عيد ميلاد حماتى الستين حكايات منال عباس

عيد ميلاد حماتى الستين حكايات منال عباس حصرى لبيدج روايات منال عباس
“اسمعيني كويس أوي،” قالها جاسر بصوت حاد وهو بيشاور بصوبعه المرعش قدام وشي: “بكرا عيد ميلاد أمي الستين، وعايزك تطبخي وليمة تراثية من ستين صنف مختلف. لو ناقص طبق واحد، جهزي شنطتك واطلعي برا بيتي.”
رجع خطوة ورا وخبط باب المطبخ الخشب الثقيل بكل قوته. رن صوت طكة معدنية عالية في المكان، كان قفل الترباس من برا وحبسني في المطبخ المظلم البارد.
لمدة خمس سنين، كنت أنا اللي بدفع قسط الشقة الفخمة دي كل شهر واللي بيعدي خمسين ألف جنيه، وكنت ممولة حياتهم الباذخة أنا وحماتي فاطمة. وفي المقابل، كنت بعامل زي خدامة ببلاش، ومحبوسة لمجرد إني ما أقدرش في ليلة أعمل ستين صنف أكل.
قعدت على بلاط المطبخ الساقع، بس مفيش ولا دمعة نزلت. لما قلب الست بيموت من كتر القهر، مبيفضلش غير القسوة المطلقة والعقل البارد زي السلخ.
طلعت تليفوني، وشاشته نورت في الضلمة، وطلبت رقم رحمة، صحبتي وأختي من أيام الجامعة، وأشرس محامية خلع وقضايا أسرية في مصر كلها.
ردت على الشات أو التليفون من التانية التالتة: “يا رحمة، العرض اللي كلمتيني عنه من سنة.. لسه ساري؟” سألتها بصوت هادي وغريب.
سكتت دقيقتين في التليفون، وبعدين صوت رحمة بقى جدي وقوي: “أنتِ أخيراً فقتي! إيه اللي حصل؟”
“جاسر لسه حابسني في المطبخ، هو وأمه فاطمة عايزين يغصبوني أطبخ ستين صنف أكل قبل ظهر بكرا، ولو رفضت هيرميني في الشارع.”
رحمة شتمت بغضب، وتحولت فجأة لشخصية المحامية الشرسة: “اسمعيني يا رحمة، بكرا على الظهر هيكون كل الورق القانوني جاهز؛ ق\ضية الطعن والخلع، تجميد الحسابات والأصول الفورية، وأمر حماية. بس محتاجة دليل يا رحمة.”
ابتسمت بسخرية وأنا باصة في ضلمة المطبخ اللي كاتمة أنفاسى، كانوا فاكرينني غلبانة ومطأطأة الراس.
“الدليل معايا،” قلت بصوت هامس: “من أول ما دخل وطلب الأكل وأنا مسجلة صوت، كل إهانة، خبطة الباب، صوت القفل.. كله متسجيل هنا.”
“عظمة على عظمة،” قالتها رحمة بفخر: “دلوقتي شوفي أي حجة تخرجي بيها وتعالي فوراً على مكتبي في المهندسين.”
قفلنا الخط. مديت إيدي ورا علبة شوفان ضخمة في الدولاب، وطلعت كارت فيزا مخبي فيه قرشين تحويشة عمري اللي محدش يعرف عنها حاجة.
بكرا عيد ميلاد فاطمة الستين.. مش كانت عايزة هدية تكسر الدنيا؟
تمام، بكرا على الظهر هقدم لها “وليمة” هي وابنها العالة، مش هيحطوها في بطنهم غير وهما بيندموا بقية عمرهم.
الساعة ستة الصبح، جاسر فتح ترباس المطبخ. كنت قضيت الليلة ممثلة إني نايمة على سجادة صغيرة.
“قومي يلا،” زعق وهو بيشوت رجلي برجله: “قدامك على سوق الجملة حالًا. فين المنيو؟”
قمت ببطء، ووطيت راسي وعملت نفسي مكسورة ومنتهية: “أنا… أنا محتاجة أنزل هايبر ماركت كبير في وسط البلد عشان أشتري الستين صنف أصناف غالية. كارت الكريديت بتاعي مقفول، هات فيزا البنك بتاعتك ومفاتيح العربية يا جاسر، غير كده مستحيل أقدر أجيب طلبات الستين صنف.”
ضحك جاسر بسخرية، وكان مستمتع جدًا بنصره الوهمي. طلع فيزا التيتانيوم السوداء من محفظته ورماها على الرخامة ومعاها مفتاح عربية البي إم دبليو. “تكوني هنا قبل الحشرات، ولا أقولك متدخليش البيت أصلا لو اتأخرتِ.”
“هكون هنا على الحداشر ونص،” قلت بصوت مطيع وكسيف: “ومعايا كل اللي طلبته.”
أول ما خطيت برة العمارة، مرحتش لأي سوبر ماركت. ركبت تاكسي على طول على مكتب رحمة في المهندسين.
لمدة أربع ساعات، فريق المحاماة بتاع رحمة اشتغل بسرعة البرق… حكايات منال عباس
الساعة بقت إحدى عشرة وخمس دقائق لما وقفت قدام الشقة، ومعايا شركة نقل ومأمور تنفيذ أحكام وقوة من القسم. فتحت الباب بمفتاح النسخة الاحتياطية اللي معايا ودخلت بصحبتهم. جاسر وفاطمة كانوا قاعدين في الصالون بيلبسوا لبس الاستقبال وبيستعجلوني، وأول ما شافوني بالعسكرى ومأمور التنفيذ، وشهم اصفر وانخطف لونهم. جاسر وقف مخضوض وصرخ فيا: “إيه ده؟! منبتين إيه وجايبة بوليس معاكي ليه؟!” بصيت له ببرود ورميت شنطة هدومي على الأرض، وطلعت ورقة قرار التمكين والحجز التحفظي على كل أملاكه وحساباته اللي رحمة جهزتها، وقلت بصوت عالي ملا الشقة: “جايّة أخد حقي اللي سرقته طول السنين دي، ودايرتكقف يا جاسر، واللعبة خلصت.” فاطمة وقعت على الكنبة من الخضة وهي بتلطم، وجاسر وقف مذهول مش مصدق اللي بيحصل حواليه كأن الكابوس نزل على دماغه فجأة من غير مقدمات.حكايات منال عباس

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *