مين السبب صافى هانى الثانى والاخير

دخل حمايا وعمي وأولاده، البيت فجأة اتملى بحركتهم وصوت ضحكهم، ووائل واقف مكانه زي الصنم، عينه مبرقة ومثبتة على شاشة الموبايل اللي في إيدي، واللون هرب من وشه تماماً لما شاف أول لقطة للظرف المفتوح والورقة المسفرة.

​حماتي لفت وشها بسرعة ناحية الباب وبدأت ترحب بيهم بصوت عالي ومرعوش عشان تداري: “أهلاً يا أبو وائل.. خطوة عزيزة يا أبو فاروق، منورين يا جماعة، ادخلوا ادخلوا الصالة!”

​بس وائل مكنش معاهم.. كان باصصلي ونفسه بيعلو ويهبط، وعروق رقبته بدأت تظهر.. قرب مني خطوة وبصوت واطي زي فحيح الأفعى قال: “هاتي الموبايل ده.. هاتي الزفت ده هنا بدل ما أكسر دماغك”.

​رجعت خطوة لورا، وبصيت لحمايا ولعمي اللي لسه بيدخلوا ويغيروا جزامهم عند الباب، وبمنتهى القوة اللي كنت متبنجة ومنعاها تطلع تلات سنين، رفعت صوتي وقولت وسط الصالة والكل بيسمع: “تعالوا يا جماعة.. اتفضلوا، كويس إنكم جيتوا بدري قبل العزومة، عشان وائل وطنط هدى مجهزينلكم مفاجأة بقالها اتنين وعشرين سنة مستنية تتفتح!”

​حماتي شهقت ووشها اتقلب أصفر زي الليمونة، وجريت عليا وهي بتحاول تقفل بوقي بإيدها وتقول بصوت مهزوز: “اسكتي يا بت أنتي.. أنتي اتجننتي؟”

​في اللحظة دي، وائل فقد أعصابه تماماً، ومد إيده بكل غل وزقني جامد عشان يتخطف الموبايل، رجلي اتكعبلت في السجادة ووقعت على طربيزة القزاز اللي في الصالة، القزاز اتدشدش مية حتة وصوت الارتطام هز البيت كله..

​عمي وحمايا جريوا علينا بذهول، ووائل واقف فوقيا ونفسه قاطع وهو ماسك الموبايل، والكل مبرق ومش فاهم حاجة.. وأنا في وسط الدم اللي بدأ يسيل من إيدي وقزاز الطربيزة المحاوطني، رفعت راسي وبصيت لحمايا وقولتله بصرخة زلزلت الصالة: “ابنك مابيخلفش يا عمي! ابنك معندوش حيوانات منوية من وهو عنده حداشر سنة.. والست هانم أمه كانت مرتبة تجوزني ليه عشان تخليني أحمل من بره وتلبسهملكم.. الورق القديم والجديد في شنطتي أهو!”

​كل العيون لفت في ثانية واحدة وبصت لحماتي ولوائل اللي الموبايل وقع من إيده على الأرض واتكسر.. وحمايا ملامحه اتقبضت وبدأ يقرب من مراته وابنه بخطوات مرعبة وهو بيسأل بصوت زي الرعد: “الكلام ده صح؟”حماتي رجعت لورا خطوتين وضهرها خبط في الحيطة، كانت بتنهج وكأن الهوا سحبوه من الأوضة، وعينها بتروح وتيجي بين حمايا وبين وائل اللي وشه بقى أبيض زي الكفن ومبقاش قادر ينطق بنص كلمة.

​حمايا قرب من وائل ومسكه من لياقة قميصه بكل غل وهزه بعنف وهو بيصرخ في وشه: “انطق! الكلام اللي بتقوله البت دي صح؟ رد عليا بدل ما أقسمك نصين!”

وائل سكت، نزل راسه في الأرض ودموعه نزلت، والسكوت ده كان أكبر اعتراف.

​في اللحظة دي، عمي سابهم وجري عليا، شالني من وسط القزاز المكسور وهو بيسمي الله، وإيدي كانت بتنزف جامد، بس الوجع اللي في قلبي كان خلاص اختفى وحل محله شعور غريب بالانتصار.. عمي زعق فيهم وهو شايلني: “حسابكم معايا بعدين، البت هتموت في إيدي!”

​وحنا خارجين من باب الشقة، ولمحت حماتي وهي بتجري على حمايا وبتبوس إيده ورجليه وبتبكي بصوت مسرسع: “عشان أداري على ابنك يا أبو وائل! عشان ميبقاش مكسور وسط رجالة العيلة! أنا عملت كل ده عشان اسمك أنت!”

​حمايا زقها برجليه وقعها على الأرض، وصوته هز جدران العمارة كلها وهو بيحلف: “ورقة طلاقك وطردك من البيت ده هتوصلك قبل ما الفجر يـشق، أنتي وابنك المخصي اللي عيشتوني في كدبة!”

​عمي نزل بيا جري على السلم، ركبني عربيته وطلعنا بأقصى سرعة على المستشفى.. طول الطريق كنت باصة لكف إيدي اللي غرقان دم، ودموعي بتنزل بس المرة دي دموع راحة، كأني كنت مسجونة وتلات سنين والنهارده بس خرجت للنور وبقيت حرة.

​الدكاترة خيطوا الجرح وربطوا إيدي، وعمي كلم أبويا وأمي وجوا جري على المستشفى وهما مش فاهمين حاجة، ولما عمي حكالهم، أبويا قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبقى يبكي بحرقة على اللي جرالي، وأمي خدتني في حضنها وهي بتعتذرلي إنها صدقتهم في يوم من الأيام.

​عدى يومين وأنا قاعدة في بيت أبويا، تليفوني مبيفصلش رن من وائل ومن حماتي، بس أنا كنت عاملاهم بلوك من كل حتة، لحد ما في اليوم الثالث، الباب خبط..

أبويا فتح الباب، ولقينا حمايا واقف بره، وشه كان عاجز وخاسس النص، وفي إيديه شنطة سودا كبيرة.

​دخل وقعد في الصالة ونزل راسه في الأرض قدام أبويا وقال بصوت مكسور: “أنا جايب حق بنتك لحد عندها.. دي شنطة هدومها وده دهبها، ومؤخرها ونفقتها كاش في الظرف ده.. ووائل طلقها غيابي النهارده الصبح”.

​أبويا بص للفلوس والدهب وقال بحسم: “إحنا مش عايزين منكم مليم، بنتي كرامتها رجعتلها وده بالدنيا”.

حمايا بـصلي والدموع في عينه وقال: “سامحيني يا بنتي.. أنا مكنتش أعرف بجرمهم، بس وائل وأمه دفعوا التمن.. أنا طردت هدى بالهدوم اللي عليها ورميتلها يمين الطلاق، ووائل ساب الشغل والبلد كلها ومحدش عارف طريقه فين من كتر الفضيحة وسط العيلة”.

​حسيت بنار جوايا انطفت، الظلم ظلمات، وربنا جابلي حقي في تلات أيام بس بعد تلات سنين ذل وقهر.

​مرت الشهور، وأنا بدأت أرجع لنفسي، نزلت شغلي، وضحكتي رجعت تنور وشي تاني، ونسيت كل الوجع ده وكأنه كان كابوس وصحيت منه.. لحد ما بعد سنة كاملة، كنت واقفة في السوبر ماركت بشتري طلبات، وفجأة سمعت صوت طفل صغير بيعيط وبيقوم من الأرض بعد ما اتكعبل..

​قربت منه وبصيت لوشه، وفجأة قلبي انقبض وعيني وسعت من الصدمة لما لمحت الست اللي واقفة وراه وبتشيله.. الست دي كانت طنط هدى! بس مكنتش لوحدها.. وائل كان واقف جنبها، وفي إيده اليمين بيبونة أطفال، وإيده الشمال لافة حوالين وسط واحدة تانية حامل في الشهر السابع!

 

الدنيا لفت بيا والرفوف اللي حواليا بدأت تتهز، عيني جت في عين وائل اللي اتسمر مكانه والبيبونة وقعت من إيده على الأرض، وحماتي أول ما شافتني شهقت وخدت الواد الصغير في حضنها وكأنها بتداريه مني، والست الحامل اللي معاه بصتلنا باستغراب وهي مش فاهمة في إيه.

​تلات ثواني كأنهم سنة كاملة، شريط الوجع كله عدا قدام عيني، وفي وسط ذهولي لمحت بطن الست المنفوخة، واقترن المشهد بجملة حماتي القديمة: “هاتي عيل لوائل بأي طريقة”.

​الغل اللي جوايا اتمحى وبقى بداله قرف واشمئزاز، وبصيت لوايل اللي كان باصص في الأرض من الكسوف والخزي، وقربت منهم خطوتين بمنتهى البرود، عيني جت في عين الست الغلبانة اللي واقفة جنبه وقولتلها بصوت هادي ومسموع: “مبروك يا حبيبتي.. بس نصيحة لوجه الله، ابقي خبي الورقة المسفرة اللي في درج الكومودينو التحتاني عشان الخطة متكشفش بدري!”

​حماتي وشها جاب مية لون وصوتها طلع مرعوش: “أنتي.. أنتي بتخرفي بتقولي إيه؟ امشي من هنا!”

أنا مبصتلهاش أصلاً، لفيت ضهري وبدأت أمشي وأنا بضحك من قلبي، صوت خطواتي كان عالي وثابت، وسبتهم ورايا والست بدأت تزعق وتستجوب وائل وسط المحل وصوته وهو بيحلف كدب بدأ يعلى.

​خرجت للشارع، ونفست الهوا بالجامد لأول مرة وكأن الرئة بتاعتي اتملت أكسجين حقيقي، ربنا مبيسبش حق حد، والكدب حباله قصيرة وبتلف في الآخر حوالين رقبة صاحبها.

​ركبت عربيتي، وشغلت الكاسيت على أعلى صوت، ودست بنزين وأنا بسيب الماضي كله ورايا باللي فيه، رايحة للمستقبل اللي بيبتسم لي من جديد، وأنا كلي يقين إن اللي جاي هيبقى عوض كبير أوي من ربنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *