جوزي كان كل مانخرج حكايات بسمة

—هفهمك في البيت.

لكن مديره بصلي وقال:

—الأفضل تفهمي دلوقتي… لأن الطلب مش مكتوب فيه إنك مراته أصلًا.

سألته:

—مكتوب إيه؟

بص لجوزي لحظة، وبعدها قال:

—مكتوب إن صاحبة الحساب… والدته.

وساعتها بس فهمت إن موضوع الكارت مكانش استعراض قدام الناس وبس.
حكايات بسمه
وقف الكلام في زوري، وحسيت كأن المطعم كله بيلف بيا والحيطان بتطبق على صدري. الأصوات حوليا بقت مكتومة ومش معقولة… صوت المعالق، ضحكات الناس في الطاولات المجاورة، ووسوشة التكييف، كله اختفى وفضل بس صوت نبضات قلبي اللي كانت بتدق في ودني زي الطبول.
بصيت لسامح… وشها كان جايب ألوان؛ أحمر من الغضب، أصفر من الخوف، وأسود من الفضيحة. قطرات العرق بدأت تتجمع على جبهته وينزل منها على رقابته، وعينيه كانت بتتتحرك في كل الاتجاهات زي المحبوس اللي بيدور على أي مخرج من مصيدة اتقفلت عليه بحديد.
وبصيت للمدير، الأستاذ مجدي، اللي كان قاعد مربع إيديه على الطاولة، وعينيه مليانة مزيج من الذهول، القرف، والصدمة من الحقيقة اللي انكشفت قدامه في لحظة.
أخدت نفس عميق بطيء عشان أسترد توازني، وبصيت للمدير وصوتي خرج ثابت، لكنه مليان بمرارة وحزم:
— “والدته؟! يعني حضرتك بتقول إن سامح أخد كشوفات الحساب البنكي بتاعي أنا، والفواتير اللي بتطلع من مرتبي وشغلي كل شهر، وأرفقها في ملفه الرسمي بالشركة على إنها إيصالات مصاريف وشهادات علاج ملك لوالدته المريضة… عشان الشركة تصرف له بدل معيشة ورعاية إضافي؟!”
الأستاذ مجدي هز رأسه بأسف شديد، وطلع الموبايل ونقر على الشاشة عدة مرات قبل ما يلف الموبايل ناحيتي ويحطه على الطاولة:
— “بالظبط كده يا مدام رانيا… الأستاذ سامح قدم الطلب ده من شهرين للاتش آر، وكتب فيه إنه المعيل الوحيد لوالدته اللي بتعاني من ظروف صحية صعبة، وأرفق كشف الحساب البنكي ده اللي باسم حضرتك، مع صور فواتير مشتريات وتجهيزات منزلية ببالغ كبيرة، عشان يثبت للشركة إن مصاريفه أعلى من راتبه، وبناءً عليه

الشركة وافقت على صرف بدل معيشة استثنائي يعادل 50% من مرتبه الأساسي كل شهر!”
في اللحظة دي، سامح قام وقف فجأة، الكرسي ارتد لورا وصوته خرج مرتعش ومبوح وهو بيحاول يمسك دراعي ويهمس بصوت طالع بالعافية:
— “رانيا… أرجوكي! اهدي واسكتي دلوقتي! إحنا قدام مديري وفي مطعم عام، الفضيحة دي هتخرب بيتنا! نتكتم ونروح الشقة وهفهمك كل حاجة بالورق والشيفرات والله العظيم! بلاش تعملي شو قدام الناس!”
زقيت إيده بعيد عني بقوة وقسوة عمره ما شافها مني قبل كده، وقفت وطولي فارض نفسه في نص المطعم، وصرخت فيه بصوت حاد هز الترابيزة وحول نظرات الجرسونات والزبائن اللي قرايب منا ناحيتنا:
— “أتكتّم في الشقة إيه يا حرامي؟! أنت متخيل حجم الجريمة اللي عملتها؟! أنت مش بس كنت بتاخد كارتي وتحاسب بيه قدام الناس وأصحابك وقرايبك عشان تعمل فيها ‘سي السيد’ والراجل الكريّم اللي شايل البيت وبيصرف على مراته ومديره… أنت طلعت بتستغل حسابي البنكي، بتسرق فواتيري وعرقي، وتزور بيها في ملفات شغلك الرسمية عشان تاخد بدل معيشة تحطه في جيبك الخاص من غير ما أعرف!”
سامح حاول يمسك أعصابه ويتصنع القوة، وبصلي بغل وقال بصوت واطي ومسنن:
— “أنا كسبت الفلوس دي عشان بيتنا! الفلوس اللي بتيجي من الشركة بتدخل في البيت وفي الآخر إحنا زوجين وشيء واحد! إيه الدراما والفضايح اللي بتعمليها دي عشان شوية ورق وكارت?!”
رديت عليه وأنا بنفض إيدي منه ومن كل لحظة ثقة إديتهالك في يوم من الأيام:
— “بيتنا؟! زوجين وشيء واحد؟! الزوجين هما اللي بيبنوا حياتهم على الصدق والاحترام يا سامح! مش واحد بيستغل مراته كأنها بنك آلي، ينصب باسمها، وياخد فلوسها يشتري بيها منظرة فارغة قدام مديره وزملاؤه، ولما ينزنق يمسح اسمها ويحط مكانها أمه عشان يعرف يسرق الشركة!”
في اللحظة دي، الأستاذ مجدي وقف ببطء شديد. نظرة الاحترام والتقدير اللي كان بيبص بيها لسامح طول السهرة، تحولت بالكامل لنظرة قرف وازدرار تام. لم الموبايل من على الطاولة، وأخد الفاتورة المطبوعة اللي كانت محطوطة في الفولدر الجلدي، وطلع كارت البنك الشخصي بتاعه وحطه جوا الفولدر.
بص الأستاذ مجدي لسامح بنبرة حاسمة، صارمة، ومفيهاش أي مجال للتفاوض:
— “أنا أسف جداً يا مدام رانيا على الموقف البشع والمحرج ده، وأعتذر لكِ نيابة عن نفسي إنك اضطريتي تمري باللحظة دي. الحساب ده أنا سددته خلاص بكارتي الشخصي بصفتي عزمتكم… لكن بالنسبة ليك يا أستاذ سامح، فبكرة الساعة تسعة الصبح، هتوصلك إشارة استدعاء رسمية من الشؤون القانونية بالشركة. الشؤون القانونية هتحقق في واقعة النصب والتزوير وتقديم مستندات مزيفة للتحصل على مبالغ مالية بدون وجه حق. واللي يستحل فلوس مراته ويكذب عليها بالشكل ده، ويستغل اسمها ويزور أوراق الشركة… ما يلزمناش في مؤسستنا ولا يشرفنا يفضل يوم واحد فيها.”
سامح وشه اتخطف تماماً، الشفايف بقت بيضاء كأنه ميت، وقرب من مديره بنبرة توسل ورعب هزلي:
— “يا فندم أرجوك! استهدى بالله، ده سوء فهم عائلي بسيط وأنا هصلح كل البيانات بكرة الصبح! أرجوك بلاش الشؤون القانونية والتحقيق… دي فيها قطع عيش وفضيحة وسجن!”
المدير بص له بنظرة باردة وقاسية وقال كآخر كلمة قبل ما يلف ويمشي:
— “قطع العيش والخراب أنت اللي صنعته بإيدك يا سامح لما استسهلت الحرام والكدب. استأذنكم.”
مشى المدير وترك الساحة هادية زي المقابر حول ترابيزتنا. سامح قعد على الكرسي كأنه جثة هامدة، حاطط إيديه الاثنين على وشها وبيتنفس بصعوبة.
بصلي بنظرة مليانة كره وغل وقال بصوت مكتوم:
— “مبسوطة؟ خربتي بيتي، وضيعتي شغلي ومستقبلي ومكانتي في الشركة! كل ده عشان كارت ورقتين وموقف هبيل في مطعم؟! فضحتيني قدام المدير وخليتيني أصغر من الإبرة!”
ضحكت بصوت عالي مليان مرارة وقرف، وطلعت موبايلي وفتحت تطبيق البنك قدام عينية:
— “أنا اللي خربت بيتك؟! أنت اللي خربت بيتك يوم ما فكرت إنك تبقى راجل على قفا مرتك! يوم ما استحلّيت عرقي ومرتبي اللي بتعب فيه طول الشهر، ولما ما اكتفيتش بأنك تنسب فضلي ليك قدام الناس وتعمل بيها الجدع الكريم، رحت سرقت حسابي البنكي ورقمي القومي وفواتيري وزورت بيها في شغلك عشان تحلب شركتك وتعمل قرشين على حس أهلي وعرقي! من الليلة دي… لا أنت زوجي ولا أعرفك، والبيت اللي اتبنى على الكدب السرقة يتهد فوق رأس صاحبه.”
أخدت شنطتي، ودفعت للجرسون حساب المشروبات الإضافية اللي طلبتها بنفسي عشان ما أكونش مديونة له بمليم واحد، وخرجت من المطعم وأنا حاسة إن الهوى النقي بيدخل صدري لأول مرة من سنين.
النهاية والنهاية الحاسمة:
الشهور اللي تلت الليلة دي كانت كفيلة بتطهير حياتي بالكامل.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعي كان مجهز ملف كامل بالتعاون مع الاتش آر والشؤون القانونية في شركة سامح. قدمنا بلاغ رسمي للنيابة بتهمة الاستيلاء على أموال واستغلال مستندات شخصية وتزوير أوراق رسمية.
الشركة اتخذت إجراء حاسم وفصلت سامح فصل تعسفي بجرائم مخلة بالشرف والأمانة، وأجبرته على رد كل مبالغ “بدل المعيشة” اللي أخدها بدون وجه حق على مدار الشهور اللي فاتت.
أما بالنسبة ليا، فالمحامي قدر يثبت السحوبات المالية والفواتير اللي استولى عليها، واضطر سامح وتحت تهديد السجن الفعلي إنه يبيع حتة أرض صغيرة كان ورثها عن أبوه عشان يرجعلي كل جنيه اتخصم أو اتسرق من حسابي البنكي طوال سنين جوازنا، وتنازلت عن القضية الجنائية فقط بعد ما استرديت حقي كاملاً مكمل بالقرش، ورفعت دعوى طلاق للضرر وحصلت عليه بحكم محكمة قاطع.
سامح اتقفلت في وشه كل أبواب الشغل في مجاله بسبب التقرير الأمني والمهني اللي اتكتب في ملفه، ورجع يعيش مع أمه وهو مكسور، عاطل، ومش قادر يرفع عينه في عين أي حد من صحابه أو قرايبه اللي كان بيمثل عليهم الفشخرة والكرامة بفلوس مراته.
أنا رجعت لشغلي وحياتي، ورأسي مرفوعة فوق للسماء… اتعلمت الدرس الأهم في حياتي: إن الراجل اللي ما يصونش مال مراته وكرامتها، ويستعر من فضلها عليه ويستغل طيبتها… ما يستاهلش يفضل في حياتها ثانية واحدة، وإن الحق لما يتقال بكل شجاعة، بيبهدل أهل الباطل ويحفظ لصاحبه قيمته وهيبته للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *