مرات ابويا حكايات انجى الخطيب الثاني والاخير
طارق اتصدم، وشه اتخطف ولونه اترشح بياض من كتر الغيظ والصدمة. بص لـ سلمى من فوق لتحت بذهول، وبعدين ضحك ضحكة هيستيرية عالجت في الجناح، حاول يداري بيها الخوف اللي بدأ ينهك جسمه:
— «أنتِ بتهددي مين يا بت أنتِ؟! نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنتِ فاكرة عشان لبسوكي حتة إسورة وجابوكي القصر تبقي بقيتي هانم؟ دي فلوسي، وشغلي، والشركات دي أنا اللي كبرتها بعرقي لما أنتِ كنتِ بتلمي الفتافيت!»
فؤاد أخد خطوة سريعة وقرب من طارق، ورفعه من ياقة بدليته بإيد ماسكة برغم سنه، وعينيه بتلمع بشرار:
— «كبرتها بفلوس عمك الله يرحمه! كبرتها بالتزوير والنصب والورق المشبوه اللي كنت بتخليه يوقعه وهو على فراش الموت! فاكر إني مكنتش فاهم؟ أنا كنت ساكت ومستني اليوم اللي الحقيقة تظهر فيه.. واليوم ده جه يا طارق.»
طارق زق إيد فؤاد بعنف وهو بينهج، وبدأ يتراجع ناحية الباب:
— «أنت بتخرف! محدش يقدر يثبت عليا حاجة، والورق كله رسمي وفي البنوك باسمي وباسم أمي!»
في اللحظة دي، تليفون طارق في جيبه بدأ يرن بنغمة متواصلة. حط إيده في جيبه بقلة صبر وفتح الخط، وبمجرد ما سمع الصوت على الناحية الثانية، الموبايل اتزحلق من إيده ووقع على السجادة.
صوت المحامي بتاعه كان طالع من السبيكر واضح وبيترعش:
(«طارق بيه! النيابة العامة لسه نازلة قرار حالا بتجميد كل أرصدتكم في البنوك، والحفظ على أسهم الشركات! وفي مأمورية شرطة جاية على القصر عندك حالاً!»)
السكوت رجع خيم على المكان، وطارق بقى عامل زي الغريق اللي بيحاول يمسك في أي قشة. بص لـ فؤاد وبعدين لـ سلمى، وإيديه بقوا يترعشوا بشكل ملحوظ.
سلمى قربت منه بخطوات هادية، وشها كان ثابت زي الصخر، ومفيش فيه أي أثر للبنت الضعيفة اللي كانت بتبكي من ساعة واحدة بس في القاعة. بصت في عينيه وقالت بثبات يهد الجبال:
— «كل لقمة حرمتوني منها.. وكل ليلة نمت فيها جعانة ومقهورة في أوضة الفران.. هتدفعوا تمنها بالقانون. خرجتوني من الحفلة مفضوحة قدام الناس؟ أنا هخرجكم من القصر ده بالكلابشات قدام مصر كلها.»
طارق بلع ريقها بصعوبة، وكان لسه هيفتح بوقه يتكلم أو يصرخ، بس صوت سرينات عربيات الشرطة ضرب في جنينة القصر من بره، والأضوار الحمرا والزرقا بدأت تنور الشبابيك العالية.
فؤاد شاور بثقة على الباب:
— «اتفضل يا طارق.. البوكس مستنيك تحت عشان تلحق أمك.»
طارق بص للباب وبص لـ سلمى بنظرة مليانة كره وحقد، ولف وجري على السلم زي المجنون يحاول يهرب من المصير اللي مستنيه.
فؤاد اتنفس ببطء، وربط على كتف سلمى الدافي بالجاكيت، وبص للوحة فريدة أمها فوق وقال بصوت مليان حنان ورضا:
— «أخيرًا يا بنتي.. الحق رجع لأصحابه.. وبكرة الصبح، هتفتحي باب الشركة الكبيرة برجلك، وتقعدي على الكرسي اللي كان أبكي قاعد عليه.»
سلمى رفعت عينيها للوحة أمها، وابتسمت وسط دموعها، ولأول مرة تحس إن قلبها استريح، وإن الخوف اللي عاش جواها سنين طويلة اختفى للأبد.
……
أصوات الكلاكسات وسرينات الشرطة كانت مالية جنينة القصر بره، والأنوار الحمرا والزرقا بتضرب في شباك الأوضة. طارق نزل يجري على السلم الرخام زي المجنون، قلبه بيبض في زوره، وبيحاول يدور على أي مخرج خلفي يهرب منه.
جري ناحية باب المطبخ اللي بيطل على الجنينة الخلفية، ولسه بيحط إيده على المقبض عشان يفتحه، الباب اتزق بقوة ودخل منه ضابط شرطة ومعه اتنين من رجال الأمن والمس/دسات مشهورة في وشه.
الضابط بصله ببرود وقال:
— «على فين يا طارق بيه؟ القصر كله محاصر.. اتفضل معانا من غير شوشرة.»
طارق اتجمد مكانه، إيديه نزلت جنبه بمذلة، والكلابشات الحديدية اتقفلت على معصمه بنفس القسوة اللي اتقفلت بيها على إيد أمه من ساعات. اتسحب بره القصر قدام نظرات الخدم والحراس اللي كانوا بيبصوله بذهول واشمئزاز، وتركب عربية البوكس اللي انطلقت بيه وسط الصوت العالي للسرينات.
فوق في الجناح، سلمى كانت واقفة جنب الشباك الكبير، بتتفرج على العربية وهي ماشية وتبعد وتختفي في ضلمة الليل. مسحت خدها بظهر إيدها، وكانت دي آخر دمعة ضعف تنزل من عينها.
الحاج فؤاد قرب منها، حط إيده على كتفها وقال بصوت دافي مليان حنان وأبوة:
— «ارتاحي يا بنتي وتدفّي كويس.. بكرة الصبح ليكي موعد مع دنيا جديدة وتاريخ جديد.»
طلعت شمس اليوم الجديد على القاهرة، ومبنى شركات «المنشاوي جروب» الزجاجي الضخم في وسط البلد كان بيلمع تحت أشعة الشمس. الموظفين والمديرين كانوا واقفين في الصالة الرئيسية في حالة هرج ومرج، بيهمسوا بصدمة عن الأخبار اللي نزلقت في كل الجرايد والتلفزيون عن القبض على رانيا وطارق الشاذلي بتهم التزوير والشروع في القت/ل.
وفجأة… الأبواب الزجاجية الكبيرة اتفتحت.
دخل أسطول حراسة، وفي النص كان الحاج فؤاد المنشاوي، وجنبه… سلمى.
الكل اتسمر في مكانه والهمسات اتخرست تماماً.
سلمى مكنتش البنت المكسورة بتاعة إمبارح، ولا لابسة الفستان الأزرق المقطوع اللي حاولوا يذلوها بيه. كانت لابسة بدلة رسمية سودا كلاسيك في غاية الشياكة والأنقاة، شعرها مرفوع بثقة، والإسورة الدهب المرصعة بالألماس بتلمع في معصمها، وفي عينها نظرة قوة وكبرياء تخلي أي حد يبصلها يقف لها احترام.
مشيت بخطوات ثابتة ترن في الصالة الواسعة، والموظفين بدأوا يوسعوا لها الطريق وينحنوا لها بهيبة.
فؤاد أخدها في الأسانسير البانورامي لحد الدور الأخير، ووقفوا قدام باب مكتوب عليه بالمذهب: (مكتب رئيس مجلس الإدارة).
فؤاد فتح الباب بالراحة، وشاور لها تدخل. المكتب كان ضخم، ومفروش بخشب الأرو العتيق، المطل على منظرة الساحر للنيل والقاهرة كلها من الشباك الزجاجي العريض. وفي النص، كان فيه كرسي جلد اسود فاخر خلف مكتب فخم.
فؤاد بص لها بابتسامة مليانة فخر ودموع مكتومة:
— «الكرسي ده كان بتاع أباكي سليم الله يرحمه.. فضيل فاضي من عشرين سنة ومستني صاحبته الحقيقية ترجع تقعد عليه. اتفضلي يا سلمى هانم المنشاوي.. استلمي حلالك.»
سلمى مشيت بخطوات بطيئة، حطت إيدها على ظهر الكرسي الجلد، ولمست الخشب الدافي. افتكرت الأيام اللي كانت بتنام فيها على الأرض الباردة في أوضة الفران، واللقمة الناشفة اللي كانت بتاكلها بذل، والضحكات الخبيثة اللي اتضحكت عليها في الحفلة.. ورجعت بصت لصورك انعكاسها في الإزاز الضخم.
سحبت الكرسي بالراحة، وقعدت عليه بكل ثقة ورزانة. حطت إيدها على المكتب، ورفعت راسها لفؤاد وقالت بصوت هادي، بس جواه قوة تهز جبال:
— «اطلب لي المحامين ومجلس الإدارة يا عمي.. الحرب اللي بدأت إمبارح بالليل، هتخلص النهاردة بشركائهم كلهم، وحق كل مظلوم هيرجع لأصحابه.»
……..
ساعة واحدة بس كانت كفيلة إن قاعة الاجتماعات الكبيرة في الدور الأخير تتملي بأعضاء مجلس الإدارة. رجال أعمال ببدل غالية ووجوه مشدودة، بيهمسوا في أذن بعض والرعب باين في عينيهم بعد انتشار خبر القبض على رانيا وطارق في كل وسائل الإعلام.
الباب الخشبي التقيل اتفتح، ودخلت سلمى ومعاها الحاج فؤاد والفريق القانوني. الهدوء خيم على القاعة زي صمت المقابر، والعيون كلها اتعلقت بـ سلمى اللي مشيت بثبات لحد ما قعدت في رأس الطاولة.. الكرسي الرئيسي اللي كان فاضي من سنين.
واحد من كبار أعضاء المجلس، راجل ستيني وشره اسمه «السويفي»، حط إيده على الطاولة وبصلها بنظرة قللت من شأنها وقال بنبرة مليانة تعالي:
— «إيه المهزلة دي يا حاج فؤاد؟! المجموعة بتواجه أزمة أسهم وانهيار في البورصة، وانت جايب لنا بنت صبية ملهاش في السوق ولا تفهم حاجة عشان تقعدها على كرسي الإدارة؟ إحنا بشركات بمليارات، والبيزنس مش بيتدار بالعواطف!»
سلمى بصلته ببرود شديد، حطت إيديها الاثنين على الطاولة، وشابكت صوابعها والإسورة الألماس بتلمع تحت الإضاءة. ابتسمت ابتسامة هادية وقالت بصوت واثق ومزلزل:
— «الشركات بتتدار بالعدل والحق يا سويفي بيه.. وبالأوراق الرسمية اللي أظن إنك عارفها كويس. أوراق ملكيتي لـ 60% من أسهم مجموعة المنشاوي، الورث الشرعي لسليم المنشاوي الله يرحمه.. اللي انت ورانيا وطارق كنتوا بتشفطوا أرباحه سنة ورا سنة.»
السويفي وشو أصفر، ووقفت الكلمة في حلقة، وصوته اتهز:
— «انتِ بتلمحي لإيه؟ انتِ عارفة بتكلمي مين؟»
سلمى شاوَرت للمحامي، فتح ملف أسود كبير ورمى أوراق قدام كل عضو في المجلس. سلمى كملت كلامها وهي بتبص في عين كل واحد فيهم بنظرات من حديد:
— «دي كشوفات الحسابات المزدوجة.. العقود الوهمية اللي اتعملت في التجمع والساحل، والعمولات اللي دخلت حساباتكم الشخصية عشان تغطوا على تزوير طارق وتمرروا القرارات. قدامكم خيارين ملهمش تالت.. إما التنازل الفوري عن كل الأسهم اللي خدتوها بغير حق وتستقيلوا بشياكة، أو بلاغ للنيابة العامة بتهمة المشاركة في التزوير وغسيل الأموال والامتناع عن الإبلاغ عن ج/ريمة ق/تل.. أظن رانيا وطارق مستنيينكم تحت في الحجز وممكن تونسوهم.»
الهمسات انفجرت في القاعة، والوجوه اللي كانت متكبرة من شوية بدأت تتغير وتترجى. السويفي سحب القلم بإيد بتترعش، وكان أول واحد يوقع على استقالته والتنازل عن الأسهم، ووراه باقي الأعضاء الفاسدين يوقعوا واحد ورا التاني، وخرجوا من القاعة مطأطئين الرأس ومكسورين.
القاعة فضيت مفيش فيها غير سلمى والحاج فؤاد. فؤاد قرب منها والدموع في عينيه من كتر الفخر، حط إيده على كتفها وقال بصوت مليان رجفة:
— «أبوكي فريد وسليم لو كانوا شايفينك النهاردة.. كانوا هيفتخروا بيكي زي ما أنا فخور بيكي دلوقتي يا سلمى. انتِ مش بس رجعتِ حقك.. انتِ غسلتِ اسم العيلة من كل قذارة مسكته.»
سلمى قامت وقفت، ومشت بخطوات هادية ناحية الواجهة الزجاجية الضخمة اللي بتطل على القاهرة كلها والشمس مالية المكان. بصت لانعكاس صورتها في الإزاز.. ملامح البنت الضعيفة المكسورة اللي كانت بتبكي في الحفلة وإيدها مدارية فستانها الأزرق المقطوع اختفت تماماً. حل محلها امرأة صلبة، أخدت حقها بالقانون والقوة، ورجعت اسم عيلتها لمكانه الطبيعي فوق الكل.
لمست العلامة اللي على كتفها من فوق البدلة الرسمية، وابتسمت ابتسامة أمل صافية لأول مرة في حياتها.. ابتسامة بنت دفنت وجع السنين، وتبدأ من الليلة دي حكايتها الحقيقية.
…….
مرت ست شهور على الليلة دي.. ست شهور كانوا كفيلين يغيروا مجرى التاريخ كله.
الجرايد والتلفزيون ما كفوش كلام عن أحكام القضاء العادل؛ رانيا وطارق الشاذلي صدر ضدهم أحكام بالسجن المشدد بتهم التزوير والشروع في القت/ل والتعدي، وانتهت أسطورتهم وطغيانهم للأبد. والناس اللي ضحكوا على سلمى في قاعة الحفلة زمان، بقى كل حلمهم النهاردة مجرد إنهم يسلموا عليها أو ياخدوا معاها صورة في المؤتمرات الاقتصادية الكبيرة.
بس سلمى مكنتش مهتمة بجمود الفلوس ولا ببريق الأضواء.
في يوم مشمس، نزلت سلمى من عربيتها قدام مبنى جديد وفخم في قلب القاهرة. مبنى كبير مكتوب عليه بالحفر الذهبي: (مؤسسة فريدة وسليم المنشاوي لرعاية ودعم الأيتام).
كانت مخصصة للمؤسسة دي جزء كبير من أرباح الشركات، عشان تتأكد إن مفيش بنت يتيمة في مصر كلها تعيش القهر أو الذل اللي هي عاشته، ولا تكسر نفسها أو تتظلم عشان لقمة أو فستان.
الحاج فؤاد كان واقف جنبها، بيبصلها بعينين مليانة فخر ودموع فرحة:
— «أنا كده أقدر أقابل ربنا وأنا مرتاح يا سلمى.. ردّيت أمانة أباكي، وسبت ورايا ست بـ ألف راجل تقود العيلة وتحمي اسمها.»
سلمى ابتسمت، ومسكت إيده بضغط دافي وأبوي:
— « انت السند اللي ربنا بعتهولي في اللحظة الأخيرة يا عمي.. لولا وجودك كان زماني مدفونة في الضلمة ومحدش حاسس بيا.»
وفي نفس اليوم بالليل، طلبت سلمى تروح مكان معين لوحدها مع الحاج فؤاد.
راحت المقابر، ووقفت قدام مدفن أباها سليم وأمها فريدة. كانت شايلة في إيدها بوكيه ورد أبيض، وفي إيدها التانية علبة مخملية صغيرة.
فتحت العلبة.. كان جواها قطعة القماش الصغيرة المقطوعة من الفستان الستان الأزرق بتاع ليلة الحفلة.. محتفظة بيها مش عشان تفتكر الوجع، بس عشان تفتكر هي وصلت لإيه.
بصت للعلامة اللي على كتفها، وبعدين حطت الورد على القبر، وابتسمت ابتسامة صافية طالعة من جوه قلبها، وقالت بصوت هادي هز سكون المكان:
— «يا أمي.. يا أبوي.. القسوة اللي عشتها مكسرتنيش، والوجع اللي شفته هو اللي عمل مني الإنسانة الصلبة اللي واقفة قدامكم النهاردة. حمالة الفستان اللي قطعوها عشان يوطوا بيها رأسي قدام الناس.. كانت هي السلسلة اللي رفعت رأسي للسما ورجعتلي اسمي وحقي. اطمنوا عليا.. بنتكم أخدت حقها وحقكم، وما بقتش بتخاف من حد خلاص.»
سلمى لفت وشها وخرجت من المكان، خطوتها كانت مسموعة وواثقة، والهوا العليل بيلمس وشها. رفعت رأسها للسما واستنشقت الهوا بعمق ورضا.
البنت اليتيمة المكسورة دفنت خجلها ودموعها في الماضي للأبد.. وولدت مكانها امرأة صلبة، اسم الهيبة بيسبق خطواتها: سلمى المنشاوي.. وبقت قصتها درس لكل ظالم، وشاهدة إن الحق ممكن يتأخر أو ينستر ليلة.. بس عمره ما بيموت.
تمت
حكايات انجى الخطيب