قوة المظلوم بقلم منال عباس الاول

قوة المظلوم بقلم منال عباس

الاول

كانت الشمس بتغيب ورا جبال الصعيد زي جمرة نار دابحة، والضلمة بتبدأ تزحف على دار الحاج منصور، الدار اللي كانت مليانة عمار ودلوقتي خيّم عليها الحزن بعد ما اندفن تحت تراب الغيط. قعدوا الأخين “عتمان” و”حمدان” في المندرة، الدخان طالع من شيشهم والشر في عيونهم بيتقد. “يا حمدان، البت دي “هنية” مالهاش في الشقا ولا في الأرض، دي يا دوبك تعرف تلم شويات غلة وتطيب لقمة، أراضي أبونا دي أراضي رجال، مش أراضي حريم يتجوّزوا ويخدوها لبيوت الغرب”، قالها عتمان وهو بيخبط بإيده على ركبته. هز حمدان راسه بالموافقة وقال: “صدقت يا خوي، البت ضعيفة والناس هتاكل وشنا لو سبنا الأرض تطلع بره، وبعدين ده عرفنا وشرعنا اللي اتعودنا عليه، البنت مالهاش غير بيت جوزها، والميراث ده رزقنا اللي تعبنا فيه مع أبونا”. هنية كانت واقفة ورا باب المندرة بتسمع الكلام، قلبها بيتقطع زي ورقة ناشفة، كانت عارفة إنهم بيخططوا يحرومها، كانت ضعيفة في نظرهم لأنها مكسورة من موت أبوها وحيدة مالهاش غيرهم، دموعها كانت بتنزل صامتة على خدها، حست إن الدنيا ضاقت عليها بما رحبت، وبدأت تسمع صوت “ديابة” مش أخوات، صوت بيطمع في حقها اللي كتبهولها أبوها قبل ما يلفظ أنفاسه الأخيرة. تاني يوم الصبح، دخلوا عليها المندرة، عتمان وشه زي الحجر، وقال بصوت جهوري هز أركان الدار: “يا هنية، اسمعي الكلام وما تحوجيناش نكسر كلمتك، الأرض دي محتاجة دراع راجل، وأنتي مكانك في المطبخ، وقعي على الورق ده وخلصينا، وهنرضيكي بشوية دهب من اللي بيحبوا قلبك، ده أصلح ليكي ولسمعتنا”. هنية كانت بترتعش، بصت في عيونهم لقت الطمع عمي بصيرتهم، اتذكرت وصية أبوها لما قعد جنبها وقالتله بدموعها: “يا أبوي، إخواتي مش هيسيبوني في حالي”، رد عليها بكلمة فضلت ترن في ودانها: “اللي يرمي حقه، الشمس تحرقه، واللي يمسك في حق ربنا، ربنا يسند دراعه”. اتنهدت هنية وخدت نفس طويل، مسحت دموعها اللي اتحولت لبريق غريب، وقالت بصوت واطي بس واصل ليهم: “حق أبويا مش للبيع يا عتمان، وده اللي عندي”، خرجت من المندرة وسمعت وراها صوت خبطتهم على الترابيزة ووعيدهم اللي بدأ يملأ جنبات البيت، ومن اللحظة دي عرفت هنية إن حياتها اتحولت لمعركة، وإنه لازم تغادر البيت ده عشان تبني طريقها بعيد عن ظلمهم، خرجت والليل ساترها، ومعاها بس خلجاتها ووصية أبوها في قلبها، وما كانتش تعرف إن الليالي دي هتدور وتلف، وهتخلي “الضعيفة” اللي كانوا بيستهونوا بيها، هي اللي هتكون سيدة دارهم في يوم من الأيام، وبدأت رحلة “هنية” في دروب الحياة الوعرة، بتواجه الجوع والعطش والخوف، بس جواها إيمان بيزيد كل ما الدنيا بتشد عليها، وكل ما كانت تفتكر نظرة أخواتها، كان بيشتد عودها أكتر، زي نبتة الصبار اللي بتطلع وسط الحجر، قوية وشامخة، مستنية وقت الحصاد اللي رب العباد كاتبهولها.بقلم منال عباس
مرت الشهور والسنوات وهنية بتجاهد في بلاد الله الواسعة، ما كانتش بتعرف الراحة ولا بتعرف طعم النوم الهني، اشتغلت في كل حاجة ممكن تخطر على البال، بدأت بغسيل هدوم الناس في بيوت الأعيان، وشالت فوق راسها أقفاص الخضار تحت شمس الصيف الحارقة، وكل قرش كان بييجي في إيدها كانت بتحوشه بدم قلبها، كانت بتعيش على أقل القليل، ولبسها مرقع بس روحها كانت بتكبر وتتشكل بصلابة الحديد، في الوقت ده كان عتمان وحمدان بيغرقوا في طمعهم، باعوا نص أرض أبوهم عشان يجاروا عيشة البذخ اللي دخلوا فيها، وبدأوا يضاربوا في تجارة مش فاهمين أصولها، وكل ما المال زاد تحت إيدهم زاد كبرهم وجبروتهم، ونسيوا إن “المال الحرام لا بيطرح ولا بيطرح بركة”، هنية في الغربة كانت بتتعلم أصول التجارة بالعين وبالسماع، لسانها الحلو اللي ورثته عن أمها كان مفتاحها لكل الأبواب المقفولة، وبذكائها الفطري بدأت توفر مبلغ صغير دخلت بيه في تجارة النسيج، ومن تجارة لـ تجارة، ومن سوق لسوق، واسمها بدأ يتردد في الأسواق الكبيرة، بقت “هنية” اللي الكل بيحترم كلمتها وبيهابوا قرارتها، رغم إنها ما بقتش لابسة لبس الفلاحين، لكن جوه قلبها لسه ريحة الأرض والتراب بتناديها، كانت بتسمع أخبار أخواتها عن طريق “ودنها” في البلد، عرفت إنهم بقوا على حافة الإفلاس بسبب ديون كترت عليهم وشراكة فاسدة وقعوا فيها، عتمان كان دايمًا يصرخ في حمدان ويقوله: “الديون دي منين؟ ده إحنا بايعين أراضي أبونا”، وحمدان يرد عليه والندم بدأ ينقر في قلبه: “يا خوي، البركة اتسحبت من الدار من يوم ما ظلمنا البت”، هنية كانت بتسمع الأخبار دي وهي بتدير إمبراطوريتها الصغيرة، ما كانتش بتشمت، بالعكس، كانت بتحس بوجع في صدرها، لأن الدم ما بيبقاش مية، بس كانت عارفة إن لسه “الحق” ما خدش مجراه، ولسه الحكاية ما وصلتش لأخر فصل، قررت هنية إن الوقت جه عشان ترجع، بس مش زي ما خرجت، خرجت “هنية المكسورة” وهترجع “هنية السيدة”، جهزت أوراقها وأموالها، وبدأت تخطط لخطوتها الجاية، مش عشان تنتقم وبس، لكن عشان توريهم إن البنت اللي استضعفوها، هي اللي بقت بتشيل همومهم وهما مش حاسين، كانت عارفة إن المواجهة قريبة، وإن اللقاء في المندرة اللي طردوها منها هيكون الفيصل، والليل اللي طردت فيه وهي بتبكي، هترجع فيه وهي بتنور الدنيا بوجودها، والكل هيعرف إن اللي يسند ضهره على الحق، عمره ما يقع، وإن دوام الحال من المحال، وأن اللي بياكل حق غيره بيجي يوم ويجوع، حتى لو شبع سنين، استعدت هنية للرجعة، والشنط اللي كانت شايلة فيها هدومها القديمة، بقت شايلة فيها أصول وقوانين هتدوس بيها على جبروتهم، ولسان حالها بيقول: “يا صابر عالظلم، الحق جاي لك ولو بعد حين”.بقلم منال عباس
رجعت هنية للبلد في يوم كان الجو فيه مغيم والسما بتمطر خير على الغيطان اللي كانت زمان ملك أبوها، دخلت البلد وهي راكبة عربية فخمة، والناس بتهمس في الطرقات “مين دي اللي رجعت بابهة؟”، عتمان وحمدان كانوا قاعدين في المندرة حالتهم تدهور ووشوشهم دبلت من كتر الهم والديون اللي طوقت رقبتهم زي الحبال، فجأة سمعوا صوت العربية وقفت قدام الدار، استغربوا، مين اللي يجرؤ يدخل دارهم في وقت ضيقهم ده؟ دخلت هنية بخطوات واثقة، لابسة لبس يليق بسيدة أعمال، ملامحها اللي كان زمان يكسوها الانكسار بقت مزينة بهيبة لا يعرفها غير اللي جرب ذل الغربة ونجح في كسر شوكتها، وقف عتمان من مكانه مذهول وفتح عيونه على الآخر، وحمدان سقطت الشيشة من إيده وانكسرت، وقال بصوت متقطع: “هنية؟ إنتي اللي رجعتي؟”، ابتسمت هنية ابتسامة هادية زي هدوء ما قبل العاصفة، وقعدت في صدر المندرة المكان اللي كانوا دايماً بيطردوها منه، وقالت بصوت مسموع وواضح: “رجعت يا خوي، رجعت عشان أطمن على حال الدار اللي ضيعتوا فيها تعب أبوي”، حاول عتمان يجمع شتات نفسه ويرجع لقناع القسوة وقال: “إنتي جاية تشمتي يا هنية؟ جاية بعد ما كبرتي وتجارتك علَت؟”، ردت عليه بكل ثبات: “لا يا عتمان، أنا لا جاية أشمت ولا جاية أكسر فيكم، أنا جاية أسترد حقي اللي أنتوا أكلتوه بالباطل، والديون اللي عليكم دي أنا اشتريتها من أصحابها، يعني الحين بقيتوا مديونين ليا أنا، مش للغرباء”، ساد الصمت في المندرة، صمت كان صوته أقوى من أي صرخة، الأخين بصوا لبعض بنظرات كلها انكسار وندم، عرفوا إن الدنيا دارت بيهم، وإن “البنت الضعيفة” بقت هي اللي تملك مصيرهم، هنية بصت للمكان بذكريات توجع، وفكرت في اللي جاي، كانت عارفة إن دي مجرد بداية، وإن المواجهة الحقيقية لسه قدام، لما يطلبوا منها السماح، بس هي كانت حاسمة في قلبها، الحق مش بس بالرجوع، الحق بإن كل واحد يعرف حجمه وقيمته في ميزان العدل، وبدأت هنية في ترتيب أوراقها، وهي شايفة نظرات الندم في عيون أخواتها اللي كانوا فاكرين إن الطمع هيخلدهم، لكنهم نسوا إن الحق ملوش صاحب غير صاحبه، وأن القوي هو اللي يسامح وهو قادر على الرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *