كريم السيوفى والمربيه بقلم منال عباس الاول

كريم السيوفى والمربيه بقلم منال عباس

الاول

رجع كريم السيوفي الفيلا قبل معاده بساعتين من غير ما يبلغ حد وكان طول الطريق حاسس بحاجة غريبة بتشد قلبه ناحية البيت رغم إن يومه كان مليان اجتماعات وصفقات بملايين وكان المفروض يرجع بعد نص الليل لكنه فجأة قفل اللاب توب وقف قدام رجال الأعمال وقال هنكمل بكرة وساب الكل مستغرب لأن كريم عمره ما كان بيسيب شغله لأي سبب كان من يوم ما مراته ماتت وهو دفن نفسه وسط الشغل والفلوس والعقود وكل ما يكبر رصيده البنكي كان قلبه بيبقى أفقر أكتر من الأول وكان فاكر إن الفلوس تقدر تعوض ولاده عن غيابه فجاب لهم أحسن أوض وأغلى ألعاب وأكبر جنينة وأحدث أجهزة لكن عمره ما قعد معاهم يسمع حكاياتهم ولا ضحك معاهم ولا حضنهم قبل النوم

كان عنده ولد اسمه عمر وبنت اسمها جنا وكانوا بيكبروا قدامه وهو مش واخد باله وكل اللي كان يعرفه عنهم تقارير المدرسة وكلام المربية أما هم فكانوا مستنيين كل يوم باب الفيلا يفتح ويلاقوا بابا راجع بدري لكن ده عمره ما حصل

الوحيدة اللي كانت مالية البيت روح كانت الخدامة ندى بنت مصرية بسيطة عندها سبعة وعشرين سنة هادية ووشها كله طيبة اشتغلت عندهم بعد وفاة مراته بسنة وكانت بتعتبر الولاد كأنهم إخواتها الصغيرين وكانت تحاول تخليهم ينسوا شوية إحساس الوحدة اللي عايشين فيه ولما كانوا يعيطوا كانت هي اللي تهديهم ولما يمرضوا كانت هي اللي تفضل صاحيه جنبهم ولما ينجحوا كانت هي أول واحدة تفرح بيهم أما كريم فكان شايفها مجرد خدامة بتؤدي شغلها وبس وعمره ما بص في عينيها ولا سألها حتى إذا كانت تعبانة ولا مرتاحة

وقف بعربيته قدام الفيلا ونزل بهدوء وكان متوقع يلاقي المكان ساكت زي كل يوم لكن أول ما فتح الباب سمع صوت ضحك مالي البيت ضحك حقيقي من القلب ضحك كان ناسي إن بيته يعرفه أصلا فضل واقف مكانه مستغرب ومشي على أطراف صوابعه ناحية الصوت وقلبه بيدق بسرعة غريبة وكل ما يقرب كانت الابتسامة والصوت يعلى أكتر لحد ما وصل لباب السفرة وبص من غير ما حد يحس بيه واتجمد مكانه وهو شايف عمر وجنا قاعدين على الأرض مش على الترابيزة وندى قاعدة وسطهم لابسة طرحة المطبخ ومركبة لهم مناديل على دماغهم وبتعمل إنها ملكة وهم فرسان بيحاولوا ينقذوا المملكة من التنين وكانت بتضحك من قلبها والولاد بيضحكوا بطريقة عمره ما شافهم بيضحكوا بيها

بعدها قامت بسرعة وجابت صينية عليها كيك كانت عاملاه بإيديها وولعت شمعتين صغيرين وقالت لهم النهارده مش عيد ميلاد حد لكن هنحتفل إننا لسه مع بعض وربنا حافظنا وكل يوم بنصحى فيه يبقى يستحق الاحتفال

بص عمر ليها بعين كلها حب وقال وهو بيحضنها تعرفي يا ندى نفسي بابا مرة واحدة يقعد معانا كده زيك نفسي يضحك معانا نفسي يحضني قبل ما أنام زي ما إنتي بتعملي

أما جنا فنزلت دموعها وهي بتقول كل يوم بصحى وأفتكر إن بابا وعدني يلعب معايا ولما الليل ييجي أنام وهو لسه مرجعش بس إنتي بتخليني أحس إن ماما لسه موجودة

ندى حضنتهم الاتنين وهي بتحاول تمنع دموعها وقالت لا يا حبايب قلبي باباكم بيحبكم أكتر مما تتخيلوا بس الشغل واخده وإن شاء الله هييجي اليوم اللي يعوضكم فيه عن كل دقيقة فاتت

كريم كان واقف ورا الباب حاسس إن كل كلمة بتدخل قلبه زي الس*كينة ولأول مرة يحس إنه رغم كل ثروته خسر أغلى حاجة في الدنيا خسر طفولة ولاده وهو بيجري ورا النجاح ومد إيده على الحيطة يسند نفسه وهو بيحاول يمنع دموعه اللي بدأت تنزل من غير ما يقدر يوقفها وبص لندى وهي بتمسح دموع جنا بابتسامة حنينة وحس لأول مرة إن البنت البسيطة دي فيها دفا افتقده من سنين وإن اللي شافه قدامه غير حاجة كبيرة جواه من غير ما ينطق ولا كلمة..بقلم منال عباس
فضل كريم واقف مكانه ودموعه بتنزل من غير ما يحس بيها وحس لأول مرة إنه غريب في بيته وإن الضحكة اللي سمعها من شوية عمرها ما كانت بسببه كانت بسبب بنت بسيطة دخلت حياتهم من غير ما تطلب حاجة غير إنها تشوف الولاد مبسوطين حاول ياخد نفسه ويرجع من غير ما حد يحس إنه شاف حاجة لكن وهو بيتراجع للخلف خبط بالغلط في الفازة الكبيرة اللي كانت جنب الباب ووقعت على الأرض بصوت عالي

في ثانية واحدة سكت الضحك كله

ندى قامت مفزوعة وعمر وجنا جريوا ناحية الباب وأول ما شافوا كريم واقف وشه شاحب وعينيه حمرا اتجمدوا مكانهم

عمر نزل عينه في الأرض وهو فاكر إن باباه هيتعصب لأنه بيلعب في الصالة وجنا استخبت ورا ندى وهي ماسكة في هدومها بخوف

أما ندى فاتوترت وقالت بسرعة

أنا آسفة يا فندم أنا اللي سمحت لهم يلعبوا هنا وهرتب كل حاجة حالا

كريم بصلها كام ثانية من غير ما يرد وكانت أول مرة يركز في ملامحها فعلا وشها كان مرهق وعينيها باين فيها السهر لكن ابتسامتها لسه موجودة

بص للولاد وقال بهدوء غريب عليهم

كنتوا بتلعبوا إيه

عمر رفع عينه باستغراب وقال

كنا بنمثل إن ندى ملكة وإحنا بنحارب عشان ننقذها

كريم حاول يبتسم لكنه معرفش وقال

كمّلوا

التلاتة بصوا لبعض بعدم تصديق

ندى قالت بتوتر

لا يا فندم خلاص اللعب خلص

لكن جنا قربت من أبوها لأول مرة من شهور وقالت بصوت صغير

إنت مش زعلان

هز كريم راسه وهو بيحاول يخبي وجعه وقال

لأ

جنا جريت حضنته فجأة وقالت

دي أول مرة ترجع بدري

الكلمة كانت بسيطة لكنها كسرت آخر حاجة كانت مسنداه

حضنها بقوة وهو حاسس إنه بيعوض حضن متأخر سنين طويلة وعمر وقف يبصلهم وعنيه لمعت وكأنه نفسه يعمل زيه لكنه متردد

كريم فتح دراعه الناحية التانية وقال

مش هتيجي

عمر جري عليه من غير تفكير وحضنه بكل قوته وهو بيقول

وحشتني يا بابا

كريم قفل عينيه وهو سامع الكلمة اللي كان مستنيها من سنين من غير ما يعرف

ندى لفت وشها بسرعة عشان تخبي دموعها وبدأت تجمع قطع الفازة المكسورة

لكن كريم لمح إيديها وهي بتنزل تلم الزجاج بإيديها من غير جوانتي وفي لحظة قطعة صغيرة جرحت صباعها

طلعت منها نقطة دم

قبل ما تلحق تسحب إيديها كان كريم وصل عندها ومسك إيديها وقال بلهفة

استني

ندى سحبت إيديها بسرعة واتكسفت وقالت

دي حاجة بسيطة يا فندم

لكنه لأول مرة كلمها باسمها

ندى الجرح مش بسيط

رفعت عينها عليه باستغراب لأنها أول مرة يسمعها اسمها من لسانه

راح ناحية درج السفرة وطلع علبة الإسعافات وقعد قدامها بنفسه

ندى اتوترت وقالت

إيه اللي حضرتك بتعمله

قال وهو بينضف الجرح برفق

بعالج إيد اتجرحت وهي بتحافظ على أغلى ناس عندي

ندى سكتت تماما وحست بقلبها بيدق بسرعة

أما عمر فابتسم وهو بيهمس لأخته

شوفتي بابا

جنا ضحكت وقالت

حاسه إنه بقى شخص تاني

بعد ما خلص لف الشاش حوالين صباع ندى وبص لها نظرة طويلة مليانة امتنان وقال

شكرا

ندى ابتسمت في هدوء وقالت

أنا معملتش حاجة تستحق الشكر

رد بصوت كله ندم

يمكن إنت الوحيدة هنا اللي عملت حاجات تستحق الشكر وأنا عمري ما خدت بالي منها

الكلمات وقعت على قلب ندى بطريقة خلتها متعرفش ترد وكانت أول مرة تحس إن الراجل اللي طول عمره شايفها مجرد خدامة بدأ يشوفها بعين مختلفة بينما هو كان واقف قدامها يحاول يفهم ليه وجودها بقى فجأة مريح لقلبه بالشكل ده وليه أول مرة من سنين يحس إن البيت بقى فعلا بيت لما تكون هي موجودة فيه..بقلم منال عباس
من الليلة دي حصلت حاجة محدش كان يتوقعها كريم لأول مرة من سنين قرر يلغي اجتماع مهم تاني يوم وفضل صاحي طول الليل في أوضة مكتبه يبص في صور قديمة ليه مع مراته وولاده وهو بيكتشف إنه كان موجود في الصور لكن غايب عن حياتهم فعلا وكل صورة كانت بتفكره بوعد كسره وبحضن اتأخر فيه وكلمة حلوة عمره ما قالها

أول ما النهار طلع نزل لتحت بدري على غير عادته وكان البيت كله لسه هادي

ندى كانت واقفة في المطبخ بتحضر الفطار وهي بتتمتم بأغنية قديمة بصوت واطي ولما لفت وشها وشافته واقف عند الباب اتلخبطت لدرجة إنها وقعت المعلقة من إيديها

قالها بابتسامة خفيفة

صباح الخير

ندى ردت وهي مستغربة

صباح النور يا فندم

قال وهو بيقرب

هو كل يوم الفطار بيبقى جاهز في المعاد ده

هزت راسها وقالت

أيوه من زمان

ابتسم بحزن وقال

واضح إن في حاجات كتير بتحصل في البيت وأنا معرفهاش

ندى سكتت لأنها كانت حاسة إن أي كلمة ممكن تجرحه أكتر

في اللحظة دي نزل عمر وجنا من على السلم وكانوا لسه نايمين وعيونهم نص مقفولة لكن أول ما شافوا كريم قاعد على السفرة وقفوا مكانهم

جنا همست

بابا

كريم فتح دراعه وهو بيضحك

تعالوا نفطر سوا

الاتنين بصوا لبعض كأنهم مش مصدقين اللي بيسمعوه وبعدها جروا عليه وقعدوا جنبه وكل واحد فيهم ماسك في دراعه كأنه خايف يصحى من حلم جميل

ندى كانت بتحط الأكل على السفرة وهي مبتسمة من غير ما تاخد بالها إن كريم عينه عليها كل شوية

عمر قال وهو بيضحك

ندى أحسن واحدة بتعمل بان كيك

كريم بص لندى وقال

بجد

ندى ابتسمت بإحراج

الولاد بيحبوه بس

قال وهو بياخد أول لقمة

وأنا كمان حبيته

لأول مرة من سنين السفرة كانت مليانة كلام وضحك وحكايات بسيطة عن المدرسة والجنينة والقطة اللي كانت بتيجي كل يوم قدام الفيلا

وكريم كان بيسمع بكل اهتمام كأنه بيكتشف ولاده من جديد

بعد الفطار قام عمر شد كريم من إيده وقال

تعالى أوريك حاجة

طلعوا فوق ودخله أوضته

فتح الدرج الصغير اللي جنب السرير وطلع منه كراسة مليانة رسومات

كل رسمة فيها راجل واقف بعيد وولد صغير بيجري وراه

كريم حس بقلبه بيتقبض

سأل بصوت مهزوز

إيه الرسومات دي

عمر ابتسم ابتسامة فيها وجع طفل صغير وقال

دي أنا وإنت

كل يوم كنت برسمك وإنت راجع بدري عشان كنت فاكر إن الحلم ده هيحصل

بس كل يوم كنت أنام قبل ما ترجع

الكلام نزل على كريم كالصاعقة

قفل الكراسة وهو بيحضن ابنه جامد وقال

سامحني يا عمر

أنا ضيعت وقت كتير

عمر حضنه أكتر وقال

المهم إنك معايا دلوقتي

وهم نازلين من السلم سمعوا صوت عربية وقفت قدام الفيلا

ندى خرجت تبص من الشباك واتغير لون وشها فجأة

إيديها بدأت ترتعش

كريم لاحظ ده وقال باستغراب

في إيه

ندى حاولت تبين إنها عادية وقالت بسرعة

مفيش

لكن جرس الباب رن بطريقة متواصلة وعنيفة

ولما فتحت العاملة الباب دخل راجل في آخر التلاتينات وشه مليان غضب وأول ما وقعت عينه على ندى قال بصوت عالي خلا كل اللي في البيت يتجمد

أخيرا لقيتك يا ندى كنت فاكرة إنك هتفضلي مستخبية العمر كله مني….يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *