طليقي ابن الاكابر

طليقي ابن الأكابر قعد جنبي بالقصد في الطيارة في درجة رجال الأعمال عشان يشمت فيا ويتمنظر عليا. بس أول ما وصلنا، تلات عيال زي الورد نزلوا من عربية مرسيدس آخر موديل كانت مستنياهم عند المطار، وجريوا على حضني وهم بيصرخوا: “ماما!”
بعد خمس سنين من طلاقنا، كريم بيه الشناوي قعد جنبي عن عمد في كراسي الدرجة الأولى، كان هيموت ويفرّجني على العيشة والنعيم اللي فاكر إنهم فاتوني لما سبته. كان فاكرني لوحدي وتعبانة، ومقتنع إن كل سنة عدت من وقت ما اطلقنا وأنا ندمانة وأكل صوابعي ورايا عايشة في حسرته.
مكانش عنده أدنى فكرة إن أول ما رجلي تلمس أرض شيكاغو، تلات عيال صغيرين هيجروا عليا من عربية مرسيدس واقفة مستنيانا بسواق—وإن الحقيقة اللي رفض يشوفها من خمس سنين هتهد كل أوهامه وظنونه في لحظة.
أنا اسمي أسماء، وكريم كان آخر شخص في الدنيا أتوقع أقابله الصبح ده.
أول ما دخل كابينة الدرجة الأولى وقعد، عرفته من ريحة برفيومه على طول.
خمس سنين عدوا، بس في ناس بتسيب جواك جروح عمر الأيام ما بتداويها.
عنينا جت في عين بعض لثانية واحدة.
وبعدين ملامحه قلبت برود وقرف.
برطم وقال: “لأ مش ممكن، إحنا هنهرج؟”
قفلت الرواية اللي كانت في إيدي.
”صدقني يا كريم، لو كنت أعرف إنك هتركب الطيارة دي، كنت سافرت بأي وسيلة تانية.”
كم راكب من اللي حوالينا بصوا علينا.
وكريم شكل اللقطة والمنظرة قدام الناس عجبته.
المضيفة بصت في التذكرة وقالت: “يا فندم، الكرسي بتاعك…”
قاطعه بكبرياء: “أنا عارف مكاني كويس.”
ولمفاجأتي، رمى نفسه على الكرسي اللي جنبي، رغم إن كان في أماكن تانية كتير فاضية ومريحة.
قلتله: “على فكرة في كراسي تانية فاضية عن هنا.”
رد ببرود: “عاجبني هنا.”
”طب قاعد هنا ليه؟”
ابتسم ابتسامة صفرا وقال: “خمس سنين من السكوت.. قلت نقعد ونشوف الأيام عملت فيكي إيه.”
أنا دورت وشي ناحية الشباك وبصيت على السحاب.
”إنت طول عمرك بتلخبط بين القسوة والوجاهة.”
رد عليا: “وإنتي طول عمرك بتلخبطي بين الخبث والبراءة.”
نفسي اتكتم.
أهو رجع تاني لنفس الإسطوانة.
الاتهام الظالم اللي دمر حياتنا وبيت الهنا.
من خمس سنين، أنا وكريم كنا من أشهر وأنجح الكوبلز في دايرة البيزنس. هو كان الشاب صاحب شركات الطاقة الشمسية، وأنا كنت المهندسة اللي أبحاثها ومشاريعها هي اللي قومت التكنولوجيا والشركات دي على رجليها وكانت سبب نجاحه.
كنا مع بعض في كل حته.
حوارات في المجلات الكبيرة.
حفلات خيرية في الفنادق.
مؤتمرات ومقابلات تليفزيونية.
الناس كانت بتحسدنا وتقول علينا ثنائي مبيتهدش.
لحد ما سوء تفاهم واحد هد البيت فوق دماغنا.
كريم لقى رسائل على تليفوني.
رسائل ترجمها بشكه ومرضه لشكل وحش.
رسائل مسمحليش حتى بأمارة واحدة أشرحاله هي إيه ولا بتاعة مين.
لسه فاكرة وقفتي في شقتنا والمدينة منورة ورايا من الشباك.
كان بيزعق وعنيه حمرا: “مين ده؟ ينطق!”
قلتله والدموع في عيني: “مفيش حد تاني والله العظيم، ده…”
قاطعني: “أومال إيه الكلام ده؟ اشرحيلي!”
بس هو كان خلاص قرر يصدق الشك اللي في دماغه.
مكانش بيدور على الحقيقة.
كان بيدور على أي حاجة تثبت الظن الأسود اللي مالي عقله عشان يكسرني.
بعدها، المحامين بقوا هم لغة الحوار الوحيدة بينا.
الأمان اتعدم.
وجوازنا انتهى بورقة طلاق.
ودلوقتي، بعد خمس سنين، قاعدين كتفنا في كتف على ارتفاع آلاف الأقدام في الجو.
بعد سكوت طويل، كريم قال: “إنتي فص ملح وباب.”
”شفت حياتي ومستقبلي.”
”من غير ما تطلبي مؤخر ولا مليم واحد من فلوسي.”
”أنا عمري ما عوزت قرش من فلوسك، أنا اللي عملتلك كيريرك أصلاً.”
الرد ده هزّه وبان عليه الضيق والغل، لأن كلمتي جت في الجرح.
بقية الطريق، السكوت كان تقيل ومخنق بينا، مبيقطعهوش غير وجع قديم مفيش حد فينا راضي يعترف إنه لسه منسيش.
