حكايات منال عباس

الاول
عيلتي قعدوني أنا وياسين ابني اللي عنده ست سنين على ترابيزة لوحدنا ومن غير ولا لقمة أكل، في الوقت اللي الكل قاعد بياكل فيه ستيك، استاكوزا، ونبيذ غالي.
ـ “المفروض كنتي جبتيله أكل معكيش!” أبويا قالها وهو حتى ما بصش في ناحيتنا.
وبعدها أختي زقت basket (سبت) فيه عيش ناشف على الترابيزة قدامنا، وكأن ده كفيل يخلي كل حاجة تمام ومقبولة.
شكلها نسيت أكتر من مليون جنيه (حوالي ١٨ ألف دولار) كنت صرفتهم على مدار السنين اللي فاتت عشان أحل لها أزمة مالية ورا التانية.
بصيت لعيلتي، ابتسمت بهدوء، وقلت:
ـ “مش هانساها لكم.”
بعدها بتلات أيام، لقيت ورق ومستندات غيرت كل حاجة كانوا فاكرين إنهم مسيطرين عليها.
الجزء الأول
ـ “احنا ما طلبناش عشاء لـ ياسين أصلاً،” أختي مريم قالتها ببرود وهي بتزق ناحيتي سبت العيش الناشف. “كان المفروض تحضري له معاكي حاجة في الشنطة.”
أبويا دوبك رفع عينه من طبق الريش المخدومة اللي قدامه.
ـ “ده عنده ست سنين يا سلمى،” قالها بأسلوب متعجّب. “يعني هنصرف أكل بـ خمس آلاف جنيه على طفل مش هيقدر طعمه؟ الليلة دي للكبار وبس.”
بصيت لابني اللي قاعد جنبي.
ياسين كان لابس قميصه الأزرق المفضل عشان كان متحمس طول الأسبوع لحفلة خروج جدو على المعاش.
ودلوقتي قاعد على ترابيزة صغنونة جنب باب المطبخ، وماسك في إيده حتة عيش، في الوقت اللي باقي عيلتي بياكلوا أكل فاخر في الناحية التانية من القاعة.
ضغطت على نفسي عشان أفضل هادية.
ـ “تمام، فهمت.”
الحفلة كانت مقامة في نادي “يخت النيل” الراقي في الزمالك.
أمي، هدى، قعدت تقريبًا ست شهور بتخطط للحفلة دي عشان تكرم أبويا رأفت بعد أربعين سنة قضاها محامي كبير لشركات كبرى.
كل تفصيلة كانت بتصرخ فلوس وبحبوحة.
مفارش ترابيزات بيضاء من أرفع قماش الكتان.
تنسيقات ورد شيك جداً.
مشروبات مستوردة.
إضاءة مظبوطة بالمللي.
لدرجة إن الطريقة اللي رَمونا بيها أنا وياسين على جنب كانت واضحة إنها متعمدة ومقصودة.
على الترابيزة الرئيسية كانوا قاعدين: أمي، أبويا، مريم وصاحبها (أو خطيبها)، وعمي محجوب ومراته.
أما أنا وياسين فحطونا جنب مكان الخدمة (أو الكاونتر بتاع الجرسونات)، كأننا ضيوف جهوا من غير دعوة ولا عازمهم حد.
في الأول، حاولت أقنع نفسي إنها مجرد سهوة ومش مقصودة.
لحد ما الأكل نزل.
أبراج من المأكولات البحرية غطت الترابيزة.
وبعدها لحمة واجيو.
وبعدها ذيول استاكوزا، أطباق جانبية، وإزازات مشروبات غالية.
الجرسونات كانوا بيحطوا طبق ورا طبق قدام قرايبي.
ومفيش بني آدم قرب من ترابيزتنا.
ياسين شد كم قميصي بخشوع:
ـ “يا ماما، احنا مش هنتعشى زي الناس دي؟”
رفعت إيدي وناديت على جرسون كان معدي.
ـ “لو سمحت، شكل ترابيزتنا اتنسيت.”
وشه اتغير فوراً وبان عليه الإحراج.
ـ “متأسف يا فندم.. بس أنا اتقال لي إن المنيو المفتوح والوجبات للترابيزة الرئيسية بس.”
وتردد شوية وكمل:
ـ “أبوكي بالذات هو اللي قال إن الترابيزة دي مش ضمن الحساب.”
فضلت باصة له بثبات لحظات.
وبعدين قمت ومشيت ناحية عيلتي.
ـ “هو ليه متطلبش عشاء لـ ياسين؟”
أبويا طلع تنهيدة تعبير عن الضيق.
ـ “يا سلمى، متعمليش من الحبة قبة.”
ـ “أنا سألت سؤال.”
ـ “الوجبة بتكلف بالآلاف للفرد الواحد،” رد عليا بخشونة. “وياسين أصلاً مش هياكل نصها.”
مريم قلبت عيونها بملل.
وبعدين مدت إيدها سحبت سبت العيش وزقته في اتجاهي تاني.
ـ “ديه له، العيال بتحب العيش الناشف.”
بصيت لها.
وبعدين لاحظت حاجة بتحصل تحت الترابيزة.
كلبة مريم من نوع “فرنسي بولدوغ” كانت قاعدة جوه شنطة سفر ماركات غالية جنب كرسيها.
وهي كانت قاطعة حتة من اللحمة الفلتو بتاعتها حتت صغنونة.
وبتحطها في بق الكلبة وتأكلها!
كلبتها بتاكل ستيك غالي وبأعلى جودة.
وابني داسوا عليه ورموا له عيش.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا فرقعت واتعدلت.
على مدار سنين، مريم كانت بتجري عليا أول ما دنيتها تخرب وتتزنق.
لما مكنتش بتعرف تدفع الإيجار، كنت بدفعه أنا.
لما كروت الفيزا بتاعتها ضربت وبقت مديونة، كنت بلمها وراها.
لما عربيتها عطلت وعازت تصليح غالي، كنت أنا اللي بدفع الفاتورة.
ولما “مشروع” جديد من مشاريعها الفنكوشية احتاج فلوس، كانت بتيجي لي دغري.
وكل ما كنت أتردد وأقول لأ، أهلي كانوا بيدوني نفس الاسطوانة المكتوبة:
ـ “يا سلمى، دي محتاجة مساعدة.”
ـ “العيلة بتشيل بعضها.”
ـ “إنتي أوعى وأعقل منها يا بنتي.”
واضح إن القاعدة دي كانت بتتطبق بس لما بيبقوا عايزين مني مصلحة.
رجعت لياسين وزقيت سبت العيش بعيد عننا خالص.
ورفعت إيدي تاني.
الجرسون رجع جري.
ـ “أنا عايزة أطلب أكل منفصل.”
ـ “تحت أمرك يا فندم.”
بصيت لابني.
ـ “هات له أحلى قطعة ريب-أي مجففة (Dry-aged ribeye).”
أمي رفعت راسها وبصت بفزع.
ـ “وكمان ديل استاكوزا،” كملت كلامي.
عيون ياسين وسعت من الفرحة.
ـ “يا ماما بجد…”
ـ “وحط معاهم ماك أند تشيز بالترَفْل (جبنة ومشروم فاخر).”
الجرسون هز راسه.
ـ “وهاتي أكبر طبق صوص شوكولاتة (سوفليه) عندك.”
أمي كانت هتقع من على الكرسي والشوكة وقعت من إيدها.
ـ “يا سلمى! ده كده هيعدي ألوفات كتيرة!”
بصيتها في عيونها مباشرة:
ـ “خلاص، ابعتوا الحساب على حساب النادي الخاص بالعيلة.”
أبويا زق كرسيه لورا بعنف.
ـ “إنتي مالكيش صلاحية تستخدمي الحساب ده!”
بصيت له بكل هدوء وثبات.
ـ “إنت ضفتني عليه من تلات سنين عشان كنت محتاج حد يستلم أوردرات الكاترينج كل ما تسافر وتنشغل.”
ملامحه اتغيرت واتخطف لونها.
ـ “وإنت عمرك ما شلت اسمي من عليه.”
السكتة خيمت على الترابيزة كلها.
وبعدين رجعت بصيت للجرسون.
ـ “حاجة كمان لو سمحت.”
ـ “أوامرك يا فندم؟”
ـ “ألغوا أي حاجة لسه ما اتخدمتش واتقدمتش للترابيزة الرئيسية.”
أبويا اتسمّر مكانه.
ـ “إزازة النبيذ التانية،” كملت ببرود. “وأطباق السي فود الزيادة، وكل الحلويات الأربعة.”
أمي باصة لي وهي مش مصدقاني.
ومريم ملامحها بقت مرعبة من الغضب.
ووجه أبويا اتقبض واتشنج.
ـ “إنتي اتجننتي؟ إنتي متدربيش تعملي كده!”
ابتسمت.
ـ “أنا عملتها وخلاص.”
ـ “بتبهدليني في حفلة خروجي على المعاش قدام الناس!”
ـ “لا يا بابا،” بصيت ناحية ياسين. “إنت اللي قاعد بتفرج حفيدك على قد ايه عيلتك شافت إنه ميستهلش يتاكل في ليلتك دي.”
مفيش مخلوق نطق بكلمة.
بعد دقايق معدودة، الجرسون جاب طبق الستيك الجميل قدام ياسين.
وشه نور واتملى سعادة.
ـ “واااو.”
ابتسمت وقعدت أقطعه له حتت صغيرة.
ـ “بالهنا والشفا يا حبيبي.”
ولأول مرة طول الليلة دي، بطلت اهتم أصلاً باللي الناس على الترابيزة الكبيرة بيفكروا فيه أو بيقولوه.
أبويا فضل باصص لي ومبلم.
وأمي مالت على مريم وقعدت توسوس لها بغل وهي بتبرطم.
ومريم باصة لي بقمص وغل، وكأن رفضي لمعاملتهم دي هو اللي خلاها هي الضحية!
بس أنا كنت هادية تماماً وثابتة.
لأن في حاجة جويا اتغيرت للأبد.
البنت اللي كانت دايماً بتنقذ الكل خلصت وماتت.
والأخت اللي كانت بتدفع كل فاتورة طوارئ قفلت الدكان.
والست اللي كانت بتسكت عشان تدراي المشاكل وتعديها، جابت آخرها واستنفذت رصيدها بالكامل.
عيلتي كانوا فاكرين إن أكبر مصيبة حصلت الليلة دي هي إنهم خسّروا نفسهم إزازة نبيذ وحلويات زيادة.
مكنوش يعرفوا أبداً، وإنه بعد ما ياسين ينام ويحط راسه على المخدة، أنا هبدأ أراجع ست سنين كاملة من الفلوس والدفعات اللي دفعتها نيابة عنهم.
واللي مكنوش يعرفوه أبدا.. إن بعد تلات أيام بالظبط، هلاقي مستند مكتوب بخط إيد أبويا نفسه..
مستند بيثبت وبما لا يدع مجال للشك.. إن المعاملة الزفت دي مكنتش صدفة أبداً.
دي كانت مدبرة ومخطط لها بقالها سنين. حكايات منال عباس
الجزء التاني:
ـ “إنت ضفت اسمي على الحساب من تلات سنين عشان استلم أوردرات الكاترينج، وعمرك ما فكرت تشيله.”
بصيت للجرسون وكملت:
ـ “ألغي أي طلب للترابيزة الكبيرة لسه موصلش.. إزازة النبيذ التانية، وطلبات السي فود، والحلويات.”
سكون تام ساد المكان.
ـ “إنتي اتجننتي؟ مينفعش تعملي كده!” بابا زعق فيا.
ـ “أنا عملتها وخلاص.”
أول ما طبق الستيك بتاع ياسين وصل، ابتسمت له وقلت:
ـ “كُل براحتك يا حبيبي.”
في الليلة دي، موبايلي مكنش بيبطل رسايل تهديد وشتيمة.
مريم طالبتني بـ 400 دولار (حوالي 20 ألف جنيه) عشان تغطي مصاريف الإلغاء.
أمي اتهمتني إني “مرّغت كرامة العيلة في التراب”.
أبويا اكتفى إنه قفل لي صلاحية الدخول على حساب النادي.
كانوا فاكرين إنهم بيعاقبوني..
بس في الحقيقة، أنا فتحت سجلات حساباتي البنكية.
واللي لقيته هناك قلب التربيزة على الكل وغير كل حاجة.
لو جاهز للجزء اللي جاي، اكتب “YES” وهبعتهولك فوراً. 👇👇
الجزء التالت
تاني يوم الصبح، لقيت تليفوني ما بيبطّلش رسايل ورنايات من عيلتي.
أمي بعتت لي فويس نوت طويلة عريضة بتزعق فيها وتقولي إني “قليلة أصل” وإني بوظت فرحة أبويا بعد تعب عمره.
ومريم بعتت رسالة مكتوب فيها بالحرف:
ـ “إنتي إنسانة أنانية.. عشان شوية أكل لـ عيلك، بتبهدلينا قدام الناس وبتبعتي لي فاتورة بـ 400 دولار تمن إلغاء الأوردر؟ أنتي طماعة وبتكرهي الخير لحد!”
طبعاً متكلفتش نفسي أرد على حد فيهم. قفلت السكرين ومسحت التنبيهات، وقعدت على اللاب توب بتاعي بهدوء تام.
فتحت أፕليكيشن البنك، وطلبت كشف حساب مفصل لكل التحويلات والفيز اللي طلعتها على مدار الست سنين اللي فاتوا.
كنت فاكرة إني بساعد أهلي بحب وبنية صافية.. بس لما بدأت أجمع الأرقام قدامي على الشاشة، الدم جرى في عروقي واتجمد.
المبلغ الإجمالي مكنش ١٨ ألف دولار زي ما كنت حاسبة كده بالنظر.. ده عدى المليون ونص جنيه مصري بكتير!
أكتر من مليون ونص صرفتهم على ديون مريم، ومصاريف جمعيات أبويا اللي كانت بتتعثر، وعلاج أمي اللي كانت بتستخصره في نفسها وتجيلي تقولي “معيش”، وكمان مصاريف مصيفهم اللي كانوا بيسافروا فيه كل صيف على حسّي.
وفي عز ما كنت بقلب في السجلات والتواريخ، عيني وقعت على حاجة غريبة جداً.. تاريخ قديم من خمس سنين، وقت ما عربيتي القديمة اتسرقت أو حصلت لي أزمة مالية كبيرة وكنت محتاجة كل قرش.. لقيت إن أبويا كان حوّل مبلغ كبير من حسابي بالغلط أو بطريقة ما، ومكتوب جنب التحويل ملاحظة بخط إيده هو:
“مصاريف تأمين شقة مريم.. من حساب سلمى (المغفلة).”
“المغفلة”.. الكلمة دي كانت مكتوبة بوضوح وسط تفاصيل التحويل.
أبويا، اللي طول عمره بيعلمنا الأصول والأخلاق، كان شايفني مجرد بنك مفتوح، أو بالأصح.. بقرة حلوب بيضحكوا عليها وهي فاكرة نفسها بارة بأهلها.
قعدت باصة للشاشة لحد ما النور انعكس على وشي، وحسيت ببرودة غريبة بتسري في جسمي.. بس مكنش فيه دمعة واحدة نازلة من عيني. الحزن خلص، ومبقاش مكانه غير برود تام ورغبة أكيدة في إن كل واحد ياخد جزاءه بالمللي.
قمت من مكانى، لبست هدومي، ونزلت أروح مكتب المحاماة القديم بتاع أبويا، لأن كنت عارفة إن فيه ملف قديم جوه الخزنة.. ملف بيحتوي على وصية قديمة وأوراق ملكية شقة الشاطئ اللي كان المفروض تكون بتاعتي لوحدي بحكم إن جدتي هي اللي كاتباها باسمي.
بس لما دخلت المكتب وفتحت الدرج المخصص، ملقتش الورق..
ولقيْت بداله ورقة جديدة مكتوبة بخط إيد أبويا، ومركونة فوق الملفات مباشرة، وتاريخها مكتوب من أسبوع واحد بس!
اقريت الورقة، وفي اللحظة دي.. كل حاجة بقت واضحة زي الشمس.حكايات منال عباس
الصدمة كانت أكبر من إن لسانهم ينطق بحرف.
أبويا بصلّي بعيون جاحظة ووشه اتقلب للأصفر، وصوت تنهيدته المرعوبة كان مسموع في الصالة كلها، وكأنه مش مصدق إن البنت اللي كانت بتتحمل جشعهم سنين، وقفت قدامه في يوم وأخذت حقها بالمللي.
أمي سقطت على الكرسي وهي بتلطم وتصوّت:
ـ “يا خيبتنا.. بنتنا فضحتنا في آخر عمرنا! هتقولي للناس إيه يا قليلة الأصل؟!”
ـ “قولي لهم إن البقرة الحلوب بتاعتكم ماتت.. وإن الحساب قفل للأبد،” رديت عليها وأنا باصة لهم ببرود تام.
الشرطة بدات تنفذ إجراءات الحجز رسمياً على العفش والأصول، وفي خلال ساعات قليلة، كانوا مضطرين يسلموا مفاتيح الشقة ويخرجوا منها.
أما مريم، فكانت واقفة تعيط بانهيار وتصرخ في وش جوزها اللي مكنش عارف ينطق بكلمة واحدة، وشافت بعينها كيف إن كل الفلوس والعز الوهمي اللي كانوا عايشين فيه اتبخر في ثواني، لما الحقيقة ظهرت والنور كشف كل التلاعب والسرقة.
أخدت ابني ياسين في إيدي، وخرجنا من بيت العيلة ده بلا رجعة.
في العربية، ياسين بصّلي وهو ماسك إيدي جامد وسألني ببراءة:
ـ “ماما.. إحنا رايحين فين؟”
ابتسمت له بحب، وبصيت قدامي على الطريق الواسع النضيف وأنا حاسة بروح الحرية والسلام لأول مرة من سنين طويلة، ورديت عليه بصوت دافئ وثابت:
ـ “رايحين لبيتنا الجديد يا حبيبي.. بيتنا اللي بفلوسنا وبحلالنا، ومحدش أبداً هيقدر يقلل مننا فيه.”
خلصت الحكاية.. وخلص معها زمن الاستغلال والطيبة الزيادة اللي بتداس تحت رجلين الجاحدين.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *