سبت كليتى

بعد الظهر، لقيت الباب بيخبط.. خبط متواصل ومرعوب. فتحت، لقيت أمي واقفة في الممر، وشها أصفر زي الليمونة، وجنبها شهد حاطة إيدها على بطنها ولابسة نظارة شمس مغطية نص وشها عشان محدش يعرفها.

أمي زقت الباب ودخلت وهي بتلهث:

— أنتِ قافلة تليفونك ليه؟! بنموت وأنتِ قاعدالي هنا في التكييف والراوقان؟!

شهد دخلت وراها ورميت نفسها على أول كرسي، وكانت بتعيط بتكتيم، مش قادرة تبص في عيني.. البنت اللي كانت فاكرة إن العالم تحت جزمته، طالعة دلوقتي مكسورة ومش باين منها غير الخوف.

قفلت الباب ببرود وقلت:

— خير يا أمي؟ إيه اللي جابكم هنا؟ وعرفتوا مكاني إزاي؟

أمي صرخت بصوت مكتوم:

— جابنا الشارع يا مريم! أختك انضحك عليها! الواد اللي كانت ماشية معاه في إسكندرية، أول ما عرف إنها حامل وفقدت شغلها بسبب البوست بتاعك، فص ملح وذاب! غير أرقامه وقفل شقته وهرب! أختك ملهاش غيرنا.. دي عرضنا ومرفوعة راسنا!

بصيت لشهد وقلت بنبرة هادية جداً:

— البوست بتاعي ما تبلاش عليها.. البوست كان الحقيقة اللي أنتم حبستوني فيها. وأنتِ يا شهد، مش كنتِ بتقولي إننا مرحلة في حياتك وقفلتيها؟ راجعة للمرحلة السودة دي ليه تاني؟

شهد رفعت راسها ودموعها نازلة مغرقة وشها:

— سامحيني يا مريم.. أنا كنت غبية، انغريت بالناس والفلوس، وافتكرت إن صاحب الشركة والواد ده هيعملولي قيمة.. لما عرفوا إني سبت أهلي وإني من منطقة شعبية واستغلوا إني لوحدي، رموني زي الكلبة! والله العظيم اتعلمت الدرس.. اعملي فيا اللي أنتِ عاوزاه بس ما تتخليش عني!

أمي قربت مني ومسكت إيدي — ولأول مرة من سنين ألمس إيد أمي وهي بتترجاني مش بتؤمرني:

— يا مريم، مستشفى الخاص عاوزة مبلغ كبير عشان تنزل العيل قبل ما حد يعرف، والبيت في شبرا مستور بيكي.. ارجعي معانا، ادفعي المصاريف دي ونلم الدور، وأنا والله ما هخليكي تعملي حاجة في البيت تاني، شهد هي اللي هتنضف وتطبخ وتخدمك تحت رجلك!

في اللحظة دي، حسيت بقرف رهيب. أمي ما اتغيرتش.. هي كل اللي فارق معاها “كلام الناس” و”مين اللي هيدفع”. زمان كانت عاوزاني أكون الخدامة عشان شهد ترتاح، ودلوقتي عاوزة شهد تكون الخدامة عشان أنا أدفع المصاريف! هي بتغير الأدوار حسب الفلوس ومين اللي شايل الشيلة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *