حكم طلاق منى السيد الثاني والاخير

الصمت اللي نزل على الشقة بعد ما خط الدكتور تقفل كان أتقل من الجبل.
صوت الشاشة المكسورة لما خبطت في البلاط كان زي صوت آخر حاجة سليمة جوايا وهي بتتكسر. هدى كانت واقفة قدامي، عينيها بتتحرك بيني وبين أمي وبين الكراكيب اللي في الشقة، نظرتها اتحولت في ثواني من الدلع والسيطرة للشك والذعر.
مسكتني من دراعي بقوة، ضوافرها غرزت في قميصي:
— أحمد! أنت ساكت ليه؟! رد عليا! إيه الكلام اللي الست دي بتقوله ده؟ يعني إيه ديون وحجز؟ ويعني إيه فلوس مراتك الأولى؟! أنت مش قلت لي إنك مهندس استشاري وعندك شركتك الخاصة وبيجيب لك ملايين من إسكندرية؟!
بصيت لإيدها اللي ماسكة دراعي. نفس الإيد اللي كنت أشتريت لها أساور دهب من شهرين. نفس الإيد اللي كنت بشوفها “عوض”، وأتاريها كانت إيد بتسحبني للقعر وأنا مغمى عليا.
نفضت إيدها بعنف.
— اسكتي! اسكتي خالص ومش عايز أسمع صوتك!
هدى شهقت، ورجعت لورا خطوتين، وشها احمر من الغضب:
— أنا يتقال لي اسكتي؟! أنت أتلغبطت في الكلام ولا إيه يا أحمد؟ أنا سبت بيتي وجيت لك بشيلتي عشان تشتمني؟
أمي من جوه كحّت كحة مكتومة، وبعدين رفعت صوتها المبحوح وهي بتلف كرسيها وبتيجي ناحية الصالة:
— سيبيه يا حبيبتي.. سيبيه أصل النكسة لما بتيجي على راس الغافل بتبقى تقيلة. هو مش عارف يرد عليكِ لأنه اكتشف إنه مش سي أحمد اللي بيمشي كلمته على الكل.. هو اكتشف إنه كان عايش على قفا الست اللي رماها في المستشفى عشانك!
هدى بصت لأمي بقرف وصرخت:
— أنتِ مين أصلاً عشان تتكلمي معايا كده؟ أنتِ حتة عجوزة قاعدين نخدمك ونشيلك!
أول ما الكلمة طلعت من بوقها، حسيت بالدم بيغلي في نفوخي. ما شفتش قدامي. قربت منها ورفعت صباعي في وشها، وصوتي خرج زي الهزيم:
— لمي لسانك! الكلمة دي لو طلعت منك تاني على أمي، قسماً بالله ما هتعرفي هتطلعي من الباب ده إزاي! أمي دي اللي كانت منى بتغسل رجلها بالمايل والمستكة وهي نازفة كيماوي! أنتِ بقى عملتِ لها إيه غير إنك أخدتِ الفلوس اللي كانت المفروض تترد علاج ليها؟!
هدى اتسمرت مكانها، والراجلين اللي كانوا شايلين الشنط بره الباب بصلوا لبعض بتوتر. واحد منهم قال بصوت واطي:
— يا كابتن.. إحنا هنحط الشنط هنا ونمشي، الأجر حسابنا عليه كام؟
هدى التفتت له وهي بتترعش من الغضب:
— حاسبهم يا أحمد! حاسب الناس دول خليهم يمكوا!
حطيت إيدي في جيبي. طلعت المحفظة. فتحتها قدامها.. ما كانش فيها غير كام ورقة فئة مية جنيه، وبطاقة الفيزا اللي البنك لسه قافلها من ساعتين.
رميت الميات للراجلين:
— خدو دول وغوروا من وشي.
الراجلين أخدوا الفلوس ومشوا بسرعة وقفلوا الباب وراهم، وسبنا في اللحظة دي مع الواقع العريان.
هدى بصت للمحفظة الفاضية، وبعدين بصت للأكياس اللي على الكومودينو. عينيا لمعت. جريت على الأكياس، فتحتها بلهفة وطلعت علب الساعات الفخمة.
— الساعات دي بـ 120 ألف جنيه.. أنت قلت لي كده! أنا هآخدهم أبيعهم وأخد حقي منك!
قربت منها ببرود، وبرود لمس قلبي فجأة:
— خديها. خدي الساعات يا هدى. خديها وبصي فيها كويس.. كل ثانية بتمر في الساعتين دول، مدفوعة من دم مراتي اللي بتصارع الموت في ألمانيا. خديها وعيشي بيها لو عرفتي تنامي والذنب بياكل في عضمك.
هدى شالت العلب في شنطتها بسرعة وكأنها خايفة أغير رأيي، وقالت وهي بتعدل نظارتها الشمسية:
— أنت اتجننت! ذنب إيه وبتاع إيه؟ أنت اللي جيت لي وركعت تحت رجلي عشان أتجوزك! أنت اللي قلت لي إنك مش مرتاح مع مراتك وإنها نكدية وبتقرفك! أنا مال أهلي بالمشاكل دي كلها؟!
في اللحظة دي.. جرس الباب رن تاني.
المرة دي ما كانتش رنة العشم ولا رنة هدى. كانت ضرب متواصل على الباب العريض، ضرب يخلي القلب يقع في الرجلين.
أمي بصت للباب، ووشها اصفر:
— أهو شؤمك جه يا أحمد.. البنك وصل.
مشيت بجمود وفتحت الباب.
كان واقف بره راجلين بلبس رسمي، معاهم راجل ثالث بلبس الشرطة، وفي إيدهم ملفات أوراق رسمية صفرا.
الراجل اللي في النص بص في الورق وبعدين بص لي:
— الاستشاري أحمد محمود؟
— أيوه أنا.
— إحنا محضرين من محكمة جنوب القاهرة، ومعانا أمر تنفيذي عاجل بالحجز التحفظي على محتويات الشقة والتحفظ على العقار بناءً على الطلب المقدم من الممثل القانوني للسيدة منى عبد الرحمن، وبموجب أحكام الصكوك المالية والكمبيالات الموقعة من سيادتك لصالحها ولصالح بنك (م).
هدى صرخت من ورايا:
— حجز إيه يا باشا؟! الشقة دي فيها حاجاتي! أنا مراته التانية ولسه جاحية من إسكندرية مالهاش دعوة بالموضوع ده!
المحضر بصلها بنظرة جافة، وقرأ من الورقة:
— السيدة هدى عبد الملك؟
هدى اتبدلت ملامحها:
— أيوه.. أنا.
المحضر كمل قراءة:
— ومعانا كمان إحالة بالاستدعاء لسيادتك أمام النيابة العامة بتهمة التستر والتصرف في أموال مرهونة لصالح الغير، بناءً على الشكوى المقدمة من محامي السيدة منى، بتلقي مبالغ مالية وهدايا عينية أصلها مقتطع من أموال الشركة المرهونة للبنوك.
هدى وقعت الشنطة من إيدها، والعلب بتاعة الساعات طلعت بره الشنطة وتدحرجت على الأرض تحت جزمة الظابط.
الظابط انحنى وأخد العلب، فتحها وبص فيها، وبعدين بص لهدى:
— الساعات دي جزء من المشتريات اللي تم التحفظ على فواتيرها من المحل النهاردة الصبح. اتفضلي معانا يا مدام عشان توضحي موقفك في النيابة.
هدى بدأت تصرخ وتعيط هستيري:
— لأ! لأ يا أحمد اتكلم! قولهم إني ماليش دعوة! أنت اللي اشتريتهم لي! أنت اللي ضحكت عليا وقلت لي إنك غني! الحقني يا أحمد!
كنت واقف زي الصنم. بصيت لها وهي بتعيط.. نفس الوش اللي كنت بشوفه جماد من الجمال، كان شكله دلوقتي بائس ورخيص ومقزز.
قلت للظابط بصوت خالي من أي إحساس:
— هي مالهاش ذنب في الشركة يا باشا.. الساعات دي أنا اللي اشتريتها بفلوسي اللي سحبتها من الحساب المسقوف. أنا المسئول.
المحضر سجل الكلام في محضر رسمي، والظابط قال:
— تتفضل معانا هي الأول للنيابة لإبداء الأقوال، وأنت يا أستاذ أحمد قدامك 48 ساعة لسداد المبالغ أو العرض على النيابة لتنفيذ قرار الضبط والإحضار. والشقة دي ممنوع التصرف في أي حاجة فيها بدءاً من اللحظة دي.
هدى اتسحبت من دراعها وهي بتصرخ وتشتمني بأبشع الألفاظ، بتشتمني على الفلوس وعلى الـ 120 ألف جنيه وعلى الحظ الأسود اللي جابها في طريقي. خرجت من الباب وهي بتزق في العساكر، والباب اتقفل وراهم.
الشقة رجعت هادية تاني.
هادية زي المقبرة.
البيت الفاضي، التراب اللي مغطي الزوايا، وأمي اللي قاعدة بتبص لي والدموع نازلة من عينيها على البلوزة المتبهدلة.
مشيت ببطء، وقعدت على الأرض تحت رجلين أمي. حطيت راسي على ركبتها، زي ما كنت بعمل وأنا عيل صغير لما أهرب من الشارع بعد ما أتضرب.
أمي حطت إيدها الضعيفة على شعري.. إيدها كانت بترتعش، بس لمستها كانت أتقل من السياط.
— ضيعت نفسك وضيعتنا يا أحمد.. عشان إيه؟ عشان وهم؟
دموعي نزلت بجد المرة دي. دموع تحرق الوش.
— أنا آسف يا ماما.. أنا آسف.. أنا كنت فاكر إني مسيطر.. كنت فاكر إني بآمن نفسي.. كنت فاكر إن منى مش هتعرف وإن الدنيا هتمشي عادي..
أمي رفعت راسي بإيدها المتنافضة وخليتني أبص في عينيها:
— منى كانت شايلاها لك يا أحمد. كانت شايلاك وشايلة اسمك وبيتك وأمك المريضة. منى ما كانتش زوجة.. منى كانت السقف اللي حاميك من المطرة. وأنت بإيدك طلعت فوق السقف وقعدت تكسر في الخشب لحد ما المية غرقتاك وغرقتنا معاك!
سكت.. الكلام مات في زوري.
في اللحظة دي، تليفوني المكسور على الأرض رن تاني.
الشاشة كانت متدشمة، بس الصوت كان طالع واضح.
رفعت التليفون بحذر، خايف يكون المحامي، خايف تكون النيابة.. بس الرقم كان رقم مصري عادي.
فتحت الخط وحطيته على ودني:
— ألو؟
صوت راجل حاد، مليان كبرياء وقسوة، جاني من الناحية التانية. صوت طارق.. أخو منى الكبير.
— أحمد؟
— طارق؟ طارق إزاي الصحة؟ منى عامة إيه؟ بالله عليك يا طارق طمني عليها! أنا عرفت كل حاجة.. عرفت المرض والعملية.. قولي هي عامله إيه في ألمانيا؟!
طارق ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة تقطع النفس من جفافها:
— طالع فيك الروح فجأة يا أحمد؟ لسه فاكر إن ليك مراتي اسمها منى؟
— يا طارق أرجوك.. أنا مستعد أبيع هدومي، مستعد أتسجن، بس أعرف هي كويسة ولا لأ! أنا أذنبت في حقها وأنا عارف إني أحقر راجل في الدنيا، بس خليه تسامحني!
طارق اتكلم بصوت واطي وموزون، كل كلمة فيه كانت بتنزل زي المرزبة على دماغي:
— تسامحك؟ أنت فاكر منى سابت لك رسالة عشان تسامحك؟ منى خرجت من العملية الأولى من ساعتين يا أحمد.. العملية نجحت مبدئياً، والورم اتأصل.. بس الأطباء هنا قالوا إن حالتها النفسية هي اللي مخلية جسمها مش قادر يقاوم. منى ما بتبكيش.. منى ما بتشتكيش.. منى بتبص للسقف وساكتة.
بلعت ريقي وأنا بدعي في سري:
— طب خليني أكلمها! أرجوك حط التليفون على ودنها بس أقولها كلمتين!
طارق رد بقسوة:
— مش هتحصل يا أحمد. منى لما خرجت من الأوضة، أول كلمة قالتها لي هي: “لو أحمد اتصل.. قول له إن الشقة اللي هو قاعد فيها دلوقتي، هتتباع في المزاد العلني الأسبوع الجاي.. وقول له إن الأم اللي سابها أربع شهور يتعالج في المصحة اللي أنا حجزت لها فيها ومدفوع أجرها لمدة سنة قدام.. بس بشرط واحد.”
قمت وقفت على حيلتي من الصدمة:
— مصحة إيه؟! ومصحة ليه؟!
أمي بصلتي باستغراب وهي مش فاهمة الكلام.
طارق كمل:
— منى حجزت لأمك في أكبر دار رعاية لكبار السن والمرضى في التجمع.. مكان نظيف ومحترم وفيه دكاترة على أعلى مستوى، ومدفوع حسابه لسنة كاملة من فلوسها الخاصة.. عشان عارفة إنك مش هتقدر تصرف عليها ولا تعالجها بعد ما شركتك تفلس وتتسجن.
أنا اتسمرت مكانتي.
منى.. بعد كل اللي عملته فيها.. بعد الخيانة والمرض والسرقة والكدب.. كانت لسه بتفكر في أمي المريضة؟! كانت لسه بتأمن علاجها وأكلها عشان ما تترماش في الشارع بسببي؟!
طارق قال بجمود:
— الشري المرفوق مع الدار.. إن أمك تنقل هناك بكرة الصبح، وأنت ما تحطش رجلك في المكان ده ولا تشوفها غير بمواعيد زيارة زي أي غريب.. عشان ما تاخدش فلوس علاجها تصرفها على نسوانك!
— طارق! أنت بتقول إيه؟! دي أمي! إزاي تمنعني عن أمي؟!
— دي مش أمك أنت يا أحمد.. دي الست اللي صانت منى لما أنت خنتها. دي الست اللي عاشت معاها وجابت لها الدواء لما أنت كنت بتصرف فلوسها في إسكندرية. وأنت دلوقتي يا أحمد.. معندكش اختيار. يا إما توافق وأمك تروح المصحة وتتعالج، يا إما الشقة تتشمع بكرة وأمك تنزل معاك في الشارع وأنت رايح السجن!
التليفون كان هيقع من إيدي تاني.
بصيت لأمي.. أمي اللي كانت بتعيط وصوتها بيطلع بالعافية.
بصيت للصالة الخربانة.. للديون اللي حنقتني.. للشرطة اللي مستنياني بره.. للشركة اللي طارت.. وللمرأة الوحيدة اللي حبتني بحق، واللي نجت من السرطان بس سابتني أموت ببطء في جهنم اللي عملتها بنفسي.
مسكت التليفون بقوة، وقلت بصوت ميت، صوت إنسان مابقاش فاضل فيه أي حاجة يبكي عليها:
— موافق يا طارق.. موافق على كل شروطها. بس قولي كلمة واحدة من عندك أنت..
— عايز إيه؟
— هي.. هي قالت عني إيه تاني قبل ما تدخل العملية؟
طارق سكت لحظة.. وبعدين قال بصوت جاف زي الس\كينة:
— قالتلي: “أحمد كان فاكر إنه اتجوز عليا في السر.. وما كانش عارف إنه كان بيبني قبره بإيده.. وأنا بس قفلت عليه الباب وسبته جوه.”
الخط اتقفل.
قعدت على الكنبة المكسورة في الصالة.
أمي كانت بتبص لي بنظرة وداع..
وهدى كانت في النيابة بتلبس القضايا اللي أنا السبب فيها..
ومنى كانت في ألمانيا، بتشفى من المرض، وبتغسل إيدها مني للأبد.
والباب.. الباب خبط تاني.
المرة دي.. كانوا رجال البنك جايين يحطوا الشمع الأحمر على باب الشقة.
هل سيتنازل أحمد عن كبريائه ويستسلم للسجن، أم أن هناك سرًا آخر لم يكشفه طارق بعد عن ق\ضية التمويل؟ هل تريد استكمال الجزء الرابع والأخير؟
الشمع الأحمر اتثبت على باب الشقة.
صوت الخبط بالشاكوش على الخشب كان زي دقات طبول الجنازة. المحضر حط ختم الدولة على الباب بعد ما خرجنا أنا وأمي للشارع.
كنت واقف في مدخل العمارة، إيد شايلة الشنطة الوحيدة اللي سمحوا لنا نطلع بيها من الهدوم الشخصية، والإيد التانية ماسكة مقبض الكرسي المتحرك اللي قاعدة عليه أمي.
الشارع كان زحمة، الناس رايحة وجاية، والشمس بدأت تغرب وتبعت أشعة حمرا باهتة على الوشوش. محدش كان داري بالخراب اللي جوه صدري.
عربية إسعاف خاصة وصلت بعد نص ساعة.
نزل منها ممرضين ببالطو أبيض، معاطفهم نظيفة ووشوشهم مبتسمة بهدوء. اتعاملوا مع أمي بكل احترام وأدب، رفيعوها بالكرسي وركبوها العربية.
أمي بصت لي من شباك العربية، عينيها كانت مليانة كلام كتير.. كلام عتاب، ورحمة، وحزن مش ينتهي.
— مش هتيجي معايا يا أحمد؟
صوتها كان ضعيف، طالع بالعافية مع صوت موتور العربية.
قربت من الشباك، بست إيدها المحاطة بالأوردة الزرقا، وقلت بصوت مخنوق:
— مش ينفع يا ماما.. طارق اشترط كده. إنتِ رايحة مكان أنضف بكتير، مكان هيهتموا بيكي وبأدويتك صح.. المكان اللي منى اختارتهولك.
أمي سحبت إيدها ببطء، وغطت وشها:
— ربنا يهديك يا ابني.. ربنا يسامحك على اللي عملته في نفسك وفينا.
العربية تحركت، وأنا فضلت واقف في الشارع لحد ما إشارات العربية الاختفت في وسط زحمة القاهرة.
في اللحظة دي، بقيت لوحدي تمامًا.
ما بقاش معايا غير شنطة هدوم، وتليفون مكسور الشاشة، وميعاد مع النيابة كمان بكرة الصبح لورود قرار الضبط والإحضار، وبقايا رجل كان فاكر نفسه سيد القرار.
مشيت في الشوارع بغير هدى.
كل خطوة كانت بتفكرني بمنى.
هنا كنا بنشتري مستلزمات البيت.. هنا قعدنا في كافيه صغيّر أول سنة جواز ونضحك على طموحاتنا البسيطة.. هنا هي وقفت في البرد عشان تستناني لما تليفوني فصل وشحني فضي.
كانت دايماً الست اللي بتغطي عيوبي، الست اللي بتشيل عني الهم قبل ما أحس بيه. وأنا؟ أنا كافأتها بإني دورت على “هدى”.. دورت على القشور والرخص والمظاهر الكدابة!
ساعاتي مرت زي الكابوس.
قضيت الليل على بنش في حديقة عامة قريبة من شقتنا القديمة. ما قدرتش أنام ولا لحظة. البرد كان بياكل في عظيمي، بس البرد اللي جوه قلبي كان أشد وألعن.
أول ما الشمس طلعت، أخدت نفسي ومشيت على رجلي لمقر النيابة العامة.
كنت عايز النهاردة يخلص.. أي حتة، أي سجن، أرحم من الحبس اللي أنا عايشه جوه دماغي.
دخلت المجمع القضائي.
الزحمة والوشوش المتوترة، صوت الكلبشات وصوت المحامين وهم بيجروا بالملفات.
قعدت في الممر المظلم قدام مكتب وكيل النيابة، مستني دوري.
بعد ساعتين، العسكري ندى باسمي:
— المتهم أحمد محمود!
قمت وقفت، عدلت قميصي المجعد، ودخلت.
النيابة كانت غرفة واسعة، وكيل النيابة قاعد ورا مكتبه وجمبه ملفات ضخمة، وعلى الكرسي اللي قباله.. كانت قاعدة هدى!
هدى كانت شكلها متبهدل تمامًا.
النظارة الشمسية تختفي، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد رهيب. كانت بتعيط بإنهاك، ومعاها محامي بيحاول يهدّيها.
أول ما شافتني، قامت وصرخت:
— أهو جه يا باشا! هو ده اللي ضحك عليا! هو ده اللي خد الساعات ودبسني في المصيبة دي! أنا ماليش دعوة بشركته ولا بفلوس مراته!
وكيل النيابة خبط على المكتب بصرامة:
— اقعدي يا مدام! مش عايز صوت!
هدى قعدت وهي بتبص لي بنظرة كره وغل صافي.
نفس العيون اللي كانت بتبص لي بحب مزيف لما كنت بشتري لها الهدايا، بقت دلوقتي شايفاني الشيطان اللي دمر حياتها.
وكيل النيابة بص لي وسأل بجمود:
— أنت المتهم أحمد محمود؟
— أيوه يا فندم.
— المذكورة هدى عبد الملك مقدم ضدها بلاغ بالتستر والمشاركة في التصرف في أموال مرهونة للبنوك، والساعات اللي ضبطت معاها ثمنها 120 ألف جنيه مسحوبة من الحساب الجاري الموقوف لشركتك. إيه أقوالك؟
قربت من المكتب، وبصيت لوكيل النيابة بثبات خالي من أي خوف:
— يا فندم.. الأستاذة هدى مالهاش أي علاقة بأي شغل أو حسابات. أنا اللي اتجوزتها في السر، وأنا اللي خبيت عليها إن شركتي مديونة وبتفلس، وأنا اللي اشتريت الساعات دي من حساب الشركة عشان أثبت لها إني مقتدر. هي ما كانتش تعرف مصدر الفلوس، ولا تعرف إن الحساب مرهون. أنا المسؤول المسئولية الكاملة عن كل قرش اتصرف، ومستعد لأي عقوبة.
هدى بصت لي بصدمة، محاميها اتنفس براحة وبدأ يكتب أقواله بسرعة.
وكيل النيابة بص لي بنظرة تفحص، وبعدين قلّب في الورق قدامه:
— كلامك ده معناه اعتراف صريح بالتبديد والتصرف في أموال محجوزة إدارياً، وده يحطك تحت طائلة عقوبة السجن المشدد.
ـ أنا جاهز لأي حكم يا فندم.
وكيل النيابة سكت لحظة، وبعدين مسك ورقة بيضا كانت محطوطة على جنب، وقال بنبرة هادية غريبة:
— بس فيه حاجة جديدة دخلت الق\ضية الصبح ده.
رفعت راسي باستغراب:
— حاجة إيه يا فندم؟
فتح الملف وطلع منه إقرار رسمي معتمد من الشهر العقاري، وتنازل قانوني صريح:
— الأستاذ الأستاذ طارق عبد الرحمن، بصفته موكلاً عن السيدة منى عبد الرحمن، قدم للنيابة من ساعة واحدة تنازل رسمي عن الشق الجنائي في بلاغ التبديد الموجه ضدك وضد المتهمة التانية.. بعد ما تم سداد كامل المبلغ المستحق للبنك والمرتبط بالساعات والمشتريات الشخصية من حسابها الخاص.
اتسمرت في مكاني.
ريقي جف تمامًا:
— سددت الفلوس؟! منى سددت المية وعشرين ألف جنيه؟!
وكيل النيابة هز راسه بإيجاب:
— أيوة. الأستاذ طارق سدد المبلغ للبنك، وفك الحجز الجنائي عن الق\ضية دي بالذات. وبناءً عليه، النيابة قررت إخلاء سبيل المتهمة هدى عبد الملك بضمان محل إقامتها، وإخلاء سبيلك أنت كمان من الشق الجنائي ده.. لكن يتبقى عليك القضايا المدنية الخاصة بالشركة والمزاد العلني لبيع الشقة والشركات لسداد باقي الديون.
هدى قامت تنط من الفرحة، محاميها أخدها وخرجوا بسرعة من الأوضة من غير ما تبص لي حتى بصة واحدة، ولا تقول كلمة شكر واحدة!
خرجت زي القطة اللي هربت من المصيدة، وسبتني واقف قدام وكيل النيابة، مش قادر أستوعب الحقيقة.
منى.. منى اللي أنا خنتها وبعتها.. أنقذتني من السجن!
أنقذت هدى من الحبسة!
أنقذتنا من الفضيحة بالفلوس اللي كانت هي أولى بيها لعلاجها!
سألت وكيل النيابة بصوت بيرتعش:
— ليه يا فندم؟ هو طارق ساب أي جواب أو سبب للتنازل ده؟
وكيل النيابة طلع ورقة صغيرة مرافقة للتنازل، وقال:
— الأستاذ طارق أرفق الملاحظة دي مع التنازل، وقال إنها وصية السيدة منى قبل ما تدخل العناية المركزة.
مسكت الورقة بكتف متراخي وإيد بترتجف.
كان خط طارق، كاتب فيه جملة واحدة نقلاً عن منى:
“أنا ما سددتش الفلوس عشان أنقذك من السجن يا أحمد.. أنا سددتها عشان ما يبقاش ليك عندي أي فضل ولا يبقى بيني وبينك أي دين في الدنيا ولا في الآخرة. سددت الفلوس عشان أقطع آخر فتلة كانت ربطاني بيك، وأسيبك بره السجن.. عشان الشارع والمزاد والفقر والندم يعملوا فيك اللي السجن مش هيعرف يعمله.”
نزلت الورقة من إيدي.
النيابة أنهت الإجراءات، وخرجت للشارع مرة تانية.
بعد أسبوع واحد..
قفت في الشارع تحت العمارة القديمة.
كان فيه لافته كبيرة متعلقة على الباب الرئيسي: “شقة للبيع بالمزاد العلني بأمر المحكمة”.
المزاد بدأ، والمشترين والتجار اتجمعوا في الصالة المكركبة اللي شهدت على كل أيامي مع منى.
كنت واقف في الزاوية، شايف الناس بتتفرج على الدواليب الفاضية، على الصالون اللي قعدنا عليه، على الحيطان اللي منى اختارت ألوانها بنفسها.
كل حاجة في حياتي كانت بتباع بأرخص الأسعار قدام عينيا.
الشركة راحت، الشقة اتباعت، العربيات اتحفظ عليها، والحسابات اتصفرت.
وبعد ما المزاد خلص والناس مشيت، خرجت من العمارة وأنا معاييش غير هدومي ورصيد بسيط في جيب البنطال لا يكفي غير إيجار أوضة صغيرة فوق سطوح في منطقة شعبية.
بعد ست شهور..
أنا دلوقتي شغال أوفيس بوي ومندوب مبيعات بسيط في شركة صغيرة في ضواحي الجيزة.
بركب الاتوبيس كل يوم الصبح، بشتغل 12 ساعة عشان أقدر أوفر مصاريفي اليومية وأدفع إيجار الأوضة اللي عايش فيها.
مراتي التانية هدى؟
سمعت إنها اتجوزت رجل أعمال كبير بعد قتضيتها بأسبوعين.. مسحتني من ذاكرتها وكأنها ما عرفتنيش في يوم من الأيام.
وأمي؟
بروح أزورها كل يوم جمعة في دار الرعاية بالتجمع.
أمي أكلها وشربها وعلاجها منتظم، الدكتور بيقول إن حالتها الصحية تحسنت كتير.
أمي بتقعد معايا في الجاردن بتاعة الدار، بتتكلم معايا بحنان الأم، بس عينيا دايماً بتشوف النظرة اللي بتفكرني بالأصل: إن اللي بيدفع ثمن الأمان ده كله.. هي منى.
أما منى..
طارق بيكلمني مرة كل بضعة أشهر، مكالمة رسمية مدتها دقيقة واحدة فقط.
آخر مكالمة كانت من شهر.
ـ ألو يا طارق؟ منى عاملة إيه؟
طارق رد بصوت هادي، صوت خالي تمامًا من أي غضب، وده كان أصعب من الغضب نفسه:
— منى خفت يا أحمد. الورم اتأصل تماماً، وأنجزت أول مرحلة من العلاج الفيزيائي، ورجعت لشغلها في ألمانيا وبقت شريكة في دار ترجمة كبيرة هناك.
دموعي نزلوا بهدوء:
— الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. هي.. هي افتكرتني أو سألت عني؟
طارق سكت لحظة، وبعدين قال بكل برود:
— لأ يا أحمد. منى نسيت اسمك أصلاً. دكتور التخاطب النفسي هناك قال إنها مسحت الأربع سنين الأخيرة من حياتها كأنهم ما حصلوش. منى عايشة حياتها بابتسامة جديدة، وروح جديدة، وكأنك كنت مجرد عَرَض جانبي لمرض وهي خفت منه بالكامل.
الخط اتقفل.
قعدت على الأرض في الأوضة السطوح، التليفون في إيدي، وصوت الهواء بيلعب في الشباك المكسور.
بصيت لإيديا المتربة من الشغل.. وافتكرت الساعتين اللي اشتريتهم بـ 120 ألف جنيه عشان أرضي غروري.
افتكرت الخيانة، والكدب، والتكبر اللي كان عميني.
أنا دلوقتي حر.. بره السجن، بتنفس، وبمشي في الشارع.
بس الحقيقة؟
أنا مسجون جوه زنزانة مالهاش قضبان.. زنزانة اسمها “الندم”.
كل ليلة، لما بحط راسي على المخدة القاسية، بفتكر كلمتها الأخيرة:
“أنا بس قفلت عليه الباب.. وسيبته جوه.”
وفعلاً.. منى قفلت الباب على حياتي القديمة، وراحت تعيش حياتها..
وأنا فضلت جوه القبر اللي بنيته بإيديا، بعاني كل يوم، وعارف إن أشد أنواع العقاب.. مش إنك تتسجن، العقاب الحقيقي إنك تعيش حُر.. وأنت عارف إنك ما تستاهلش الحياة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *