الطلاق الاول
“ماشي. بس لما الجيران يصورونا وإحنا بنتخانق ماتزعلش.”
عاد كل منهما للنظر فيما بيده.
هو ينظر إلى شريط القياس.
وهي تنظر إلى القهوة.
وكأن المفاوضات الدولية قد فشلت رسميًا.
بعد ساعة…
رن جرس الباب.
دخل عامل الستاير وهو يحمل رزمًا ضخمة من القماش.
ـ “أستاذ يوسف؟ الستاير وصلت.”
أشار يوسف فورًا.
ـ “حط الأسود هنا.”
وفي اللحظة نفسها قالت ليلى:
ـ “لا. الأبيض هنا.”
تجمد العامل في مكانه.
نظر إلى يوسف.
ثم إلى ليلى.
ثم عاد ينظر إلى يوسف.
ـ “يا أساتذة… ريحوني. أركب أنهي؟”
وفي اللحظة نفسها:
ـ “الأسود!”
ـ “الأبيض!”
تنهد الرجل بحسرة.
ـ “لا إله إلا الله.”
ثم حك رأسه مفكرًا.
ـ “طب ما تركبوا الاتنين فوق بعض؟”
ساد الصمت.
ـ “إزاي؟”
ـ “الأسود جوه… والأبيض بره. اللي عايز ضلمة يقفل الأسود. واللي عايز نور يفتحه.”
نظر يوسف إلى الفكرة بعين المهندس.
ـ “مقبولة هندسيًا.”
ابتسمت ليلى.
ـ “وأنا موافقة… مؤقتًا.”
ثم أشارت إليه محذرة.
ـ “بس لو صحيت لقيت الأوضة كحل هولع في الستارة السودا.”
رفع حاجبًا واحدًا.
ـ “ولو صحيت لقيت الشمس ضاربة في عيني هقص الشيفون بالمقص.”
أما العامل فتمتم وهو يبدأ التركيب:
ـ “يا رب صبرني.”
ما إن أُغلقت ستارة البلاك أوت حتى غاصت الغرفة في ظلام كامل.
اتسعت عينا ليلى.
ـ “يا نهار إسود!”
ثم استدارت حول نفسها.
ـ “دي مقبرة مش أوضة!”
أما يوسف فأغمض عينيه مستمتعًا.
ـ “الله…”
تنهد بارتياح.
ـ “أخيرًا.”
ثم رُكب الشيفون الأبيض أمامها.
فخفّ الظلام وتحسن الوضع قليلًا.
أشار يوسف إلى النتيجة النهائية.
ـ “كده عندنا حل وسط.”
ـ “حل وسط إيه؟”
ـ “بالنهار نفتح الأسود ونسيب الأبيض.”
ـ “وبعدين؟”
ـ “ولما أنام أقفل الأسود.”
ضيقت عينيها.
ـ “وأنا اللي هفتح وأقفل؟”
ـ “لا. أنا أقفل وإنتِ تفتحي.”
ـ “ده جواز ولا شركة مقاولات؟”
في ظهر اليوم نفسه…
كانت الشمس تغمر الصالة بضوء دافئ جميل.
أما يوسف فخرج من مكتبه بعينين حمراوين وملامح شخص لم ينم منذ أيام.
توقف فجأة.
نظر إلى الضوء.
ثم صرخ:
ـ “ليلى!”
خرجت من المطبخ وهي تنشف يديها.
ـ “نعم؟”
ـ “اقفلي الزفت النور ده!”
رفعت حاجبيها.
ـ “الساعة اتنين الضهر!”
ـ “وأنا بني آدم بنام الضهر!”
ـ “والبني آدمين التانيين صاحيين!”
لوّح بيده معترضًا.
ـ “عقد الاتفاق. بند الراحة. البند الفرعي 3.2.”
ضحكت بسخرية.
ـ “مفيش بند بيقول نحول الشقة لقبر.”
زفر بعصبية.
ثم جذب الستارة السوداء.
اختفى الضوء.
ـ “يوسف! أنا بقطع سلطة!”
ـ “ولعي نور.”
ـ “وليه أولع نور وربنا منزل الشمس؟”
ـ “عشان عندي صداع.”
فتحت الستارة.
عاد الضوء.
أغلقها.
فتحتها.
أغلقها.
فتحتها.
حتى بدت الستارة وكأنها تشاركهما الخناقة.
وأخيرًا قالت:
ـ “إنت عيل صغير!”
ـ “وإنتِ مستفزة!”
وفي أثناء جذبها للستارة للمرة الأخيرة…
انزلقت قدمها فوق بقعة ماء صغيرة.
ـ “آآه!”
اختفى الغضب من وجه يوسف فورًا.
اندفع نحوها.
وأمسك ذراعها قبل أن ترتطم بالأرض بثوانٍ.
ساد الصمت.
توقفت الدنيا حولهما للحظة.
كانت قريبة منه جدًا.
أقرب مما ينبغي.
إصابعه ملتفة حول ذراعها.
وأنفاسهما متداخلة.
أما قلب يوسف فكان يدق بعنف من أثر الخضة.
وربما لسبب آخر.
نظر إليها بقلق حقيقي.
ـ “إنتِ كويسة؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ـ “أيوه…”
ثم أضافت بسرعة:
ـ “سيب دراعي.”
تركها فورًا كأنه تذكر فجأة أنه يمسكها.
وتراجع خطوة كاملة للخلف.
ـ “كنتي هتتكسري.”
ثم أشار إلى الشبشب.
ـ “البسي حاجة عدلة.”
عدلت كعكة شعرها مرتبكة.
ـ “ما إنت اللي قلبت الشقة ضلمة.”
تنهد باستسلام.
ـ “خلاص.”
ثم أشار نحو الستارة.
ـ “خلي الشيفون مفتوح.”
توقفت.
ـ “بجد؟”
ـ “آه.”
ثم أضاف وهو يتحرك نحو غرفته:
ـ “هنام في أوضتي وأمري لله.”
ورزع الباب خلفه.
بقيت ليلى واقفة في مكانها عدة ثوانٍ.
تنظر إلى الباب المغلق.
ثم إلى ذراعها.
ورفعت يدها تلمس المكان الذي أمسكها منه.
وتمتمت:
ـ “غبي…”
صمتت لحظة.
ـ “وتنك.”
ثم أكملت وهي تحاول منع ابتسامتها:
ـ “وإيده تقيلة.”
لكنها لم تقل إن قلبه كان يدق بسرعة مثل قلبها تمامًا.