عيد ميلاد حماتى الستين حكايات منال عباس

مأمور التنفيذ أشار للقوة اللي معاه وبدؤوا ينفذوا قرار الحجز على كل الأجهزة والتحف وغالي الأكل اللي كان مجهز للاحتفال، وجاسر جري بجنون يحاول يمنعهم وهو بيزعق بصوت مهزوز: “انتو بتعملوا إيه؟! الشقة دي بتاعتي والحاجات دي بتاعتي محدش يلمس حاجة!” وقفت قدامه وثبت عيني في عينه بكل جبروت وقسوة وكأن السنين اللي فاتت كلها اتجمعَت في اللحظة دي ورديت عليه بصوت هادئ: “كل مسمار وكل جنيه في الشقة دي اتدفع من تعبي ومرتبي اللي كنت ببعته على حسابك، وفلوسك اللي كنت بتتكبر بيها اتحجز عليها رسمي لأنها أصلًا أموال مسلوبة بحكم القانون.” فاطمة قامت بصريخ وعويل ماسكة في هدوم جاسر وبتشتم فيا بأوسخ الألفاظ، لكن رحمة دخلت من باب الشقة ومعاها شهود الإثبات وأوراق تجميد الحسابات وسحب كل صلاحيات الكريديت كارد في نفس اللحظة اللي جاسر طلع فيها موبايله عشان يصرف من البنك، فظهرت له رسالة إن الحساب متجمد بالكامل ورصيده بقى صفر، فوقع الموبايل من إيده وهو بيبص حواليه بلا حيلة وكأن الدنيا كلها اتقفلت في وشه.حكايات منال عباس
جاسر انهار تماماً وقعد على الأرض قدام مأمور التنفيذ وهو بيحاول يمسك في أطراف هدومي برجاء ذليل وصوته كسر: “عشان خاطري يا رحمة.. سامحيني المرة دي وامحي المحاضر دي كلها، أنا أمي مش تستحمل الصدمة دي، وأنا من غيرك هضيع!” بصيت له بابتسامة سخرية باردة ووطيت شوية عشان أكون قدام عيونه المكسورة وقولتله بنبرة حادة وواثقة: “دلوقتي افتكرت إنك عندك أم وإنك ليا سند؟ لما كنت بتدوس عليا وتذلني وتحبسني في المطبخ عشان خاطر عيون ست هانم مكنش بيصعب عليك دمعتي ولا كسرتي؟ القطر مش بيستنى اللي بينزل في نص السكة يا جاسر، وأنا قطاري وصل المحطة اللي فيها راحتي وكرامتي اللي بعتها برخص التراب.” سبته قاعد لوحده بيعيط زي العيال الصغيرة، وخدت شنطتي وعديت من جنبه بخطوات ثابتة وقوية وأنا سامعة صياح فاطمة اللي ولعت في نفسها من القهر والنواح، ونزلت ركبت عربيتي المستقلة عشان أسيب الكابوس ده ورا ظهري للأبد وأبدا صفحة جديدة نظيفة ومملوكة ليا وحدي.
وصلت للبيت الجديد، شقة صغيرة في منطقة هادية وراقية، بعيد عن عيونهم السمجة وعن طمعهم اللي ملوش آخر، وفتحت الباب ودخلت وأنا حاسة كأن جبل انزاح من على صدري وتنفس لأول مرة من سنين. ركنت شنطتي على جنب وقعدت على الكنبة وأنا ببتسم لنفسي وببص لتليفوني اللي كان ساكت تمامًا بعد ما خلصت كل الإجراءات القانونية وقפلت الحسابات والمصارف بتاعتهم تمامًا. في اللحظة دي حسيت بالحرية الحقيقية وأن كل دمعة نزلت وكل إهانة استحملتها كانت مجرد درس قاسي بس علمني إزاي أكون أقوى وأسترد حقوقي بكل جبروت وهدوء. بس القصة لسه مخلصتش، لأن طارق… قصدي جاسر، متعود ياخد كل حاجة بالساهل ومش هیسكت بالساهل على اللي عملته فيه، وكنت عارفة إن الجولة دي كانت البداية بس لسه فيه فصل أخير في المعركة دي.
تليفوني رن فجأة برقم غريب، وبمجرد ما فتحت الخط، طلع صوت جاسر وهو بيتنفس بصعوبة وصوته بيترعش من كتر الغيظ والعصبية: “أنتِ فاكرة إنك هتهربي باللي عملتيه ده؟! أمي تعبت ودخلت المستشفى بسببك، وكل فلوسي وحساباتي اتقفلت ومش عارف أصرف حتى جنيه واحد! تعالي حالًا رجعي الوضع زي ما كان وابعتي المحامية بتاعتك تتنازل عن كل البلاوي دي، وإلا والله ما هخليكي تتهني بلحظة واحدة في حياتك وهندمك على اليوم اللي اتعرفتي عليا فيه!” ضحكت بصوت عالي وواثق هز أركان الشقة الهادية، ورديت عليه بكل برود: “التهديدات دي تبلوها وتشربوا ميتها يا جاسر، وأمك اللي متمكنة من الدور دي تشرب من نفس الكاس اللي سقيتهولي سنين طويلة. ولسه.. ده أنا لسه مابتدتش أصلًا، استنى عليا عشان بكرة هتشوف بنفسك إزاي القانون بياخد حق كل دمعة نزلت مني، واعلى ما في خيلك اركبه!” قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع ردة فعله، ورجعت أتأمل السكون والراحة اللي حواليا، وأنا عارفة تمامًا إن الخاتمة الكبرى لسه مقررة بكرة قدام القاضي لما يواجه مصيره الحقيقي.حكايات منال عباس
تاني يوم الصبح، دخلت قاعة المحكمة بخطوات ثابتة وراس مرفوعة، ولابسة بدلة رسمية سوداء بتعكس قوتي وصلابتي الجديدة. جاسر كان واقف برة القاعة ووشه أصفر وعيونه حمرا من التطبيق والصدمة، وأمه قاعدة جنبه على كرسى متحرك وبتعيط بدموع تمثيل عشان تستعطف المارة، بس محدش بقى يهمه شوية التمثيل دول. أول ما القاضي نادى على الق\ضية، دخلنا وقعدت قدام المنصة بكل ثبوت وأنا جنب رحمة اللي كانت مجهزة ملفات وملفات تدينهم بالقرش والدولار. القاضي اطلع على المستندات الرسمية، تقارير الحسابات البنكية، وتسجيل الصوت اللي بيثبت الإهانة والتهديد والاحتجاز غير القانوني. بعد مداولة سريعة، صدر الحكم العادل اللي هز قاعة المحكمة: طلاق بائن للضرر، رد كل مستحقاتي المالية بأثر رجعي مع الفوائد القانونية، وتغريم جاسر غرامة مالية كبيرة لإساءة الاستعمال، ده غير بلاغات النصب والتزوير اللي اتفتحتبس في حقه وحق أمه. جاسر وقع على الكرسي من العجز والذهول كأن حبل المشنقة اتلَف حوالين رقبته، وفاطمة صرخت بانهيار تام لما عرفت إن كل الأملاك اتصادرت لصالحي. بصيت له نظرة أخيرة خالية من أي شفقة أو كره، نظرة عنوانها البرود التام، وخرجت من باب المحكمة وأنا حاسة إن الهوا كله بقى بتاعي. ركبت عربيتي ووقفت قدام البحر، بصيت للمياه الصافية وفتحت إيدي حسيت بنسمة الهوا بتداعب وشي كأنها بتمسح آثار سنين القهر والعذاب. في اللحظة دي عرفت تماماً إن القوة الحقيقية مش في الانتقام، القوة في إن الإنسان يقف على رجليه تاني مهما خبطته الدنيا، وإن اللي يبيع كرامته عشان الفلوس والظلم مصيره يرجع صفر مفيش في إيده غير الندم. فتحت باب العربية ومشيت لبيتي الجديد وأنا كلي أمل ويقين إن بكرة أحلى وأطهر بكتير، وإن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد وبدأت حكاية جديدة بطلتها أنا وبس.حكايات منال عباس
تمت ❤️