ده خط أبوك؟
رأفت هز رأسه.
ـ أيوه…
قبل ما يقدر يفتح جهاز التشغيل، دوّى صوت إطلاق نار من خارج المخزن.
طاخ… طاخ… طاخ!
الحراس احتموا بسرعة خلف الأعمدة.
واحد منهم صرخ:
ـ كمين! إحنا محاصرين!
رأفت سحب داليا ووراها صندوق حديدي.
وبص من فتحة الباب.
كان فيه أكتر من عشر عربيات واقفة.
ورجالة مسلحين بينزلوا منها.
وفي وسطهم…
نزل فؤاد السيوفي، وهو بيبتسم بثقة.
رفع صوته وقال:
ـ سلّموا الشريط يا رأفت… وإلا أول رصاصة هتكون في رأس داليا!
حكايات شروق خالد
رأفت شد داليا ورا عمود خرساني، ومد إيده بهدوء ناحية الحارس اللي جنبه.
الحارس فهم من غير كلام، واداله مسدسه.
داليا مسكت دراع رأفت بسرعة.
ـ لأ… متخرجش. دول كتير.
رأفت بص لها بعينين ثابتتين.
ـ لو سلّمت الشريط… يبقى أبويا مات على الفاضي.
برا المخزن، صوت فؤاد رجّ المكان.
ـ عندك عشر ثواني يا رأفت!
ـ عشرة…
ـ تسعة…
الحراس بصوا لرأفت مستنيين أوامره.
لكن رأفت كان مركز على الشريط اللي في إيده.
بص لعم سيد.
ـ فيه جهاز كاسيت هنا؟
عم سيد افتكر فجأة.
ـ أيوه… في أوضة الحارس القديمة آخر المخزن.
رأفت ناول الشريط لداليا.
ـ خديه.
اتصدمت.
ـ أنا؟
ـ لو حصل لي حاجة… متخليش الشريط يقع في إيد أي حد.
ـ وأنا مش هسيبك.
ابتسم لأول مرة من بداية الليلة.
ـ عنيدة…
ردت وهي دموعها نازلة:
ـ اتعلمت العند من الدنيا.
فجأة…
دوشششش!
رصاصة اخترقت باب المخزن.
بعدها وابل من الرصاص.
الإزاز اتكسر.
والحراس بدأوا يردوا بالنار.
المكان اتحول لساحة حرب.
فؤاد صرخ من بره:
ـ اقتحموا المخزن!
خمسة رجال اندفعوا للداخل.
أول واحد رفع سلاحه ناحية رأفت.
لكن قبل ما يضرب…
طاخ!
رأفت سبقه.
الراجل وقع على الأرض.
التاني جري ناحية داليا.
صرخت.
وقبل ما يوصلها…
عم سيد ضربه بقضيب حديد على راسه.
وقع فاقد الوعي.
رأفت بص لعم سيد باستغراب.
ـ لسه تعرف تضرب؟
عم سيد مسح الدم من على جبينه.
ـ يمكن كبرت…
بس لسه عندي حساب قديم مع فؤاد.
في اللحظة دي…
داليا وصلت لأوضة الحارس.
كانت صغيرة ومليانة تراب.
على رف مكسور لقت جهاز كاسيت قديم.
إيديها كانت بتترعش وهي حطت الشريط.
ضغطت زر التشغيل.
طلع صوت تشويش…
وبعدين صوت رجل.
هادئ…
وقوي.
“أنا كامل الديب… ولو التسجيل ده شغال، يبقى أنا غالبًا بقيت ميت.”
داليا شهقت.
كان صوت والد رأفت.
بره، الرصاص لسه شغال.
لكنها فضلت تسمع.
“اللي قتلني مش فؤاد… فؤاد كان مجرد منفذ.”
رأفت أول ما سمع الجملة، جري ناحية الجهاز.
وقف يسمع وهو نفسه محبوس.
الصوت كمل:
“الشخص الحقيقي… موجود وسط أقرب الناس ليك.”
رأفت بص تلقائيًا ناحية عم سيد.
عم سيد اتجمد.
لكن التسجيل كمل بسرعة.
“ولو عم سيد بيسمع التسجيل ده… يبقى أنا سامحته. لأنه خانني تحت التهديد… لكنه رجع وأنقذ ابني.”
عم سيد وقع على ركبته وهو بيبكي.
ـ سامحني يا كامل…
الصوت في التسجيل سكت لحظة.
ثم قال جملة خلت الدم يتجمد في عروق الجميع:
“أما الشخص اللي لازم تحذر منه… فهو اللي هيظهر بعد موت حسن مباشرة… لأنه الوحيد اللي يعرف مكان الشريط.”
رأفت عقد حواجبه.
ـ بس فؤاد ظهر فعلًا…
داليا همست:
ـ يعني هو…
قبل ما تكمل…
سمعوا صوت تصفيق جاي من آخر المخزن.
ببطء…
خرج رجل من بين الضلمة.
لابس بدلة رمادي.
وشه هادي.
وبيبتسم.
الغريب…
إن كل الحراس نزلوا سلاحهم أول ما شافوه.
حتى فؤاد، اللي كان واقف عند الباب، انحنى برأسه باحترام وقال:
ـ أهلاً يا باشا… لقد وصلنا قبلهم.
الرجل رفع عينه ناحية رأفت.
وقال بابتسامة غامضة:
ـ أخيرًا اتقابلنا…
يا ابن أخويا.
حكايات شروق خالد
