عشق على صفيح ساخن نورهان العشرى الثالث

عشق على صفيح ساخن بقلم نورهان العشري ج٣

حرقتني الدموع في عينيّ بشكل غير متوقع وقلت: “لا مكنتش عارفة غير بعد ما هربت”.

— “وليه مقولتليش؟”.

— “عشان مكنتش عارفة مين اللي خانك”.

بدا الصمت الذي تلى ذلك لا يُطاق، ثم طرح “جاسر” السؤال الذي لم يكن أي منا يرغب في سماعه علناً:

— ” الطفل دا طفلي؟”.حكايات نورهان العشري

فجأة بدا المتجر هادئاً بشكل مستحيل، وحتى ميخائيل بدا عليه عدم الارتياح الآن. ابتلعتُ ريقي بصعوبة وقلت:

— “الدكاترة موصلوش لأي نتيجة”.

حدق “جاسر” بي وكأن الأرض قد اختفت من تحت قدميه وقال بصوت صار أكثر برودة:

— “بس يقدروا يعملوا دا قبل الولادة، دلوقتي؟”.

— “أيوا”.

— “أنتِ عملتي دا؟”.

ترددتُ… وهذا التردد غير كل شيء. تراجع “جاسر” إلى الخلف ببطء، وكسر الألم أخيراً الدرع الذي كان يرتديه بعناية وقال:

— “أنتِ مش عارفة؟”.

— “أنا كنتُ خايفة”.

— “خايفة من أيه؟”.

— “من الإجابة”.

حطمت الكلمات شيئاً ما بيننا. تنهد ميخائيل بهدوء وقال: “في لسه حاجات متعرفهاش”.

بدا “جاسر” متعطشاً للدماء الآن وقال: “لو كملت كلامك، ممكن أقت*لك في المكان دا”.

لكن ميخائيل تجاهله وتابع: “السجلات الطبية المعدلة جت من شركة مرتبطة بمجموعة شركات (سنكلير)”.

*راما…* صدمتنا الحقيقة نحن الثلاثة في نفس اللحظة. أصبح وجه “جاسر” خالياً تماماً من أي تعبير، وهو أمر كان أسوأ بكثير من الغضب.

همستُ: ” كانت عارفة”.

أومأ ميخائيل برأسه: “تقريبا قبل ما تعرفوا انتوا”.

وفجأة أُعيد عرض ابتسامة “راما” السابقة في مخيلتي: *(الأطفال اللي بيتولدوا في عائلات قوية نادر اوي لو نجوا من الحروب السياسية من غير أي أذى) يا إلهي… لم تكن مصادفة، بل كانت استراتيجية خطة مخيفة.

أخرج “جاسر” هاتفه على الفور وأمر ببرود:

— ” اقفلوا وحاصروا كل مكان يخص عيلة سنكلير… حالا”.حكايات نورهان العشري

تحرك الحراس في الحال، بينما راقبه ميخائيل بعناية وقال:

— “لازم تعرف أن المحققين الفيدراليين يراقبوا الحسابات المالية لعيلة سنكلير”.

فضيق جاسر عينيه وسأل: “أنت بتحذرني؟”.

— “أنا بحذرها هي”، ونظر ميخائيل إليّ وتابع: “في اللحظة التي الطفل دا هيتم الاعلان عن وجوده علناً، كل اعدائك هيتحركوا ضدك”.

استقر الخوف بثقل داخل صدري، لأنه كان على حق؛ فوجود وريث لعائلة “الزيني” يعني القوة، الخلافة، ونقطة ضعف وأداة ضغط في نفس الوقت. وإذا كانت هناك شكوك حول الأبوة… فإن الوضع قد يشعل حرباً كفيلة بتدمير إمبراطوريات إجرامية بأكملها.

وفجأة، التوى ألم حاد وعنيف أسفل بطني، فشهقتُ بقوة. واستجاب “جاسر” على الفور: “سارة؟”.

تلا ذلك ألم آخر أشد قوة، فقبضتُ بيدي على المهد الذي بجانبي وصحت: “اااه.!”.

كان جاسر بجانبي في لمح البصر وسأل:

ـ مالك في ايه؟

— “أنا”

وفجأة سرى شعور بالدفء يتدفق على طول ساقيّ، وأظلمت الأرضية تحتي؛ لقد تمزق كيس الماء (مخاض الولادة).

تغيرت وجوه الجميع في المتجر فوراً، وانفجر الذعر؛ صرخ الموظفون، وتحرك الحراس، واندلع الزبائن نحو المخارج. لكن “جاسر” ظل مركزاً تماماً؛ أمسكت يداه بوجهي بلطف وقال:

— “بصيلي”.

حاولتُ التنفس بينما داهمت انقباضة أخرى جسدي… إنه وقت مبكر جداً، مبكر للغاية. غمرني الرعب فقلت: “ابني”

قاطعني بثقة قطعت حبل الذعر:

“هيكون كويس و بخير”.

حتى الآن، وحتى بعد كل شيء، كان لا يزال يؤمن أن الطفل طفله.

رفعني “جاسر” بين ذراعيه دون عناء وصاح برجاله: “جهزوا العربية!”.حكايات نورهان العشري

تحول المتجر إلى حركة صاخبة. تنحى ميخائيل جانباً بينما كان جاسر يحملني نحو الأبواب، ولكن قبل أن نصل إلى المخرج، نطق ميخائيل بجملة أخيرة، كانت هادئة وقاتلة:

— “اسأل راما جابت منين البويضة الملقحة (الجنين)”.

توقف جاسر مكانه، وتحول دمي إلى جليد… *جنين؟! لا، لا… هذا غير ممكن*. لكن تعابير ميخائيل لم تكن تحمل أي شك. التفت “جاسر” نحوه ببطء وسأل:

— “أنت قولت ايه؟”.

استقرت عينا ميخائيل الباهتتان على بطني وقال:

— ” الحمل متمش بشكل طبيعي”.

تحطم العالم من حولي، ثم مزقت انقباضة أخرى جسدي بعنف شديد لدرجة أني صرخت. شتم “جاسر” تحت أنفاسه وحملني إلى الخارج.

كان الثلج قد بدأ يتساقط على مانهاتن، واصطفت السيارات السوداء عند الرصيف بينما كان الرجال المسلحون يمسحون أسطح المباني والتقاطعات، ودوى صدى صفارات الإنذار من بعيد. فجأة بدا وسط المدينة وكأنه ساحة معركة.

انزلق “جاسر” إلى المقعد الخلفي بجانبي بينما انطلق الموكب مسرعاً وسط حركة المرور. أمسك بيدي بقوة، لكن عينيه… كانت عيناه تبدوان مسكونتين بالرعب. لم يتحدث أي منا لعدة دقائق طويلة؛ فالحقيقة المعلقة بيننا كانت شديدة البشاعة، ومستحيلة التصديق.حكايات نورهان العشري

وأخيراً سألني بهدوء: “أنتِ كنتِ عارفة؟”.

هززتُ رأسي بضعف والدموع تنزيل على وجهي وقِلت: “أقسملك يا جاسر… مكنتش اعرف”.

داهمتني انقباضة أخرى فبكيتُ بخفوت، فجذبني جاسر إليه فوراً، وعانقني بقوة و شفتيه تقبلان جبهتي وللحظة وجيزة، اختفى الخوف من تعابير وجهه ولم يتبقَ سوى القلق عليّ… عليّ أنا فقط.

ثم رن هاتفه، فأجاب على الفور. لم يدم الصمت من جانبه سوى ثوانٍ قبل أن يتصلب جسده بالكامل وسأل بحدة:

— “يعني ايه اختفت؟”.

هبطت معدتي خوفاً… *راما*. استمع جاسر بصمت، ثم قال بنبرة هادئة ومخيفة للغاية:

— “لازم تلاقوها… قبل ما يلاقيها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)”.

أنهى المكالمة ببطء، فحدقتُ به وسألت: “حصل أي؟

نظر جاسر عبر النافذة إلى المدينة المغطاة بالثلوج، ثم التفت إليّ أخيراً وقال:

— “راما اختفت من حوالي عشرين دقيقة”.

تغلغل الخوف في صدري وقلت: “هي خططت لكل دا”.

— “فعلا”.

مزقتني انقباضة أخرى، فشدد جاسر قبضته على يدي، لكن كلماته التالية حطمت آخر وهم بالأمان تماماً؛ إذ خفض عينيه نحو بطني وقال:

— “ولو كان فولكوف قال الحقيقة… يبقى في حد عايز الطفل دا لسبب معين”.

أسرع الموكب عبر مانهاتن بينما كان الجليد يبتلع الشوارع خلفنا. وفي مكان ما في هذه المدينة، كانت “راما سنكلير” تهرب… ليس من “جاسر”، ولا من مكتب التحقيقات الفيدرالي، بل من شيء أكثر خطورة بكثير: من الأشخاص الذين يريدون هذا الطفل حياً، بغض النظر عن هوية والده الحقيقي.حكايات نورهان العشري

انطلق موكب السيارات المصفحة يشق شوارع مانهاتن كالسهم الأسود، بينما كان الثلج يتساقط بكثافة، مغطياً معالم نيويورك برداء أبيض بارد لا يرحم. داخل المقعد الخلفي للسيارة، كان الهواء مشحوناً برائحة الجلد الفاخر والتوتر القاتل.

قبضتُ على يد “جاسر” بكل ما أوتيتُ من قوة، والدموع تحرق وجنتيّ مع كل انقباضة تفتك ببطني. الألم لم يكن جسدياً فحسب؛ بل كان عقلي يتداعى تحت وطأة الكلمات الأخيرة التي ألقاها “ميخائيل فولكوف”.

جنين ملقح؟ بويضة مستعارة؟ مؤامرة طبية؟ حكايات نورهان العشري

كل شيء عشته في الأشهر الماضية تحول فجأة إلى كذبة كبرى. كنتُ أظن أنني أهرب لحماية ثمرة حبنا، فإذا بي أكتشف أن جسدي استُخدم كوعاء في لعبة قذرة حُكت خيوطها في الخفاء.

نظر “جاسر” إليّ، وعيناه الرماديتان اللتان طالما أرهبتا رجال العاصمة، كانتا تلمعان الآن بمزيج مرعب من القلق والوعيد. ضغط على يدي وقال بصوت منخفض، أجش، يحاول حثيثاً إبقاء نبرته هادئة:

— “اتنفسي يا ألماسة… بصيلي أنا. متفكريش في أي حاجة تانية دلوقتي. إحنا ثواني ونكون في المستشفى الخاص بالمنظمة. مفيش مخلوق هيقدر يقرب منك هناك”.

صرختُ مع موجة ألم أخرى كادت تفقدني وعيي:

— “جاسر… لو اللي قاله ميخائيل صح… لو الطفل دا مش…”

قاطعني فجأة وعيناه تتسع بحدة وعاطفة جارفة لم أرها فيه منذ سنوات:

— “مش فارق! أنتِ شيلتيه تسع شهور، وتعبتي، وهربتي بسببه. لو العالم كله وقف قدامي وقال إنه مش ابني، طالما طلع من رحمك أنتِ… يبقى ابني ووريث الزيني، ومفيش قوة على الأرض هتاخده مننا”.

رغم شدة الوجع، تسللت كلماته إلى صدري كبلسم دافئ. كان هذا هو “جاسر” الذي أحببته؛ الرجل الذي يتحدى قوانين الطبيعة والمنطق ليحمي ما يراه ملكاً له.حكايات نورهان العشري

انزلقت السيارات أمام الباب الخلفي للمستشفى الطبي الفاخر التابع لإمبراطورية “الزيني”. في ثوانٍ، كان “جاسر” يحملني بين ذراعيه ويهرول بي داخل الممرات المعقمة، يحيط به طاقم طبي كامل تم استدعاؤه في حالة طوارئ قصوى.

وضعوني على السرير المتحرك، وبدأت الممرضات في تجهيزي فوراً. هبط طبيب العائلة العجوز، الدكتور “رأفت”، وهو يرتدي قفازاته الطبية بسرعة والتوتر يكسو ملامحه. نظر إلى “جاسر” وقال:

— “جاسر بيه، الولادة مبكرة جداً، في نص الشهر الثامن. كيس المية انفجر تماماً ولازم ندخل عمليات فوراً قيصري لسلامة الأم والجنين”.

أمسك جاسر بياقة معطف الدكتور رأفت ببرود مخيف وهمس:

— “تخرج هي والبيبي كويسين يا رأفت… وإلا قصرك اللي في الريف هيكون مقبرة لعيلتك كلها. فاهم؟”

أومأ الطبيب برعب: “فاهم… فاهم يا بيه”.

قبل أن يدفعوا بي إلى غرفة العمليات، انحنى جاسر فوقي، وقبل جبيني بقبلة طويلة تملؤها الخشية:

— “أنا هكون واقف ورا الباب ده مباشرة. مش هتحرك خطوة واحدة”.

نظرتُ إليه والدموع تغشي بصري، وهمست:

— “جاسر… راما… اعرف هي عملت كدا ليه”.

أومأ برأسه ببطء، وتغيرت نظرته إلى تلك الحدة القاتلة التي تجمد الدماء:

— “رجالتنا قالبين نيويورك عليها. هجيبها… ولو كانت تحت الأرض”.حكايات نورهان العشري

بينما كنتُ أصارع الآلام تحت تأثير التخدير الجزئي في غرفة العمليات، كان “جاسر” يقف في الرواق الخارجي كوحش كاسر جريح. لم يكن بمفرده؛ فقد انضم إليه ذرا

عه الأيمن “سليم” الذي دخل مسرعاً والأنفاس تتقطع في صدره.

— “يا زعيم، لحيقنا خط سير راما”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *