الساعة كانت حكايات رولا
— أيوا يا حبيبتي.
— ومافيش ناس كتير هيجوا يناموا في أوضتي تاني؟
دموعي جرت في سري.. ما كنتش فاكرة إن بنتي كانت متضايقة ومتحملة كل ده.
— لا يا قلب ماما.. أوضتك دي بتاعتك أنتِ وبس.
حضنتني بقوة.. وفي الليلة دي، أنا نمت أنضف وأحلى نومة نمتها من أربع سنين.
تاني يوم كلمت المحامية بتاعتي عشان نبدأ في إجراءات الطلاق.
أنا ما باعتش الشقة كرد فعل مكالمة طنط هدى.. المكالمة دي بس كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير وعجلت باللي كنت مرتبة له بقالي شهور.
كنت جمعت فواتير وسحوبات بنكية وتحويلات.
لما جمعت الأرقام، اتصدمت!
أنا كنت صارفة أكتر من 200 ألف جنيه على أهله وسلفياتهم وعزوماتهم ومصاريفهم طوال أربع سنين.
غير بقى تنازلي عن راحتي، ووقتي، وكرامتي، وحقي إن أقول “لا”.
رفعنا قضية الطلاق.
حازم كلمني بالليل:
— أنتِ بجد هتهدي بيتك يا مريم؟
— البيت اتهد من زمان يا حازم.
— أنا هتغير!
— هتتغير عشان عرفت غلطتك؟ ولا عشان الشقة راحت والسبوبة اتفضت؟
سكت وما عرفش يرد.
— مريم.. اديني فرصة تانية.
— أن أديتك أربع سنين كاملين فرصة.
— أمي بتقول إن آسر هو اللي لعب في دماغك.
ضحكت بصوت واطي:
— طبعاً.. أمك ديماً محتاجة تلاقي شماعة ترمي عليها أخطائها!
— أنتِ معاه؟
— لا.. أنا مع نفسي ومع بنتي.
وده كان صح. آسر بعتلي مسج واحدة بس بعد حادثة العربية: “أتمنى تكوني أنتِ وفريدة بخير.. مش محتاجة تردي”.
ما طلبش يخرج معايا، ما استغلش ظروفي، ما حاولشيعمل فيها البطل.. وده خلاني أحترمه أكتر وأفتكر أصله الطيب.
اللي حصل في شقة طنط هدى ما كملش 48 ساعة.
عم طارق وعيلته أخدوا شنطهم ورجعوا إسكندرية متغاظين.. لما اكتشفوا إن “الفشخرة والغننى” بتاعة حازم كانت مجرد وهم مدفوع من جيب مراته!
ولما هدى قالت لهم الشقة ضيقة وما فيش مصاريف، حصلت خناقة كبيرة في الطرقة وعم طارق قالها: “أنتِ ضحكتِ علينا وقلتِ ابنك مريّش! طلع قاعد في شقة مراته وراجع لك بـ 6 كراتين!”.
عم طارق اضطر يبيع موتوسيكل عنده واستلف من عياله الكبار عشان يدفع تمن تصليح عربية آسر للتأمين.. سبحان الله! لما الشيلة أترمت عليهم، عرفوا يتصرفوا ويحلوا مشاكلهم من غيري!
حازم قعد مع أمه كام أسبوع، وكانت العيشة بينهما جحيم.
لأول مرة بقى مطلوب منه يدفع نور وماية وأكل وشرب لأمه من مرتبه الصافي، واكتشف المفاجأة الكبرى:
الفلوس اللي كان بيبعتها لأمه طول السنين دي ما كانتش متشالة ولا متصانة زي ما كانت بتقول له.. أمه كانت بتوزعها على قرايبها وإخواته!
لما جه يحسب معاها الفلوس، ما لقاش غير فتافيت!
حازم قابلني بعد كام شهر في كافيه عشان أوراق تخص فريدة والمدرسة.
كان شكله متجرف، خاسس وتعبان.. وما بقاش فيه الغرور بتاع زمان.
— كان عندك حق يا مريم.. ياريتني ما عملت كده.
— وأنا كمان ياريتني ما صبرت كل ده.
— أنا كنت فاكر إن البر بالوالدين معناه أوافق على كل حاجة وأهد بيتي.
— ونسيت إنك أب وزوج ومسؤول عن عيلة.
هز راسه وهو بيعيط:
— سامحيني يا مريم.. أنا مش هطلب منك ترجعيلي، أنا بس عايزك تسامحيني.
لأول مرة ما قالش “بس”، وما رمىش اللوم على أمه ولا على عمه ولا على آسر.
— مسامحاك يا حازم.. بس التسامح مش معناه إننا نرجع.
— عارف.
الطلاق تم بهدوء بعد كدا، وحازم بقى ملتزم بمصاريف فريدة وبيشوفها بانتظام.. لما شال المسؤولية غصب عنه، بدأ يفهم يعني إيه يكون أب بجد مش مجرد كلمة.
آسر بدأ يرجع لحياتي بالتدريج.. خطوة خطوة، من غير استعجال.
قهوة.. بعدها غداء.. وبعدها بشركة في المعارض.
عمره ما جاب سيرة حازم بالوحش، ولا استغل نقط ضعفي.
في يوم كنا قاعدين في البلكونة، سألته:
— آسر.. أنت ليه اشتريت الشقة دي بجد؟
ابتسم وقال:
— استثمار ممتاز يا مريم.
— آسر!
ضحك وقال:
— بصراحة.. لما عرفت إنها شقتك، افتكرت مريم بتاعة زمان.. البنت القوية اللي بتقول رأيها بصراحة وما بتسمحش لحد يركبها أو يفرضه عليها.
بصيت للشارع وقلت:
— مريم دي اختفت من زمان أوي.
— لا.. ما اختفتش، كانت بس تعبانة ومحتاجة ترتاح.
الكلمة دي لمست قلبي.
أنا قعدت فترة ألوم نفسي.. ليه سكتّ؟ ليه دفعت؟ ليه سمحت لهم؟
لحد ما فهمت إن جلد الذات مش هيغير اللي فات. أنا غلطت لما افتكرت إن التضحية المطلقة هي الحب، ولما خفت أقول “لا” عشان ما أطلعش شريرة.
بس أنا كمان اللي وقفت وقالت “كفاية”.
أنا اللي حبتها، وأنا اللي حفظت حقي وحق بنتي، وأنا اللي بعت الشقة، وأنا اللي قفلت الباب في وش الاستغلال.
النهاردة أنا عايشة في شقتي بالمعادي.
مش قصر، ومافيش جنينة، بس فيها راحة بال تسوى ملايين.
فريدة ليها أوضتها، وأنا ليا وقتي وراحتي وكرامتي.
واتعلمت أهم كلمة في الدنيا: “لا”.
لا مش هقدر أسلفك.