الطفلة والظابط حكايات منال عباس الاول

وصل بلاغ للمقدم محمود قبل الفجر بدقايق وهو لسه في مكتبه بيقفل آخر قض*ية اشتغل عليها الضابط المناوب دخل عليه بسرعة وقال له يا فندم في بلاغ غريب من فيلا في حي راقي الجيران بيقولوا إن أصحاب البيت محدش شافهم من امبارح وكل الأنوار منورة والباب محدش بيرد عليه

محمود قام من مكانه من غير ما يسأل كتير لبس الجاكيت وخد ملفه ونزل ركب عربيته وهو حاسس إن البلاغ ده مختلف عن أي حاجة قابلته قبل كده

أول ما وصل كان الشارع كله واقف على رجليه عربيات الشرطة والإسعاف مالية المكان والجيران واقفين بعيد بيبصوا على الفيلا بخوف وفضول لكن الغريب إن مكنش في أي صوت لا صريخ ولا خناق ولا حتى صوت كلب بينبح

نزل محمود من العربية وبص للفيلا كانت شيك جدًا وجنينة البيت متزرعة ورد والباب الخارجي مقفول كأن أصحابه خرجوا وهييجوا بعد ساعة لكن إحساسه كان بيقول له إن اللي جوه مش طبيعي

دخل البيت بهدوء وهو بيبص حواليه بعين متعودة تلاحظ أصغر تفصيلة

السفرة عليها أكل متساب

كوباية شاي لسه فيها نصها

التليفزيون مفتوح على قناة إخبارية

والمكيف شغال

لكن المكان كله كان ساكت بشكل يخوف

خد كام خطوة لجوه وفجأة وقف مكانه

قدامه كان أحمد صاحب البيت مرمي على الأرض وعينيه مفتوحة كأنه مات وهو مصدوم

بص الناحية التانية لقى سارة مرمية جنب الكنبة

أما يوسف الطفل الصغير فكان على أول السلم

محمود غمض عينيه لحظة وحاول يتمالك نفسه وقال للعساكر محدش يقرب من أي حاجة لحد ما المعمل الجنائي يخلص شغله

بدأ يلف في البيت أوضة أوضة

كل حاجة مكانها طبيعي

لا في باب مكسور

ولا شباك مفتوح

ولا آثار سرقة

كأن اللي دخل البيت كان معروف لأصحابه

وقف قدام صورة كبيرة للعيلة كلها كانت متعلقة على الحيطة

أحمد واقف مبتسم

سارة حضنة بنتها

يوسف واقف قدامهم

والبنت الصغيرة واقفة بينهم وهي بتضحك

محمود قرب من الصورة وقال لنفسه

فين البنت

لف بسرعة وسأل الضابط اللي معاه

عدد أفراد الأسرة كام

رد الضابط

أربعة يا فندم

الأب والأم والولد والبنت الصغيرة اسمها ملك

محمود اتجمد مكانه وقال

يعني البنت فين

بدأت الشرطة تدور في كل مكان

فتشوا أوض النوم

الحمامات

المطبخ

السطح

الجنينة

حتى الخزائن الكبيرة

لكن مفيش أي أثر للبنت

أحد الضباط قال يمكن الخاطف خدها معاه

لكن محمود هز راسه وقال

لا

حاسس إنها لسه هنا

وقف فجأة وهو مركز سمعه

كان في صوت خافت جدًا

صوت نفس متقطع

كأنه حد بيحاول يكتم نفسه

رفع إيده وقال بصوت واطي

اسكتوا كلكم

الكل سكت

بدأ يمشي ناحية أوضة الأطفال

كل خطوة كان الصوت يقرب

فتح الباب براحة

الأوضة كانت مليانة لعب ودباديب ورسومات أطفال وألوان متناثرة على المكتب

لكن مفيش حد

فضل واقف يسمع تاني

لحد ما ركع على ركبته وبص تحت السرير

وساعتها شافها

طفلة صغيرة مكورة نفسها

حضنة رجليها بإيديها

وشعرها مغطي وشها

وعينيها ثابتة على نقطة قدامها من غير ما ترمش

كان الرعب مرسوم في ملامحها بشكل يخلي أي حد يشوفها يعرف إنها شافت حاجة مستحيل طفل في سنها يستحملها

محمود مد إيده ناحيتها وقال بهدوء

متخافيش يا حبيبتي

أنا ظابط

إحنا جينا عشان نحميكي

ملك ماردتش

ولا حتى بصت له

فضلت مكانها كأنها تمثال

قرب أكتر وشالها براحة

كانت بترتعش جسمها كله تلج

ولما خرج بيها بره الأوضة كل الموجودين سكتوا

المسعفة جريت عليها بسرعة لكن ملك كانت باصة قدامها من غير أي رد فعل

ركبت الإسعاف وهي ساكتة

وفي المستشفى حاول الدكتور يكلمها

قال لها اسمك إيه

مفيش رد

قال لها جعانة

مفيش رد

حتى لما جابولها لعبة صغيرة كانت مجرد باصة فيها من غير ما تتحرك

عدى يوم

واتنين

وأسبوع

وملك ولا نطقت بحرف

الدكاترة قالوا إن الصدمة اللي عاشتها كبيرة جدًا لدرجة إنها حبست الكلام جواها

أما محمود فكان كل يوم بعد الشغل يروح يزورها

يقعد جنبها بالساعات

يحط قدامها كراسة رسم أو ألوان أو شوكولاتة ويمشي

من غير ما يضغط عليها

كان حاسس إنها لو لقت الأمان يمكن في يوم تتكلم

وفي نفس الوقت التحقيق كان ماشي ليل ونهار

استجوبوا كل الجيران

وسألوا كل الأقارب

وراجعوا كاميرات المنطقة

لكن مفيش أي خيط يوصل للقاتل

كل الأدلة كانت بتختفي قبل ما توصل لآخرها

كأن اللي ارتكب الجريمة كان عارف هيعمل إيه من أول لحظة

عدت شهور طويلة

والقض-ية بدأت تبرد

والملف اتحط على الرف بعد ما اتقيد ضد مجهول

لكن محمود عمره ما قدر ينساها

كل ليلة كان يفتح صورة ملك وهي خارجة من تحت السرير ويقول لنفسه

أكيد هي شافت القاتل

أكيد الحقيقة كلها مستخبية جوا عينيها

ولما عرف بعدها بأيام إن ملك هتتنقل لدار أيتام لأنها بقت من غير أي أهل فضل ساكت وقت طويل وهو باصص في الورق قدامه وبعدها أخد نفس عميق وقال القرار اللي هيغير حياته كلها

أنا هتبناها مهما حصل.. حكايات منال عباس
قرار محمود نزل على كل اللي حواليه كالصاعقة

مدير دار الأيتام بص له باستغراب وقال

إنت فاهم بتقول إيه دي طفلة خارجة من صدمة كبيرة ومحدش عارف هترجع تتكلم ولا لأ وتربيتها مش هتكون سهلة

محمود رد من غير ما يتردد

أنا مش بدور على السهل أنا بدور على اللي ضميري مرتاح له

فضلت إجراءات التبني شهور طويلة وكل يوم كان محمود يخلص شغله ويروح يزور ملك

في الأول كانت مجرد قاعدة على كرسي صغير في جنينة الدار وعينيها ثابتة على الأرض

لما كان يقعد جنبها كانت متبصش له

ولما كان يجيب لها لعبة جديدة كانت تمسكها وتحطها جنبها من غير أي تعبير

لكن محمود عمره ما زهق

كل مرة كان يروح لها يحكيلها عن يومه

يقول لها النهاردة قبضنا على حرامي

النهاردة أنقذنا طفل تايه

النهاردة الدنيا مطرت وأنا افتكرت إنك بتحبي تبصي من الشباك

كانت ساكتة

لكن كان حاسس إنها بتسمعه

وفي يوم وهو ماشي من الدار نادت عليه المشرفة

قالت له

استنى يا باشا

لف لها بسرعة وهو قلبه دق

قالت

ملك عملت حاجة غريبة النهاردة

قال لها بلهفة

إيه

ردت

أول مرة من ساعة ما جت هنا تمسك قلم وترسم

محمود دخل بسرعة

لقى الرسمة قدامها

بيت صغير

وشمس كبيرة

وبنت ماسكة إيد راجل طويل

ابتسم لأول مرة من قلبه

وقال في نفسه

يمكن لسه في أمل

بعد كام أسبوع خلصت كل الإجراءات

وراحت ملك مع محمود بيته

أول ما دخلت البيت فضلت واقفة عند الباب

كانت باصة حواليها بخوف

كأنها مستنية يحصل لها حاجة وحشة في أي لحظة

محمود نزل لمستواها وقال بابتسامة

البيت ده بيتك

والأوضة دي أوضتك

ولو احتجتي أي حاجة هتلاقيني موجود

ملك مردتش

لكن دخلت الأوضة بهدوء

كانت الأوضة مجهزة من قبلها بأيام

سرير صغير

ودولاب أبيض

ومكتب رسم

ولعب كتير

حتى لون الحيطة اختاره محمود بنفسه لأنه عرف من المشرفة إنها كانت بتحب اللون السماوي

ملك فضلت تبص لكل حاجة من غير ما تلمسها

وبعدين راحت ناحية الشباك وقعدت تبص منه

ومن اليوم ده بدأت حياة جديدة

كل صباح محمود كان يصحيها ويحضر لها الفطار

يحط لها سندوتشاتها في الشنطة

ويوصلها المدرسة

ولما يرجع من شغله يلاقيها قاعدة ترسم

كانت بتحب الرسم بشكل غريب

ترسم ناس

وشجر

وبيوت

وسما

لكن عمرها ما رسمت نفسها

ولا رسمت عيلتها

ولا كتبت كلمة واحدة عن اللي حصل

المدرسين كانوا بيحاولوا يكلموها

لكنها كانت ترد بابتسامة خفيفة أو بهزة بسيطة من راسها

العيال في الفصل في الأول كانوا مستغربينها

في منهم كان بيسألها ليه مبتتكلميش

وفي منهم كان يضحك عليها

لكنها ولا مرة زعلت

كانت تسيبهم وتمشي

وفي يوم ولد من الفصل خد كراسة الرسم بتاعتها وبدأ يضحك عليها قدام كل الفصل

فتحها لقى كلها رسومات غريبة

أشجار من غير ورق

وشبابيك مقفولة

وبنوتة صغيرة واقفة لوحدها

قبل ما يكمل ضحك دخل محمود المدرسة لأنه كان جاي ياخدها بدري

ولما عرف اللي حصل نزل على ركبته قدام الولد وقال له بهدوء

الرسومات دي مش للضحك

دي حكايات محدش يعرفها غير صاحبتها

الولد اتكسف واعتذر

أما ملك فبصت لمحمود لأول مرة بنظرة مختلفة

كانت نظرة امتنان واضحة

ومن اليوم ده بدأت تمشي وراه كل ما يخرج

ولما يرجع من الشغل كانت تستقبله عند الباب

وتاخد منه الشنطة وتحطها على الترابيزة

من غير كلمة

لكن الأفعال كانت بتقول كل حاجة

عدت سنة ورا سنة

ومحمود عمره ما حاول يجبرها تنطق

كان دايمًا يقول للدكتور النفسي

أنا مش مستعجل

لما تحس بالأمان هتتكلم بنفسها

الدكتور كان معجب بصبره وقال له

إنت بالنسبالها مش مجرد أب

إنت الحبل الوحيد اللي رابطها بالحياة

مرت عشر سنين كاملة

ملك بقت شابة جميلة هادية ملامحها كلها رقة لكن جوا عينيها كان لسه مستخبي نفس الخوف القديم

أما محمود فكان شعره بدأ يشيب لكنه كل يوم كان يحمد ربنا إنه أخد القرار ده

القض*ية القديمة كانت اتحطت في أرشيف القسم

والناس كلها نسيتها

إلا محمود

كان كل فترة يفتح الملف ويقلب في الصور ويقفل الملف وهو حاسس إن الحقيقة لسه ناقصة

وكان دايمًا يبص لملك ويقول في نفسه

أكيد اليوم اللي هنعرف فيه كل حاجة هييجي مهما طال الزمن حكايات منال عباس
الدنيا كانت داخلة على الشتا والمطر بقى ينزل كل يوم تقريبًا ومحمود بقى متعود إن أول ما يخلص شغله يرجع البيت يلاقي ملك مجهزة له كوباية الشاي وسايباهاله على الترابيزة من غير ما تقول كلمة

كانت عشر سنين عدوا كأنهم لمح البصر

ملك بقت عندها ستاشر سنة

طويلة وشعرها الأسود بيوصل لحد ضهرها وملامحها هادية بشكل يخلي أي حد يشوفها يفتكر إنها عايشة حياة طبيعية

لكن اللي يعرفها كويس كان هيلاحظ إن الضحكة نادرة

والكلام معدوم

والليل بالنسبة لها كان أصعب وقت

كانت ساعات تصحى مفزوعة من النوم وتفتح نور الأوضة كله وتقعد في السرير لحد الصبح

ومحمود كان كل مرة يصحى يلاقي نور أوضتها منور

فيقوم من غير ما يسأل

يعمل لها كوباية لبن دافي

ويقعد قدامها يقرأ الجرنال أو كتاب

ولا ينطق بكلمة

مجرد وجوده كان بيهديها

وفي يوم الدكتور النفسي قال لمحمود

أنا متأكد إنها فاكرة كل حاجة

هي مش ناسية

هي بس حابسة الذكرى جواها

محمود سأله

وهتتكلم إمتى

الدكتور ابتسم وقال

لما عقلها يحس إنها مستعدة

يمكن بكرة

يمكن بعد سنة

يمكن بعد عشر سنين كمان

لكن أوعى تضغط عليها

وفي يوم رجع محمود من الشغل وهو مرهق جدًا

كانت قض*ية كبيرة واخدة كل تركيزه

فتح باب البيت وهو بينادي

يا ملك

محدش رد

ابتسم وقال أكيد في أوضتها

دخل المطبخ يجيب لنفسه مية

لكن وقف فجأة

ملك كانت قاعدة على ترابيزة السفرة

قدامها كراسة كبيرة

ومجموعة ألوان

وكانت بترسم

محمود اتفاجئ

من سنين وهي مرسمتش بالشكل ده

قرب خطوة

لكن وقف مكانه

قال في نفسه

لأ

هسيبها براحتها

دخل أوضته وغير هدومه

ولما خرج بعد حوالي ساعة كانت لسه قاعدة في نفس مكانها

بترسم بكل تركيز

وشعرها نازل على وشها

وإيديها بتتحرك بسرعة غريبة

محمود فضل واقف من بعيد يتفرج عليها

أول مرة يشوفها مندمجة بالشكل ده

كان حاسس إن جواها حاجة بتحاول تخرج

عدى نص ساعة كمان

وبعدين ملك حطت القلم

قفلت علبة الألوان

وشالت الورقة

وقامت تمشي ناحيته

وقفت قدامه ومدت إيدها بالرسمة

محمود خدها وهو مبتسم

افتكر إنها رسمة عادية زي كل مرة

بص عليها بسرعة

بيت صغير

وشجرة كبيرة

وشباك مفتوح

ابتسم وقال في نفسه

جميلة

لكن وهو بيكمل النظر حس قلبه وقف

في آخر الرسمة كان في وش راجل

الملامح مرسومة بدقة غريبة

العينين

الشنب

طريقة الشعر

حتى العلامة الصغيرة اللي جنب ودنه

كل حاجة كانت واضحة

محمود حس بقشعريرة جريت في جسمه

فضل يبص للرسمة مرة واتنين وتلاتة

وكان حاسس إنه شاف الوش ده قبل كده

قعد على الكرسي وهو بيحاول يفتكر

فين

فين شفته

قام بسرعة ناحية مكتبته

طلع صندوق قديم مليان ملفات

بدأ يقلب فيه بعصبية

صور

محاضر

أقوال شهود

كل حاجة خاصة بالق-ضية القديمة

لحد ما وقع في إيده ألبوم صور كان متصور وقت المعاينة

فتح أول صورة

تاني صورة

تالت صورة

وفجأة وقف

كانت صورة للعيلة كلها واقفة في الجنينة

وفي الخلفية واقف الراجل اللي ساكن في الفيلا اللي جنبهم

محمود فتح عينيه بصدمة

بص للصورة

وبص للرسمة

رجع للصورة تاني

كان نفس الشخص

بنفس الملامح

حتى الابتسامة الباردة هي هي

الجار

شريف

الراجل اللي اتحقق معاه من عشر سنين

واللي قدم وقتها حجة غياب خلت الكل يستبعده

محمود حس إن نفسه بقى تقيل

رفع عينه ناحية ملك

لقاها واقفة مكانها

باصاله بثبات

من غير خوف

ومن غير تردد

كأنها مستنية اللحظة دي من سنين طويلة

فضل يبصلها وهو مش قادر يستوعب

وقال بصوت مهزوز

إنتي فاكرة الراجل ده

ملك منزلتش عينيها

فضلت باصة على الرسمة

وبعدين لأول مرة من عشر سنين

شفايفها اتحركت ببطء

ومحمود حس قلبه هيخرج من مكانه

قرب منها خطوة وهو مش مصدق اللي شايفه

كانت بتحاول تنطق

وكان الصوت بيطلع بصعوبة شديدة كأنه محبوس جواها من عمر كامل…يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *