رجعت البيت علشان اخد ملف
رجعت البيت الضهر عشان آخد ملف مهم نسيته، لكن أول ما دخلت سمعت صوت أمي وهي بتزعق:
— والله لو وقعتي نقطة مية تاني… هفضل مركعاكي لحد ما تولدي!
جريت ناحية الصوت، وأنا مستغرب. كنت فاكر إن مراتي “مريم” نايمة وبتريح نفسها، لأنها في الشهر التامن، والدكتور كان مانع عنها أي مجهود.
لكن اللي شوفته خلاني أحس إن الدم اتجمد في عروقي.
مريم كانت راكعة على سيراميك الصالة، هدوم الحمل كلها مبلولة، وإيديها وارمين وهي بتحطهم في طشت مية دافية. قدامها أمي قاعدة على الانتريه بكل برود، بتاكل بسبوسة، وممدة رجليها… ومجبرة مراتي تغسلها.
وقالت لها وهي بتبصلها باحتقار:
— ادعكي كويس… ما إنتِ عايشة من خير ابني.
مريم حاولت تقوم، لكن جسمها خانها واترنحت.
في اللحظة دي… أمي زقتها برجليها، والخبطة جات في جنب بطنها.
مش فاكر حتى الشنطة وقعت من إيدي إزاي.
كل اللي فاكره إني سمعت صرخة مريم، وحسيت نار طالعة في صدري.
جريت بسرعة، وبعدت أمي عنها بعنف. وقعت في الطشت واتبلت، وبصتلي بصدمة.
في حياتي… عمري ما عليت صوتي على أمي.
لكن الست اللي كانت قدامي ساعتها… ماكنتش أمي اللي جبتها تعيش معانا بعد وفاة أبويا. كانت واحدة تانية خالص.
ركعت جنب مريم، لقيت شفايفها متعورة وجسمها كله بيترعش.
بصيت لها وقلت:
— من إمتى الكلام ده بيحصل؟
ابتسمت ابتسامة كلها وجع وقالت بصوت واطي:
— ماحبيتش أحطك بيني وبين والدتك… كنت فرحان إنها عايشة معانا.
الكلام نزل على قلبي زي السكينة.
مريم كانت معايا من قبل ما يبقى معايا جنيه.
كنا ساكنين في أوضة إيجار، بناكل فول وطعمية، وبنحلم إن يبقى لينا شركة.
باعت دهب أمها اللي سابهولها عشان نفتح أول محل صغير للمستلزمات الطبية.
اشتغلت محاسبة، ومندوبة، وحتى كانت بتنضف المكان بإيديها لما ماكناش قادرين نجيب عامل.
ولولا تعبها… ماكنتش شركتنا كبرت وبقت بالملايين.
وأنا… بغبائي، دخلت أمي تعيش معانا، واديتها كارت بنك بحول عليه كل شهر مية ألف جنيه للمصاريف.
طلعت أوضتها، لمّيت هدومها ومجوهراتها في شنطتين، ونزلتهم قدام باب الفيلا.
وقلت لها وأنا فاتح الباب:
— من النهارده… مالكيش مكان هنا.
وشها قلب ألوان.
وقالت وهي بتصرخ:
— البيت ده بيتي… والشركة دي قامت بسببي! واستنى لما أخوك كريم ييجي… هنوريك إزاي هنخليك تندم على اللي عملته!
بصيت لها من غير ولا كلمة…
وقفلت الباب في وشها.
بالليل، بعد ما طمنت على مريم والدكتور أكد إن الجنين بخير، دخلت المكتب أجيب شوية أوراق.
فتحت الخزنة…
واتصدمت.
الخزنة كانت فاضية.
اختفى منها خمس سبايك دهب…
ونص مليون جنيه كاش…
والأخطر…
كل العقود والأصول الأصلية الخاصة بالشركة.
وفي نفس اللحظة…
الموبايل رن.
كان أخويا كريم.
أول ما رديت، ضحك وقال:
— جهز نفسك يا باشا… بكرة هنتقابل عشان أستلم منصبي الجديد كمدير عام الشركة.
وقتها…
حسيت إن اللي جاي أخطر بكتير من مجرد سرقة.
بدأت ضحكة كريم ترن في ودني، لكنه قبل ما يقفل قال جملة خلتني أسكت تمامًا:
— افتح إيميل الشركة… هتفهم ليه أنا واثق أوي.
قفل الخط.
فتحت اللابتوب بسرعة، ولقيت رسالة جاية من الإيميل الرسمي للشركة، فيها طلب عاجل بعقد جمعية طارئة، ومرفق بيها نسخة من توكيل عام باسمي… بيدي كريم صلاحيات كاملة لإدارة الشركة.
بصيت في التوقيع…
كان توقيعي فعلًا.
لكن أنا… عمري ما مضيت الورقة دي.
في اللحظة دي افتكرت حاجة صغيرة كنت ناسيها.
من شهرين، أمي أصرت إني أمضي على شوية أوراق، وقالت إنها خاصة بتجديد ملف الضرايب والتأمينات، لأنها “بتحب تساعدني”. كنت مستعجل قبل سفرية، ومضيت من غير ما أراجع.
قلبي وقع.
اتصلت فورًا بالمحامي.
أول ما شاف النسخة، قال: — دي مش ورقة ضرايب… دي توكيل معمول باحتراف، ولو النسخة الأصلية معاهم يبقى يقدروا يعملوا مصيبة.
قاللي كلمة واحدة: — متتحركش بعصبية… وسيبهم يفتكروا إنهم كسبوا.
تاني يوم الصبح، كريم دخل الشركة بكل غرور، ولابس بدلة جديدة، وأمي ماشية وراه رافعة راسها.
كل الموظفين كانوا مستغربين.
دخل قاعة الاجتماعات، ورمى التوكيل قدام الجميع وقال:
— من النهارده… أنا المدير العام.
قبل ما أتكلم، دخل المحامي ومعاه اتنين من إدارة مكافحة التزوير.
وش كريم اصفر.
قال بثقة مصطنعة: — خير؟
لمحة نيوز
المحامي ابتسم وقال:
— هنبدأ بحاجة بسيطة… الأصل فين؟
كريم طلع الملف وهو مبتسم.
أول ما الخبير مسك الورقة، طلب ميكروسكوب رقمي صغير كان معاه.
دقيقة…
واتنين…
وبعدين قال:
— التوقيع صحيح… لكن الورقة نفسها اتغيرت بعد التوقيع.
القاعة كلها سكتت.
شرح إنهم استغلوا توقيع قديم، وفصلوا الصفحة الأصلية، وركبوا عليها نص جديد باستخدام تقنية احترافية، لكن ألياف الورق وآثار المادة اللاصقة فضحتهم.
كريم بدأ يتوتر.
وأمي صرخت:
— كدابين!
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما ظهرتش.
واحد من الموظفين القدامى وقف وقال:
— أنا لازم أتكلم.
طلع فلاشة من جيبه.
قال:
— كنت شاكك إن في حاجة غلط من أسبوع، فراجعت كاميرات المخزن الاحتياطي.
شغل الفيديو.
ظهر فيه أمي داخلة المكتب بالليل، ومعاها كريم.
فتحوا الخزنة باستخدام البصمة…
لأن أمي كانت دايمًا بتبص وأنا بفتحها، وحفظت الرقم السري.
بعدها ظهر كريم وهو بيحط العقود والفلوس والسبايك في شنطة سوداء.
لكن في آخر الفيديو…
ظهر شخص تالت.
أول ما وشه بان…
أنا اتصدمت.
كان مدير الحسابات.
الراجل اللي شغال معايا من 15 سنة.
اللي كنت باعتبره زي أخويا.
هو اللي كان بيسلمهم مفاتيح الملفات.
الشرطة قبضت عليهم في نفس اليوم.
لكن أثناء التفتيش…
لقوا حاجة أخطر.
العقود المسروقة كانت مجرد بداية.
مدير الحسابات اعترف إنهم من سنة كاملة كانوا بيغيروا أرقام الفواتير، ويسحبوا مبالغ صغيرة جدًا كل شهر.
خمسة آلاف…
عشرة آلاف…
عشرين ألف…
مبالغ محدش يلاحظها.
لما جمعوها…
طلعوا سرقوا أكتر من سبعة وعشرين مليون جنيه.
وأمي كانت بتاخد نسبة كل شهر.
أنا كنت واقف مش قادر أستوعب.
بصيت لأمي وسألتها:
— ليه؟
ردت من غير دموع.
قالت:
— لأن كل حاجة كانت باسمك… وأنا كنت شايفة إن أخوك أولى.
وقتها فهمت إن الطمع… بيقدر يغير أقرب الناس ليك.
بعد شهور من التحقيقات، رجعت كل أصول الشركة تقريبًا.
كريم اتحكم عليه بالسجن.
ومدير الحسابات اتحكم عليه بعقوبة أشد بسبب التزوير وخيانة الأمانة.
أما أمي…
فالقاضي راعى سنها، لكن القانون أخد مجراه.
رغم كل اللي عملته، خرجت من المحكمة وأنا حاسس إن أكتر حكم وجعني… مش اللي صدر عليها.
الوجع الحقيقي إن الإنسان ممكن يخسر فلوسه ويرجع يعوضها…
لكن لما الثقة تتكسر بين أفراد العيلة…
بتسيب جرح عمره ما بيرجع زي الأول.
رجعت البيت.
لقيت مريم قاعدة في الجنينة، شايلة بنتنا الصغيرة اللي كانت لسه مولودة من أسبوع.
بصتلي وابتسمت.
وقالت:
— خلاص… كل حاجة عدت.
ابتسمت وأنا باخد بنتي بين إيديا.
وبصيت للبيت اللي كاد يضيع بسبب الطمع.
وقلت لنفسي:
“الثروة الحقيقية عمرها ما كانت الشركة… الثروة الحقيقية كانت الست اللي وقفت جنبي من أول يوم، والبنت اللي هتكبر وهي عارفة إن الكرامة أهم من أي ميراث.”
تمت.