الورث قصة زيزى خالد

مرات ابويا السابق اقټحمت بيت أبويا الله يرحمه وقالتلي لمي هدومك وامشي.. وأنا واقفة بقلم الورد في الجنينة، سبتها تتكلم وتتكلم.. لحد ما وقعت في الغلطة اللي هتدمرها تماماً.
من الأفضل تبدئي تلمي شنطك من دلوقتي، لأن بمجرد ما يتفتح الوصية بكرة، البيت ده هيكون بتاعنا.
صوت سارة وصل لودني قبل حتى ما أرفع عيني من على شجر الورد الأبيض. كانت بتمشي بكعبها العالي الغالي في طين جنينة أبويا، وكأنها ماشية على كات ووك في عرض أزياء، مش في المكان اللي أبويا قضى فيه عمره كله. فضلت أقلم الفروع الناشفة بالمقص بتاعي، ببطء، زي ما علمني وأنا صغيرة إيدك تكون ثابتة، بس إياكي ټأذي الزرع.
أبويا زرع الورد ده يوم ما اتجوزت كريم. كان دايماً يقول إن اللون الأبيض ده رمز لبدايات جديدة.
يا للسخرية!
شجر الورد لسه موجود، وشاف بعينه نهاية جوازي اللي قعد 15 سنة، وشاف اليوم اللي جوزي سابني فيه عشان يتجوز سكرتيرته.. الست اللي واقفة قدامي دلوقتي، غرقانة في برفان غالي وغرور ملوش حدود.
صباح الخير يا سارة، قلت الجملة دي وأنا مش مهتمة أبداً.
ابتسمت بابتسامة صفراء زي عادتها لما تحب تحرج حد بطريقة شيك.
بكرة هيفتحوا وصية عادل، وأنا وكريم فكرنا إن أحسن نتكلم في الموضوع ده قبل ما الأمور تتعقد وتكون محرجة.
مسحت إيدي في المريلة وقمت وقفت. حتى بالكعب العالي العجيب اللي لابساه، كنت أطول منها.
مفيش حاجة نتكلم فيها. ده بيت أبويا.
بيت أبوكي؟ قالتها وهي بتتمزق وهي بتنطق الكلام. أبوكي كان بيعتبر كريم زي ابنه بالظبط لسنين طويلة، وأقل حاجة تعمليها إنك تسيبينا ناخد حقنا.
حسيت بتقل مقص الورد في إيدي.
تقصدي كريم؟ نفس الشخص اللي خان مراته مع سكرتيرته؟ قلت بهدوء. ده الابن اللي بتتكلمي عنه؟
أوه، بلاش جو التراجيديا ده، ده بقى من الماضي، قالت وهي بتشاور بإيدها باستهزاء. عادل كان مسامحه، وكانوا بيخرجوا مع بعض النادي كل يوم حد لحد آخر يوم في عمره.
لحد آخر يوم..
يا دوب مر تلات أسابيع على ډفنة أبويا. قبلها ب 8 شهور، اتفاجئنا بمرض السړطان، وكل حاجة حصلت بسرعة البرق. ملحقتش أقوله كل اللي كان نفسي فيه، ولا عرفت ليه في شهوره الأخيرة، أخويا خالد بدأ يبعد عني ويقرب من كريم أكتر من أهله.
أبويا مسبش لكريم حاجة، قلت بثقة. ممكن يكون كان له عيوب، بس عمره ما كان مغفل.
للحظة، ابتسامة سارة اتكسرت.
بكرة هنشوف.. خالد مش شايف كدة خالص.
قشعريرة سريت في جسمي.
إنتِ كنتِ بتكلمي أخويا؟
قربت مني ووطت صوتها خلينا نقول إنه ساعدني أفهم حالة أبوكي النفسية في شهوره الأخيرة.
ضغطت على مقص الورد لدرجة إن صوابعي وجعتني. أبويا كان دايماً يقول يا بنتي، تعاملي مع الورد بحزم، بس من غير قسۏة.. حتى الشوك له فايدة.
اطلعي برة بيتي يا

موقع أيام نيوز

سارة، قلت لها. قبل ما أنسى ذوقي وأوريكي وش تاني.
ضحكت ضحكة ناشفة وقالت بيتك؟ يا عيني عليكي يا هالة. البيت ده يسوى ثروة، كنتِ فاكرة بجد إنك هتفضلي قاعدة فيه لوحدك كأنك ملكة، وإحنا نتفرج عليكي؟
أبويا بنى البيت ده طوبة طوبة، وزرع كل شجرة فيه بإيده. الموضوع مش فلوس، ده إرثه.
فوقي، كل حاجة في الدنيا فلوس، ردت بحدة. بكرة هتعرفي الحقيقة المرة دي.
لفت عشان تمشي، بس قبل ما تعدي من باب الجنينة، رمت كلمتها الأخيرة
آه، وابدئي لمي حاجتك من دلوقتي، كريم ناوي يهد البيت ويجدده أول ما ننقل، وهنبدأ بقلع شجر الورد القديم ده.. المكان محتاج حاجة مودرن أكتر.
صوت كعبها اختفى في الممر.
بصيت على الورد الأبيض، واكتشفت إني دست على كام وردة بإيدي المليانة طين من كتر الغيظ.
طلعت موبايلي وطلبت رقم فوراً.
أستاذة نادية، أنا هالة، قلت أول ما ردت. سارة جت هنا تهددني.
نبرة صوتها اتغيرت فوراً.
قالت إيه بالظبط؟
قالت اللي كنا خايفين منه. ممكن تيجي دلوقتي؟ فيه حاجة لازم أتأكد منها قبل بكرة.
أنا في الطريق، ردت. ومتقلقيش يا هالة، أبوكي كان حاسبها صح، أبعد بكتير من اللي هما متخيلينه.
قفلت معاها.
وفجأة، لمحت حاجة محشورة تحت شجر الورد، كانت مبلولة من ندى الصبح. عرفت خط إيد أبويا فوراً.
كان مكتوب عليه اسمي.
مسكته بإيد بترتعش، وحسيت إن الظرف تقيل، مش مجرد ورق، كأن جواه مش بس كلمات، ده كان الضړبة القاضية في لعبة مفيش حد كان يعرف إنه بيلعبها غيره.
في اللحظة دي، عرفت إن سارة اتكلمت أكتر من اللازم.. وإنه غالباً، عملت أكبر غلطة في حياتها.
جلستُ على المقعد الخشبي القديم في الجنينة، الظرف في يدي يرتجف، ورائحة الأرض المبللة والورد الأبيض تملأ المكان بذكرى أبي. كانت نادية، المحامية الصارمة التي وثق فيها أبي طوال حياته، على وشك الوصول، لكن عقلي كان يسبقها بسنوات. خالد أخي؟ هل من الممكن أن يكون قد باع إرث أبيه بل وباعني من أجل طمع كريم وسارة؟
فتحت الظرف بحذر. لم تكن مجرد رسالة، كانت وثيقة تاريخية، ومفتاحاً لما حدث في الغرف المغلقة خلال الأشهر الثمانية الأخيرة.
الجزء الثاني لعبة الأوراق الممزقة
بدأتُ أقرأ، وكل سطر كان يمر أمامي كأنه صڤعة على وجه الخونة. كان أبي يكتب بخط يده المتعب يا هالة، ابنتي التي لم تخذلني أبداً.. إذا وصلت هذه الرسالة إليكِ، فهذا يعني أنهم لم ينتظروا حتى لجنازتي ليروا ما في جيبي. لقد كنتُ أرى كل شيء؛ نظرات كريم المتعطشة للمال، وسارة التي تظن أن الجمال والقوة يغفران الغدر، وخالد.. الذي ظن أنني لا ألاحظ تغيّر ولائه.
استرسلتُ في القراءة؛ كان أبي قد نقل ملكية البيت والأراضي المحيطة به إلى مؤسسة خيرية تابعة للقانون، بشرط أن أكون أنا الموكلة بإدارتها مدى الحياة، مع

بند يحظر تماماً هدم أو تعديل أي جزء من البيت أو قلع أشجار الورد. لقد حول البيت إلى وقف، لا يملكه أحد، لكن يسكنه من يحافظ على روحه.
سمعت صوت سيارة نادية تتوقف أمام البوابة. مسحت دموعي بسرعة، ووقفت مستعدة. دخلت نادية، وكانت تحمل ملفاً سميكاً. هالة، لقد رأيت سارة عند بوابة البيت وهي تخرج.. هل ضايقتك؟
لقد فعلت أكثر من ذلك يا نادية، قلت وأنا أعطيها الرسالة التي وجدتها. لقد اعترفت أن خالد كان يشاركهم في محاولة الضغط عليّ، وأنهم واثقون من أن غداً سيكون يوم انتصارهم.
ابتسمت نادية ابتسامة باردة، وقالت دعيهم يظنون ذلك. في الغد، في مكتب الشهر العقاري، سنفتح الوصية المسجلة. المفاجأة ليست فقط في البيت، بل في أن أباكِ قد قدم بلاغاً منذ ستة أشهر ضد كريم پتهمة التلاعب في حسابات شركته، وقد جُمعت الأدلة بالفعل. خالد أيضاً متورط في محاولة تزوير توقيع أبيكِ على تنازل باطل. لقد تركتُ لهم الحبل ليشنقوا أنفسهم به.
الصدمة في يوم الحساب
في اليوم التالي، توجهنا إلى المكتب. كانت الأجواء مشحونة. سارة تجلس بكل غرور، كريم بجانبها يراقبني بتشفٍ، وخالد يجلس بعيداً، عيونه لا تلتقي بعينيّ.
فتح القاضي الوصية. بدأت القراءة، وتغيرت ألوان وجوههم بالتدريج. سارة التي كانت تبتسم، تجمدت ملامحها. كريم شحب لونه عندما سمع بند البلاغ القانوني عن الاختلاسات.
ما هذا؟! صړخ كريم وهو يقف. هذا غير قانوني! عادل كان مريضاً، لم يكن في وعيه!
هنا، تقدمتُ للأمام، صوتي كان هادئاً كهدوء الورد الأبيض في الصباح. كان في وعيه تماماً يا كريم. كان يعلم أنك ټخونه مع سكرتيرتك، وكان يعلم أنك وسارة وخالد تحاولون استغلال مرضه للسيطرة على كل شيء. لقد وضع أبي كاميرات في المكتب، وسجل كل محادثاتكم عن التخلص مني ومن البيت.
ساد صمت مرعب. نظر خالد إليّ، كان في عينيه كسر لم أعهده من قبل، ربما ندم، لكنه ندم جاء بعد فوات الأوان.
الفصل الأخير جذور لا تقتلع
لم تنتهِ الحكاية عند خروجهم من المكتب مطرودين وملاحقين قانونياً. قضت السنوات الثلاث التالية على طموحاتهم المهنية والشخصية. سارة تركت كريم بعد أن فقد ثروته في القضايا، وخالد اختفى تماماً، خجلاً من فعلته.
أما أنا، فقد بقيت في البيت. الورد الأبيض لا يزال يزهر كل ربيع، يزداد كثافة وجمالاً. لم يعد البيت مجرد مبنى من حجر، بل أصبح ملاذاً لكل من يحتاج لمأوى من طمع الدنيا.
في يوم ذكرى رحيل أبي، كنت أجلس في نفس المكان الذي كانت تقف فيه سارة حين هددتني. لمستُ جذور شجرة الورد الكبيرة، وتذكرت كلمات أبي يا ابنتي، الشوك الذي يحيط بالوردة ليس ليؤذي، بل ليحميها من الذين يظنون أن كل شيء جميل في هذا العالم متاح للقطف.
لم أعد أحتاج لكلمة وداعاً
لمن رحلوا، لأنني أدركت أن الحياة لا تدور حول من نملك، بل حول ما نتركه خلفنا. تركت لهم الجشع، وتركت لنفسي الورد، والسکينة، وذكرى رجلٍ لم يكن يوماً مغفلاً، بل كان معلماً في مدرسة الحياة.
غابت الشمس، وأضاءت المصابيح الصغيرة في الجنينة. كانت رائحة الورد تملأ الأرجاء، وفي تلك اللحظة، عرفت أنني في بيتي الحقيقي.. المكان الذي لن يقدر أحد على قلعه، لأن جذوره ليست في الأرض فقط، بل في الحق الذي لا ېموت.
انتهت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *