كان الجو خانقًا على نحوٍ لا يُحتمل، حتى بدا الهواء نفسه وكأنه يشتعل. وقف يوسف في منتصف الصالة مرتديًا بدلته الرسمية، وقد التصق القماش بجسده من شدة الحر، بينما كان التكييف المعطل يضيف إلى توتره توترًا آخر. كان يمسك بملفٍ بين يديه بإحكام، كأنه يستعد لمعركة لا لعقد قران. مسح العرق المتجمع على جبينه، وزفر بضيق. قال المأذون وهو يلوّح بطرف عمامته محاولًا تهوية نفسه: ـ “يا ابني العروسة فين؟ إحنا هنتشوي كده!” أجابت أم يوسف بابتسامة مطمئنة: ـ “اصبر يا شيخنا… البت ليلى دقيقة في مواعيدها. تلاقيها بتنقذ حد ولا حاجة… أصلها دكتورة.” تمتم يوسف وهو يقلب عينيه نحو السقف: ـ “ما هي لو نقذت كل الناس… مين هينقذني أنا من الجوازة دي والحر ده؟ هفطس يا ناس!” في تلك اللحظة، دوّى طرقٌ خفيف على الباب. خبطتان فقط. التفت الجميع. انفتح الباب، ودخلت ليلى بخطوات سريعة، تحمل حقيبتها الطبية على كتفها، بينما كانت خصلات شعرها قد التصقت بجانب وجهها من أثر الإرهاق. قالت وهي تلتقط أنفاسها: ـ “آسفة… كان فيه ست ضغطها وصل لـ٢٠٠. كنت أسيبها تموت وآجي أتجوز يعني؟” رمقها يوسف بنظرة ساخرة وقال: ـ “لا طبعًا يا دكتورة… اتفضلي ارتاحي الأول من الحر ده.” لم يستغرق عقد القران سوى دقائق معدودة. أنهى المأذون مهمته ورحل مسرعًا، وكأنه يهرب هو الآخر من الحرارة. أطلقت أم يوسف زغرودة وحيدة خافتة، ثم غادرت. وأخيرًا… أُغلق الباب. ساد الصمت. وقف يوسف بجوار الباب، بينما اتجهت ليلى نحو السفرة، تضع حقيبتها فوق أحد المقاعد. تبادل الاثنان نظرة قصيرة. ثم أخرج يوسف عدة أوراق من جيبه ومدّها نحوها. ـ “طيب… خلصنا من الرسميات. اتفضلي، ده العقد اللي بيني وبينك.” أخذت الأوراق منه وهي تعقد حاجبيها. ـ “عقد إيه تاني؟ مش كفاية القسيمة؟” هز رأسه بثبات. ـ “لا. ده عقد اتفاق.” بدأت تقرأ البنود بسرعة: 1- الطلاق بعد ستة أشهر. 2- لكل طرف غرفته الخاصة. 3- أمام الناس نتصرف كزوجين سعيدين. 4- من يقع في الحب أولًا يدفع مليون جنيه. رفعت رأسها ببطء، ثم نظرت إليه وكأنها تشك في سلامة قواه العقلية. ـ “مليون جنيه؟! إنت فاكر نفسك توم كروز؟” ارتسمت ابتسامة مستفزة على شفتيه. ـ “طب زودي كمان… اللي يقع في الحب الأول يتنازل عن الشقة والعربية.” وضعت الورقة على الطاولة وقالت بثقة: ـ “موافقة. وزود كمان كليته الشمال عشان تبقى الخسارة بجد.” ضحك يوسف وهو يشير إليها بإصبعه. ـ “اتفقنا… عشان لما أكسب أحط الكلية في برطمان عندي في الشغل.” وقّعا العقد. يوسف السرجاني د. ليلى رفعت أعاد يوسف الأوراق إلى الملف، ثم قال: ـ “مبروك يا مدام. ست شهور بالظبط… عديهم على إيدك.” أجابت فورًا: ـ “١٨٢ يوم. حسبت الويك إند كمان. أنا دكتورة… بحسب الجرعة بالسنتي.” هز رأسه بإعجاب ساخر. ـ “عظمة… يلا ورايا.” قادها إلى غرفتها. فتح الباب وأشار بيده إلى الداخل. ـ “أوضتك آخر الطرقة يمين. الحيطة الرمادي دي خط أحمر… ممنوع التعليق عليها.” دخلت ليلى الغرفة وأخذت تتأملها. كانت مرتبة بصورة مبالغ فيها، خالية تقريبًا من أي لمسة حياة. شهقت وهي تنظر حولها. ـ “يا ساتر! إيه الكآبة دي؟ حاسة إني دخلت مستشفى.” عقد يوسف ذراعيه أمام صدره. ـ “ده اسمه ستايل هادي.” ضحكت بسخرية. ـ “ده يجيب الضغط. هعلق شهادتي هنا.” ـ “على جثتي.” ـــ بعد قليل… كان يوسف في المطبخ يعد قهوته المعتادة. دخلت ليلى وهي تضع كيس أدوية فوق الرخامة. ما إن رآه حتى انتفض. ـ “شيلي الزفت ده!” استدارت نحوه بدهشة. ـ “إيه؟!” أشار إلى الرخامة بقلق حقيقي. ـ “الرخامة دي غالية.” حدقت فيه لثوانٍ. ـ “ده دوا ضغط يا بني آدم!” ـ “حطيه في درج التلاجة.” تنهدت باستسلام مصطنع. ـ “حاضر يا سعادة البيه.” ثم أضافت بنبرة مستفزة: ـ “في أوامر تانية؟” رفع إصبعه يعدّد: ـ “المواعين ما تباتش… والتلاجة أنا اللي برتبها.” وضعت يديها على خصرها. ـ “إنت عايز زوجة ولا خدامة بكاتالوج؟” في منتصف الليل… عادت ليلى من المناوبة مرهقة. كان الإرهاق ظاهرًا في عينيها وخطواتها البطيئة. لكنها توقفت فجأة عندما وجدت يوسف جالسًا على الأرض وسط عشرات عينات السيراميك. رمشت عدة مرات. ـ “إنت بتعمل إيه؟ بتحضر عفريت؟” رفع رأسه دون أن يلتفت بالكامل. ـ “بختار سيراميك حمام.” ـ “الساعة ١٢؟” ـ “أنا بشتغل بالليل.” وبينما كانت تمر بجواره… اصطدم قدمها بإحدى العينات. ـ “آآه!” قفز يوسف واقفًا. ـ “حاسبي! دي المتر بألف جنيه!” أمسكت إصبع قدمها وهي تتألم. ـ “صباعي كان هيتقطع وإنت خايف على السيراميك؟!” ـ “ما تبصي قدامك!” ـ “وإنت ما تحطش الزفت ده في نص الصالة!” وقفا متقابلين. هي تتألم. وهو متضايق. ثم قال فجأة: ـ “على فكرة… الزعيق بيبوظ طاقة المكان.” حدقت فيه غير مصدقة. ـ “والله؟ والطاقة السلبية كلها طالعة منك ومن السيراميك بتاعك يا جحش!” كاد يرد بعصبية، لكنه لمح الاحمرار في إصبعها. تنهد واستسلم. اقترب قليلًا. ـ “هاتي رجلك أشوف.” تراجعت خطوة. ـ “خايف على إيه؟ على الباركيه؟” ـ “لا… خايف ألبس مصيبة لو جرالك حاجة.” تفحص إصبعها سريعًا. ثم قال: ـ “كويس. مجرد خبطة.” اعتدل واقفًا. ـ “حطي تلج.” استدارت نحو غرفتها وهي تتمتم: ـ “شكرًا يا دكتور يوسف.” وأغلقت الباب خلفها بعنف. ظل يوسف واقفًا للحظة. ثم نظر إلى عينات السيراميك المبعثرة وقال مخاطبًا إياها: ـ “معلش يا حبايبي… هي همجية شوية بس هتتعود عليكم. كان يوسف جالسًا أمام حاسوبه المحمول، غارقًا في مراجعة بعض الرسومات الهندسية. لم يكن يسمع سوى صوت لوحة المفاتيح وصمت الليل الثقيل. فجأة… وصلته كحة من غرفة ليلى. رفع رأسه قليلًا. ثم جاءت كحة ثانية. وثالثة. متتابعة وعنيفة. قبل أن يسمع صوت ارتطام حاد أعقبه تحطم زجاج. تجمد في مكانه لثانية. ثم نهض بسرعة واتجه إلى غرفتها. طرق الباب بقوة. ـ “ليلى؟” لا رد. طرق مرة أخرى. ـ “ليلى!” ظل الصمت مخيمًا. أمسك المقبض وفتحه دون تفكير. وجدها جالسة على السرير، ظهرها مستند إلى الحائط الرمادي، ووجهها محتقن بالاحمرار. كانت دموعها تملأ عينيها بينما تناثرت شظايا كوب زجاجي مكسور على الأرض بجوارها. اقترب بخطوات سريعة وقد انعقد حاجباه قلقًا. ـ “مالك؟ في إيه؟” رفعت رأسها بصعوبة. كان صوتها مبحوحًا ومتقطعًا. ـ “شرقت… والكوباية وقعت مني.” زفر يوسف بارتياح خفيف. ثم التقط حقيبتها الطبية من فوق الكومود. ـ “الدوا فين؟” أشارت بيد مرتجفة نحو الحقيبة. ـ “الأزرق… بتاع الكحة.” ظل يقلب بين الأدوية حتى وجده. فتح الزجاجة وأعطاها الجرعة، ثم أسرع إلى المطبخ وعاد بكوب ماء. شربت ببطء. وبعد دقائق بدأت أنفاسها تنتظم قليلًا. أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الحائط. أما يوسف فظل واقفًا للحظات لا يعرف ماذا يفعل. حك مؤخرة رأسه بتوتر قبل أن يسأل: ـ “إنتِ كويسة؟” فتحت عينًا واحدة ونظرت إليه. ـ “لا.” سحب كرسيًا من جانب الغرفة وجلس بعيدًا عنها مسافة آمنة. ـ “طب عايزة إيه؟” أجابت دون أن تفتح عينيها: ـ “عايزاك تمشي.” رفع حاجبيه. ـ “مش همشي.” ثم أضاف بجدية مصطنعة: ـ “لو موتي دلوقتي هلبس أنا فيكي.” خرجت منها ضحكة صغيرة رغم تعبها. ـ “طول عمرك ندل.” ارتخت ملامحه قليلًا. وساد بينهما صمت قصير. نهض يوسف فجأة وغادر الغرفة. نظرت ليلى إلى الباب باستغراب. لكنه عاد بعد دقيقة واحدة فقط. وفي يده شريط بنادول. وضعه بجوارها على السرير. ـ “عارف إنك مش مصدعة.” ثم هز كتفيه. ـ “بس البنادول ده بينفع لما الواحد يبقى متضايق. خديه احتياطي.” فتحت عينيها بالكامل هذه المرة. ونظرت إليه مطولًا. ـ “وإنت مالك؟ مش شغلك على فكرة.” أجاب وهو يتجنب النظر إليها: ـ “لا… شغلي.” عقد ذراعيه أمام صدره وأضاف: ـ “العقد بيقول نعيش مع بعض. والعيشة يعني لو حد تعب التاني يساعده.” توقف لحظة ثم أكمل: ـ “ده بند جديد ألفته حالًا.” ابتسمت رغمًا عنها. ـ “كداب أوي.” أشار بيده نحو الباب. ـ “خلاص. خلصنا.” استدار وغادر الغرفة. وقبل أن يغلق الباب خلفه… سمع صوتها يناديه بهدوء: ـ “يوسف…” توقف دون أن يلتفت. ـ “شكرًا.” ظل صامتًا لثانية. ثم أغلق الباب بهدوء هذه المرة. في صباح اليوم التالي… تسللت رائحة القهوة إلى أنحاء الشقة. خرجت ليلى من غرفتها لتجد يوسف جالسًا على طاولة السفرة، وأمام كل منهما مجّ قهوة. رفع عينيه إليها للحظة قصيرة. ـ “صباح الخير.” جلست مقابله. ـ “صباح النور.” أشار إلى المج الموجود أمامها. ـ “القهوة سادة عشان الضغط.” نظرت إليه باستغراب خفيف. ثم أخفت ابتسامتها سريعًا. ارتشفت رشفة صغيرة قبل أن تسأله: ـ “واللوحة اللي باظت إمبارح؟” تنهد يوسف بأسى مبالغ فيه. ـ “عملت غيرها.” ثم أشار إليها بإصبعه. ـ “وخصمت الستة آلاف جنيه من غرامتك المستقبلية.” رفعت حاجبًا باستنكار. ـ “غرامة إيه؟” ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسة. ـ “غرامة إنك عيطتي وأنا اتأثرت.” توقف لحظة. ثم أكمل بجدية زائفة: ـ “وده معناه إننا وقعنا في الحب.” وأشار إلى نفسه. ـ “يبقى عليا مليون جنيه.” شرقت ليلى بالقهوة وكادت تسعل. ـ “إنت اتجننت؟!” انفجر يوسف ضاحكًا لأول مرة منذ زواجهما. ـ “بهزر.” ثم أضاف وهو يشير إلى المج: ـ “اشربي قهوتك بعيد عن أي لوح ولا أي حاجة قابلة للكسر.” هزت رأسها وهي تضحك رغمًا عنها. ـ “ماشي يا يوسف…” ثم ضيقت عينيها محذرة: ـ “بس لو هزارك ده قلب جد… هتدفع المليون وكليتك.” أومأ برأسه بكل جدية. ـ “موافق.” ساد الصمت بعدها. لكن لم يكن ذلك الصمت المتوتر الذي ملأ الشقة في يومهما الأول. جلسا يحتسيان القهوة معًا. ولأول مرة منذ دخلا هذا البيت… لم تعد الجدران الرمادية تبدو كئيبة إلى هذا الحد. الفصل الثاني خرجت ليلى من غرفتها وهي تفرك إحدى عينيها بنعاس واضح. كان شعرها منكوشًا على نحوٍ مضحك، وكعكتها الشهيرة مائلة إلى جانب رأسها كأنها خاضت معركة أثناء النوم. ارتدت بيجامة قطنية مزينة بدباديب صغيرة، بينما كانت تحمل مج القهوة الخاص بها المكتوب عليه: Keep Calm I’m a Pharmacist توقفت عند مدخل الصالة، تتأمل يوسف الواقف أمام النافذة ممسكًا بشريط القياس. تثاءبت طويلًا وقالت: ـ “صباح الخير… إنت بتعمل إيه من الفجر؟ بتبني حيطة؟” أجاب دون أن يرفع عينيه عن القياسات: ـ “صباح النور. بقيس الشباك عشان الستاير. هتتركب النهارده.” ارتشفت رشفة من القهوة. ـ “ستاير؟ حلو. أخيرًا هنستر نفسنا. أنا بحس إني قاعدة في فاترينة عرض والعمارة اللي قصادنا كلها بتتفرج علينا.” استدار نحوها وقال بجدية كاملة: ـ “أيوه. ستارة بلاك أوت. سودا. تقيلة. تمنع النور مية في المية.” توقفت القهوة في منتصف الطريق إلى فمها. ـ “نعم؟!” أشار إلى الشباك. ـ “عشان أعرف أنام الضهر.” حدقت فيه وكأنه اعترف بجر\يمة. ـ “سودا؟! هنعيش في كهف؟” ـ “أنا بشتغل بالليل يا ليلى. والنور بيعملي صداع نصفي.” رفعت إصبعها تحاضر فيه كأنها داخل محاضرة جامعية. ـ “والشمس اللي ربنا خلقها؟ والفيتامين د؟ والبكتيريا اللي بتموت؟ نموت من الكساح عشان جنابك تنام؟” رد ببرود: ـ “الفيتامين د خديه حبوب.” ثم أضاف: ـ “أنا عايز ضلمة. ضلمة كحل.” شهقت باستنكار. ـ “وأنا عايزة شيفون أبيض. يدخل نور وهوا. عشان البيت مايبقاش ثلاجة موتى.” ـ “الشيفون بيدخل نور.” ـ “والبلاك أوت بيجيب اكتئاب.” ـ “أنا محتاج أنام.” ـ “وأنا محتاجة أعيش.” عقد يوسف ذراعيه أمام صدره. ـ “خلاص. مفيش ستاير.” هزت كتفيها. “ماشي. بس لما الجيران يصورونا وإحنا بنتخانق ماتزعلش.” عاد كل منهما للنظر فيما بيده. هو ينظر إلى شريط القياس. وهي تنظر إلى القهوة. وكأن المفاوضات الدولية قد فشلت رسميًا. بعد ساعة… رن جرس الباب. دخل عامل الستاير وهو يحمل رزمًا ضخمة من القماش. ـ “أستاذ يوسف؟ الستاير وصلت.” أشار يوسف فورًا. ـ “حط الأسود هنا.” وفي اللحظة نفسها قالت ليلى: ـ “لا. الأبيض هنا.” تجمد العامل في مكانه. نظر إلى يوسف. ثم إلى ليلى. ثم عاد ينظر إلى يوسف. ـ “يا أساتذة… ريحوني. أركب أنهي؟” وفي اللحظة نفسها: ـ “الأسود!” ـ “الأبيض!” تنهد الرجل بحسرة. ـ “لا إله إلا الله.” ثم حك رأسه مفكرًا. ـ “طب ما تركبوا الاتنين فوق بعض؟” ساد الصمت. ـ “إزاي؟” ـ “الأسود جوه… والأبيض بره. اللي عايز ضلمة يقفل الأسود. واللي عايز نور يفتحه.” نظر يوسف إلى الفكرة بعين المهندس. ـ “مقبولة هندسيًا.” ابتسمت ليلى. ـ “وأنا موافقة… مؤقتًا.” ثم أشارت إليه محذرة. ـ “بس لو صحيت لقيت الأوضة كحل هولع في الستارة السودا.” رفع حاجبًا واحدًا. ـ “ولو صحيت لقيت الشمس ضاربة في عيني هقص الشيفون بالمقص.” أما العامل فتمتم وهو يبدأ التركيب: ـ “يا رب صبرني.” ما إن أُغلقت ستارة البلاك أوت حتى غاصت الغرفة في ظلام كامل. اتسعت عينا ليلى. ـ “يا نهار إسود!” ثم استدارت حول نفسها. ـ “دي مقبرة مش أوضة!” أما يوسف فأغمض عينيه مستمتعًا. ـ “الله…” تنهد بارتياح. ـ “أخيرًا.” ثم رُكب الشيفون الأبيض أمامها. فخفّ الظلام وتحسن الوضع قليلًا. أشار يوسف إلى النتيجة النهائية. ـ “كده عندنا حل وسط.” ـ “حل وسط إيه؟” ـ “بالنهار نفتح الأسود ونسيب الأبيض.” ـ “وبعدين؟” ـ “ولما أنام أقفل الأسود.” ضيقت عينيها. ـ “وأنا اللي هفتح وأقفل؟” ـ “لا. أنا أقفل وإنتِ تفتحي.” ـ “ده جواز ولا شركة مقاولات؟” في ظهر اليوم نفسه… كانت الشمس تغمر الصالة بضوء دافئ جميل. أما يوسف فخرج من مكتبه بعينين حمراوين وملامح شخص لم ينم منذ أيام. توقف فجأة. نظر إلى الضوء. ثم صرخ: ـ “ليلى!” خرجت من المطبخ وهي تنشف يديها. ـ “نعم؟” ـ “اقفلي الزفت النور ده!” رفعت حاجبيها. ـ “الساعة اتنين الضهر!” ـ “وأنا بني آدم بنام الضهر!” ـ “والبني آدمين التانيين صاحيين!” لوّح بيده معترضًا. ـ “عقد الاتفاق. بند الراحة. البند الفرعي 3.2.” ضحكت بسخرية. ـ “مفيش بند بيقول نحول الشقة لقبر.” زفر بعصبية. ثم جذب الستارة السوداء. اختفى الضوء. ـ “يوسف! أنا بقطع سلطة!” ـ “ولعي نور.” ـ “وليه أولع نور وربنا منزل الشمس؟” ـ “عشان عندي صداع.” فتحت الستارة. عاد الضوء. أغلقها. فتحتها. أغلقها. فتحتها. حتى بدت الستارة وكأنها تشاركهما الخناقة. وأخيرًا قالت: ـ “إنت عيل صغير!” ـ “وإنتِ مستفزة!” وفي أثناء جذبها للستارة للمرة الأخيرة… انزلقت قدمها فوق بقعة ماء صغيرة. ـ “آآه!” اختفى الغضب من وجه يوسف فورًا. اندفع نحوها. وأمسك ذراعها قبل أن ترتطم بالأرض بثوانٍ. ساد الصمت. توقفت الدنيا حولهما للحظة. كانت قريبة منه جدًا. أقرب مما ينبغي. إصابعه ملتفة حول ذراعها. وأنفاسهما متداخلة. أما قلب يوسف فكان يدق بعنف من أثر الخضة. وربما لسبب آخر. نظر إليها بقلق حقيقي. ـ “إنتِ كويسة؟” ابتلعت ريقها بصعوبة. ـ “أيوه…” ثم أضافت بسرعة: ـ “سيب دراعي.” تركها فورًا كأنه تذكر فجأة أنه يمسكها. وتراجع خطوة كاملة للخلف. ـ “كنتي هتتكسري.” ثم أشار إلى الشبشب. ـ “البسي حاجة عدلة.” عدلت كعكة شعرها مرتبكة. ـ “ما إنت اللي قلبت الشقة ضلمة.” تنهد باستسلام. ـ “خلاص.” ثم أشار نحو الستارة. ـ “خلي الشيفون مفتوح.” توقفت. ـ “بجد؟” ـ “آه.” ثم أضاف وهو يتحرك نحو غرفته: ـ “هنام في أوضتي وأمري لله.” ورزع الباب خلفه. بقيت ليلى واقفة في مكانها عدة ثوانٍ. تنظر إلى الباب المغلق. ثم إلى ذراعها. ورفعت يدها تلمس المكان الذي أمسكها منه. وتمتمت: ـ “غبي…” صمتت لحظة. ـ “وتنك.” ثم أكملت وهي تحاول منع ابتسامتها: ـ “وإيده تقيلة.” لكنها لم تقل إن قلبه كان يدق بسرعة مثل قلبها تمامًا. كانت ليلى جالسة في الصالة، وقد فتحت حاسوبها المحمول تتابع أحد الكورسات الإلكترونية استعدادًا لامتحان الفارما. كانت الستارة الشيفون مسدلة، بينما بقيت ستارة البلاك أوت مفتوحة، فتسلل الضوء الأصفر القادم من أعمدة الشارع إلى الداخل، فارضًا جوًا رومانسيًا لم يقصده أحد منهما. خرج يوسف من مكتبه مرهقًا، وعيناه محمرتان من السهر. لمحها جالسة أمام الحاسوب فتوقف قليلًا. يوسف: “سهرانة؟” ليلى، من دون أن ترفع عينيها عن الشاشة: “أيوه. بذاكر. ورايا امتحان فارما.” توجه يوسف إلى المطبخ، وأعد كوبين من النسكافيه، ثم عاد ووضع أحدهما أمامها على الطاولة. نظرت ليلى إلى الكوب ثم إليه باستغراب. ليلى: “إيه ده؟” يوسف: “نسكافيه. عشان السهر. من غير سكر. عشان الضغط.” ليلى: “ميرسي… بس ليه؟” جلس على الكنبة البعيدة وقال بجدية مصطنعة: يوسف: “عشان… عشان لو نمتي وإحنا متخانقين الطاقة السلبية هتزيد في البيت. ده بند جديد.” ضحكت ليلى رغمًا عنها. ليلى: “إنت بتألف بنود على مزاجك؟” يوسف: “العقد عقدي وأنا حر فيه.” في ليلة أخرى، كان يوسف نائمًا على الكنبة في الصالة بعد أن تعطل مكيف غرفته. أغلق ستارة البلاك أوت بالكامل، حتى غاص المكان في ظلام حالك. في الثالثة فجرًا تقريبًا، تلقت ليلى اتصالًا عاجلًا من الصيدلية. كانت هناك حالة طارئة تتطلب حضورها فورًا. نهضت مسرعة، ارتدت ملابسها على عجل، ثم خرجت إلى الصالة لتأخذ حقيبتها. كان الظلام كثيفًا إلى حد أنها لم تعد ترى شيئًا. اصطدمت أولًا بالطاولة. “أوووف.” ثم واصلت طريقها لتصطدم بساق يوسف. انتفض يوسف من نومه مذعورًا. يوسف: “مين؟! حرامي؟!” ليلى: “بس! بس ده أنا! رايحة شغل!” اعتدل جالسًا وهو يفرك عينيه. يوسف: “شغل إيه الساعة 3؟! والنور مطفي ليه؟!” ليلى: “حالة طارئة! والستارة بتاعتك المقرف مضلمة الدنيا مش شايفة!” نهض وفتح الإضاءة. يوسف: “ما تولعي النور يا بنتي!” ليلى: “ماردتش أصحيك!” يوسف: “ما إنتي صحيتيني بخبطك! كنتي هتكسري رجلي!” تأملها للحظة. كان شعرها منكوشًا، وملامحها ما تزال غارقة في النعاس، لكنها مستعدة للخروج لإنقاذ شخص لا تعرفه. قال فجأة: يوسف: “استني.” دخل المطبخ وعاد بكوب حراري مملوء بالنسكافيه الساخن. يوسف: “خدي ده. عشان تفوقي.” أخذته وهي تنظر إليه باستغراب. ليلى: “شكراً… بس…” يوسف: “بس إيه؟ امشي قبل ما الحالة تموت. يلا.” خرجت، فأغلق الباب خلفها وأسند ظهره إليه. ثم نظر إلى ستارة البلاك أوت. ولأول مرة شعر أنها سخيفة فعلًا. فتحها نصف فتحة، حتى إذا عادت قبل الشروق لا تتعثر في الظلام مرة أخرى. عادت ليلى بعد ساعات، منهكة لكنها سعيدة. لقد نجحت في إنقاذ الرجل. دخلت الشقة بهدوء، فوجدت يوسف ما يزال نائمًا على الكنبة، بينما تسلل ضوء الفجر الأبيض من خلال الفتحة الصغيرة في الستارة وسقط على وجهه. تناولت البطانية الخفيفة الموضوعة على الكرسي، ثم غطته بها برفق كي لا يبرد بسبب المكيف. وأثناء ذلك لامست أصابعها خده مصادفة. كان خشنًا بفعل اللحية. سحبت يدها بسرعة. فتح يوسف عينًا واحدة على أثر الحركة. يوسف: “رجعتي؟” ارتبكت قليلًا. ليلى: “أيوه… آسفة صحيتك.” يوسف: “الراجل عاش؟” ابتسمت بتعب. ليلى: “أيوه… عاش.” أغمض عينيه من جديد وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. يوسف: “جدعة يا دكتورة.” ثم عاد إلى النوم. بقيت ليلى واقفة تنظر إليه لثوانٍ. “جدعة يا دكتورة.” قالها هذه المرة بلا سخرية، ولا مزاح. دخلت المطبخ وأعدت لنفسها قهوة. ثم نظرت إلى الستارة. وأغلقت البلاك أوت بالكامل. وتمتمت: “عشان الباشمهندس ينام ساعتين كمان من غير شمس.” استيقظ يوسف بعد ذلك بساعات، ليجد الصالة غارقة في الظلام. اعتدل فجأة. يوسف: “ليلى! النور!” خرجت من غرفتها مستغربة. ليلى: “إيه؟ في إيه؟” أشار إلى الستارة. يوسف: “قافلاها ليه؟ الساعة 1 الضهر!” عقدت ذراعيها أمام صدرها. ليلى: “عشان سعادتك تنام. مش إنت بتقول الضلمة علاج؟ اتفضل اتعالج.” نظر إليها، ثم إلى الستارة، ثم انفجر ضاحكًا. كانت تلك أول ضحكة حقيقية تخرج منه منذ زواجهما. يوسف: “يا شيخة… قومي افتحيها. صدعتيني.” فتحت ليلى الستارة، فاندفع الضوء إلى الصالة. أغمض يوسف عينيه متأثرًا بالسطوع. يوسف: “أيوه كده. اتعميت. شكراً.” ليلى: “العفو. ده واجبي…” وقبل أن تكمل، قال: يوسف: “بصي… عشان نخلص من الخناقة دي. هنعمل حاجة.” أحضر سلمًا من البلكونة. ليلى: “هتعمل إيه؟ هتنتحر من الشباك؟” يوسف: “لا. هعلق حاجة.” صعد إلى السلم وأخرج علبة صغيرة. ليلى: “إيه دي؟” يوسف: “موتور. موتور ستارة كهربا. بريموت.” وخلال دقائق كان قد ركبه فوق الستارة. نزل بعدها وأخرج جهازي تحكم صغيرين. أعطاها الأبيض واحتفظ بالأسود. يوسف: “الأسود بتاعي. بيقفل البلاك أوت. والأبيض بتاعك. بيفتحها. من غير ما نتخانق، ومن غير ما نشد. دوسي على زرار، والستارة تفتح وتقفل لوحدها.” حدقت فيه بدهشة. ليلى: “إنت… إنت جبته إمتى ده؟” يوسف: “طلبته أونلاين إمبارح بعد ما كنتي هتموتي وتقعي. قولت بدل ما نكسر بعض، نكهرب الستارة.” ليلى: “وسايبني أتخانق معاك من الصبح ليه؟!” يوسف: “عشان بحب أشوفك وإنتي متعصبة. شكلك يضحك.” فقذفته بالمخدة. ليلى: “يا باااارد!” أمسكها وهو يضحك. يوسف: “خلاص خلاص! جربي الريموت.” وبدآ يضغطان الأزرار كالأطفال. تُغلق. تُفتح. تُغلق. تُفتح. حتى كادت ليلى تسقط من الضحك. ليلى: “بس! بس دوخت!” يوسف، ضاغطًا مرة أخرى: “آخر مرة… آخر مرة أصلها حلوة أوي.” غرقت الغرفة في الظلام. وساد الصمت. ليلى: “يوسف… افتح النور.” جاء صوته من العتمة. يوسف: “ليه؟ خايفة؟” ليلى: “لا… بس… مش شايفاك.” ساد صمت قصير. ثم قال: يوسف: “وأنا مش شايفك برضو. بس سامع صوتك. وسامع ضحكتك من شوية.” تسارع نبض قلبها. ليلى: “طب افتح بقى عشان…” ضغط يوسف على الريموت الأبيض. فانفتحت الستارة وعاد الضوء إلى الصالة. وجدته واقفًا بالقرب منها أكثر مما ينبغي. يوسف: “عشان إيه؟” ابتلعت ريقها. ليلى: “عشان… عشان أشوف هضربك بالمخدة فين.” ضحك وتراجع خطوة. يوسف: “يا ساتر.” ثم وضع الريموت الأبيض في يدها. يوسف: “خليه معاكي. ده سلا\حك الجديد. بس ماتفتحيهاش عليا وأنا نايم.” لامست أصابعه أصابعها لثانية واحدة. ليلى: “موعدكش. لو صحيت لقيتك مقفلها هصحيك بالريموت في دماغك.” غادرت إلى غرفتها. أما هو فبقي واقفًا ممسكًا بالريموت الأسود، وعلى وجهه ابتسامة لم يحاول إخفاءها. وقبل أن تنام، نظرت ليلى إلى الريموت الأبيض الموضوع فوق الكومودينو. أمسكته، ثم نظرت نحو باب غرفته. راودتها فكرة أن تضغط الزر وتفتح الستارة عليه لتوقظه. لكنها هزت رأسها قائلة: “لا. خليه ينام. بكرة نكمل خناق.” وضعت الريموت بجوارها واستسلمت للنوم. وفي غرفته، كان يوسف لا يزال مستيقظًا، يتأمل الريموت الأسود بين يديه. ثم تمتم لنفسه: “مليون جنيه… والله شكلي هدفعهم قريب.” وابتسم قبل أن يغفو. الفصل الثالث والرابع كانت رائحة الزيت الساخن تملأ المطبخ الصغير، وصوت الطقطقة المتواصلة يتردد في أرجاء الشقة كأن معركةً صغيرة تدور فوق سطح البوتاجاز. وقفت ليلى أمام النار بكامل تركيزها. كانت ترتدي بيجامة مزينة ببطاريق صغيرة، بينما جمعت شعرها في كعكة مهزوزة أعلى رأسها، وربطت المريلة الصفراء حول خصرها بإحكام. في يدها شوكة تقلب بها شرائح البانيه، وفي الأخرى طبق تنتظر فيه الدفعة التالية. في تلك اللحظة، انفتح باب الشقة. دخل يوسف بخطوات متعبة بعد يومٍ طويل في الموقع. كان الغبار الأبيض يغطي ملابسه وكتفيه، وحتى أطراف شعره لم تسلم من التراب. ما إن أغلق الباب خلفه حتى وصلته الرائحة. توقف في مكانه فجأة، ثم رفع رأسه نحو المطبخ باستنكار. يوسف: “يا ساتر… إيه ريحة القنبلة دي؟!” لم تلتفت ليلى إليه، واكتفت بقلب قطعة البانيه داخل الزيت. ليلى: “دي ريحة بانيه يا باشمهندس. أكل بني آدمين طبيعيين… مش أكل الجرايد والخضار اللي بتاكله.” زفر يوسف بضيق، ووضع متعلقاته جانبًا، ثم اتجه نحو المطبخ. وقف عند الباب وهو ينظر إلى الطاسة كمن اكتشف كارثة وطنية. يوسف: “بتقلي إيه؟ بانيه؟ في الزيت؟ في مطبخي؟” رفعت ليلى حاجبًا واحدًا دون أن تنظر إليه. ليلى: “أيوه في مطبخك، وفي الزيت، وفي بيتي. عندك مانع؟” فتح كفيه بعدم تصديق. يوسف: “طبعًا عندي! الزيت ده بيطرطش! هيبوظ الرخام الكرارة ويلزق في دواليب الخشب الأرو!” هزت رأسها في ملل وهي تقلب البانيه. ليلى: “ما تقلقش. أنا دكتورة وبعرف أتعامل مع السوائل المتطايرة.” ثم أشارت إلى الغطاء الموضوع فوق الطاسة. ليلى: “وبعدين حاطة غطا أهو.” وكأن القدر كان ينتظر تلك الجملة تحديدًا. قفزت نقطة زيت كبيرة من تحت الغطاء، وحلقت في الهواء لثانية واحدة قبل أن تستقر على الحائط خلف البوتاجاز. الحائط الذي أمضى يوسف أسبوعًا كاملًا يتابع دهانه واختيار درجته بنفسه. تجمدت ملامحه. ثم اتسعت عيناه ببطء. يوسف: “ليلى…” التفتت إليه باستغراب. ليلى: “نعم؟” رفع إصبعه نحو الحائط. كانت يده ترتجف فعلًا. يوسف: “شايفة النقطة دي؟” نظرت إلى حيث يشير. ليلى: “أيوه. نقطة زيت.” ابتلع ريقه بصعوبة. وجاء صوته منخفضًا بشكلٍ أخطر من الصراخ. يوسف: “دي مش نقطة… دي بصمة عار على تاريخي المهني.” حدقت فيه لحظة، ثم انفجرت ضاحكة. أما هو فظل ينظر إلى البقعة وكأنه يشاهد انهيار برج كامل أمام عينيه. اقتربت من الحائط وهي لا تزال تضحك. ليلى: “يا سلام؟ طول العمر؟ طب بص.” التقطت فوطة مبللة من جوار الحوض ورفعتها نحو الحائط. وفي الثانية التالية قفز يوسف من مكانه. يوسف: “لااااا! ماتلمسيهاش!” توقفت يدها في الهواء. ليلى: “إيه؟!” يوسف: “هتبوظيها أكتر! هتوسعي البقعة!” نظرت إليه ثم إلى الفوطة ثم إليه مرة أخرى. ليلى: “طب أعمل إيه؟ أعلق عليها برواز؟” خطف الفوطة من يدها بسرعة. ثم وقف أمام الحائط يتأمل البقعة بحزنٍ حقيقي. يوسف: “إنتِ… إنتِ بوظتي الحيطة.” زفرت ليلى بقوة. ليلى: “يوسف ما تكبرش الموضوع. دي نقطة زيت مش جر\يمة قت\ل.” رفع رأسه نحوها. يوسف: “إنتِ عارفة عشان أدهن الحيطة دي تاني لازم أجيب النقاش ويصنفر ويدي وشين؟ واللون عمره ما هيطلع نفس الدرجة مية في المية؟” نفد صبرها أخيرًا. ألقت الشوكة داخل الحوض بصوتٍ مرتفع. ليلى: “خلاص! أنا آسفة إني بجوع! وآسفة إني بحاول أعمل أكل في البيت!” كانت نبرتها ترتفع أكثر مع كل كلمة. ليلى: “بعد كده هطلب دليفري وآكل خس زي الأرانب عشان الدهان بتاعك ميتوسخش!” رد فورًا دون تفكير. يوسف: “ياريت! الخس مابيطرطش زيت أصلًا!” ساد الصمت. ثانية… ثانيتان… ثم أغلقت ليلى النار بعنف. التفتت نحو الطاسة. كان البانيه قد احترق. حدقت فيه للحظة قبل أن تضحك ضحكة قصيرة ساخرة. ليلى: “الأكل اتحرق. مبسوط؟” نظر إلى البانيه الأسود. ثم إلى البقعة. ثم إليها. يوسف: “أيوه. عشان تتعلمي إن المطبخ ده له قوانين.” نزعت المريلة بعصبية وألقتها فوق الطاولة. ليلى: “قوانين؟!” تقدمت نحوه خطوة. ليلى: “هدفع تمن الدهان. عشرة آلاف؟ عشرين ألف؟ خدهم واخلص.” شد يوسف فكه. يوسف: “الموضوع مش فلوس يا ليلى.” ليلى: “أمال إيه؟” يوسف: “الموضوع تقدير. ده بيتي.” تغيرت ملامحها فورًا. واختفت السخرية من وجهها. ليلى: “وده بيتي أنا كمان.” أشارت إلى الأرض حولها. ليلى: “بقالي ست شهور عايشة هنا. يعني بيتي غصب عنك. ومن حقي أقلي بانيه فيه.” تبادل الاثنان النظرات لثوانٍ طويلة. ثم استدارت فجأة وغادرت المطبخ. وفي اللحظة التالية دوى صوت الباب وهو يُغلق خلفها بعنف. بقي يوسف وحده. نظر إلى البانيه المحترق. ثم إلى المريلة الملقاة على الطاولة. ثم إلى بقعة الزيت الصغيرة. ومرر يده فوق وجهه بإرهاق. يوسف (بهمس): “غبية… ومستفزة… ومبتسمعش الكلام.” لكن الغريب… أنه لم يكن غاضبًا كما ادعى. طرق يوسف باب غرفتها بخفة، وحين لم يصله رد، دفع الباب قليلًا وأطل برأسه إلى الداخل. كانت ليلى جالسة فوق السرير، تضم ساقيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بشاشة الحاسوب المحمول أمامها. بدا مسلسلها التركي أهم من العالم كله. وفي يدها كيس شيبسي مفتوح تأكل منه بغيظ واضح. توقف يوسف عند الباب، وحدق في الكيس بدهشة. ـ “ليلى… إنتِ بتاكلي شيبسي؟” أجابته من غير أن ترفع عينيها عن الشاشة: ـ “أيوه. الشيبسي مابيطرطش زيت. آمن على الرخام. أقدر آكله عادي.” زفر يوسف ودخل خطوتين إلى الغرفة. ـ “طب… إنتِ كويسة؟” رفعت عينيها إليه أخيرًا، ثم قالت ببرود متعمد: ـ “أنا زي الفل. طالما بعيدة عن المطبخ، وعن الدهان، وعنك.” عقد حاجبيه وقال: ـ “بلاش تقلبيها دراما. أنا كنت خايف على الشقة.” استدارت نحوه بالكامل، وقد اشتعلت عيناها بالاعتراض. ـ “أنا جيت أعمل بانيه… وحضرتك بوظت الأكلة وبوظت اليوم.” ساد الصمت بينهما للحظة. وقعت عيناه على كيس الشيبسي، فحاول تلطيف الأجواء. ـ “طب… تحبي أطلبلك بيتزا؟” هزت رأسها نفيًا. ـ “لا. البيتزا فيها صلصة. والصلصة بتبقع. هكمل أكل في الشيبسي.” مرر يوسف يده في شعره بتوتر. ـ “خلاص… براحتك.” أجابته سريعًا: ـ “هجيبلك نقاش على حسابي بكرة. ارتحت؟” هز رأسه باستسلام. ـ “ماشي. شكرًا.” ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء. ما إن اختفى حتى ألقت ليلى كيس الشيبسي جانبًا، وعقدت ذراعيها أمام صدرها. ـ “بارد… وتنك… ومابيحسش.” في المساء، كان يوسف جالسًا في الصالة أمام حاسوبه المحمول، يراجع بعض الملفات بينما يتناول شطيرة جبن رومي. خرجت ليلى من غرفتها بعد أن بدلت ملابسها، وكانت ترتدي ملابس منزلية مريحة، ويبدو أنها انتهت للتو من الاستحمام. في يدها علبة صغيرة. رفع يوسف رأسه نحوها. ـ “خير؟” تقدمت منه بثقة حتى وقفت أمامه مباشرة. ـ “افتح بوقك.” رمش عدة مرات باستغراب. ـ “نعم؟ ليه؟ هتسمميني؟” ابتسمت بخبث. ـ “أيوه. هفتح بوقك وأحطلك سم. افتح بقولك.” أغلق فمه فورًا وهز رأسه. ـ “مش فاتح. قولي عايزة إيه.” فتحت العلبة وأخرجت منها حقنة ممتلئة بسائل أصفر. تجمد يوسف في مكانه. ـ “ده فيتامين ب12. وشك أصفر زي اللمونة من قلة الأكل والشغل. لازم تاخده.” اتسعت عيناه في رعب حقيقي، وتراجع بجسده إلى الخلف. ـ “حقنة؟! نعم؟! ليه؟! أنا كويس!” وضعت يدًا على خصرها وقالت بلهجة الطبيبة الواثقة: ـ “لا مش كويس. عينك حمرا، وتحت عينك إسود، ووشك بهتان. افتح دراعك.” انتفض واقفًا. ـ “يا ليلى أنا بخاف من الحقن! من وأنا صغير!” رفعت الحقنة في الهواء مهددة. ـ “يلا يا شاطر. مش هتوجع.” ـ “لا! مستحيل!” ثم أشار إلى الحقنة بذعر. ـ “حطيها في العصير وأنا أشربها!” انفجرت ضاحكة. ـ “دي حقنة عضل يا ذكي! مش دوا شرب!” بعد دقائق قليلة، كان يوسف يركض نحو غرفته بأقصى سرعة، بينما تطارده ليلى وهي تلوح بالحقنة وتكاد تختنق من الضحك. ـ “يا مجنونة! ابعدي عني! هطلب البوليس!” ـ “البوليس مش هينفعك! أنا معايا ترخيص مزاولة مهنة!” وصل إلى غرفته وأغلق الباب بالمفتاح بسرعة. استند بظهره إلى الباب وهو يلهث. ـ “مش فاتح!” جاءها صوته من الداخل. ـ “روحي ادي الحقنة لنفسك!” أسندت هي الأخرى ظهرها إلى الباب من الخارج. ـ “فاكر نفسك هتهرب؟ هحطلك منوم في القهوة بكرة وأديهالك وإنت نايم!” ـ “لو عملتي كده هرفع عليكي قض\ية شروع في قت\ل!” ضحكت بصوت عالٍ. ـ “وأنا هرفع عليك قض\ية إهمال في صحتك!” ظل هو متشبثًا بالباب من الداخل وقلبه يدق بعنف، بينما كانت هي تضحك حتى دمعت عيناها. وأخيرًا قالت بنبرة أهدأ: ـ “خلاص يا يوسف… بهزر. مش هديهالك بالعافية. بس لازم تاخد فيتامين. هجيبلك حبوب.” تنفس الصعداء فورًا. ـ “أيوه كده… نتفاهم.” لوحت له بإصبعها محذرة. ـ “بس لو وشك ماتحسنش خلال 3 أيام، هجيب سرنجة 10 سم.” ثم استدارت وغادرت. أما هو ففتح الباب قليلًا ليتأكد من رحيلها، ثم أغلقه مجددًا وتمدد فوق السرير. وابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتيه. ـ “مجنونة… ومرعبة. بس دمها خفيف.” استيقظت ليلى مبكرًا على غير عادتها. أعدّت فنجان قهوة وجلست في المطبخ الهادئ تحتسيه ببطء، بينما تتسلل أشعة الصباح الذهبية عبر النافذة. بعد دقائق، ظهر يوسف عند باب المطبخ. كان يبدو وكأنه خرج لتوه من المعركة مع النوم؛ شعره منكوش، وعيناه نصف مغمضتين. ما إن رآها حتى ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: ـ “صباح الخير.” رفعت ليلى رأسها عن فنجانها، وبادلته الابتسامة. ـ “صباح النور. نمت كويس؟” جلس على الكرسي المقابل لها وهو يتمطى. ـ “أيوه. الحمد لله محدش إداني حقنة وأنا نايم.” انفجرت ضاحكة وهزت رأسها. ـ “لا ماتخافش. بس جبتلك ده.” مدّت يدها خلفها وأخرجت علبة صغيرة، ثم وضعتها أمامه على الطاولة. نظر إليها بحذر قبل أن يلتقطها. كانت علبة فيتامين ب12، أقراص تُؤخذ تحت اللسان. ارتخت ملامحه فورًا. ـ “ماشي. هاخده. شكرًا… يا دكتورة.” رفعت حاجبًا بمشاكسة. ـ “العفو… يا باشمهندس.” فتح العلبة يتفحصها، ثم رفع رأسه نحو الحائط الذي ما زالت بقعة الزيت تزينه. وأشار إليه قائلًا: ـ “على فكرة… كلمت النقاش. جاي بكرة.” اعتدلت ليلى في جلستها فورًا. ـ “وأنا هحاسب. ده وعد.” لوّح بيده معترضًا. ـ “لا خلاص. مش لازم.” تردد قليلًا ثم أضاف: ـ “البقعة صغيرة. هحط قدامها تابلوه ومحدش هيشوفها.” حدقت فيه باستغراب واضح. ـ “بجد؟ مش هتدهنها؟” ابتسم يوسف وهز كتفيه ببساطة. ـ “أصل… فكرت فيها. إنتِ عندك حق. ده بيت. والبيت لازم يتعاش فيه. لو فضلت خايف على كل حيطة وكل ركن، هنعيش في متحف… مش في بيت.” سكتت ليلى. لم يكن يتحدث عن الحائط فقط. وكانت تعرف ذلك. شعرت بشيء دافئ يتحرك داخلها، فخفضت عينيها إلى فنجان القهوة حتى لا يلاحظ تأثرها. لكن يوسف قطع الصمت فجأة. ـ “بس… عندي شرط.” رفعت رأسها نحوه. ـ “عارفة. إيه هو؟” مال بجسده للأمام وقال بجدية مصطنعة: ـ “لما تيجي تقلي بانيه تاني، حطي الشفاط. وغطي الطاسة كويس. و…” توقف لحظة. ـ “وممكن تنادي عليا أقف جنبك؟ عشان لو الزيت طرطش ألحقك.” رغمًا عنها، تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها. ـ “ماشي. موافقة. بس بشرط.” ـ “إيه؟” أشارت إليه بإصبعها. ـ “تاكل معايا. ماتقرفش وتقعد تقول الزيت وحش ومضر للصحة والكلام الفاكس ده.” ضحك يوسف. ـ “موافق. بس لو جالي حموضة، إنتِ المسؤولة.” ـ “اتفقنا.” في المساء، كانت ليلى تقف في المطبخ مرتدية مريلتها الصفراء المفضلة، منهمكة في تتبيل شرائح البانيه. أما يوسف فكان يقف إلى جوارها مرتديًا تيشيرت منزليًا بسيطًا، ممسكًا بغطاء الحلة الكبير بكلتا يديه وكأنه درع حربي يستعد للمعركة. التفتت إليه وهي تكتم ضحكتها. ـ “جاهز؟” شد قبضته على الغطاء. ـ “جاهز. أول ما تحطي البانيه هغطي الطاسة فورًا.” هزت رأسها. ـ “تمام. ثلاثة… اتنين… واحد!” وضعت أول قطعة في الزيت. فانطلق صوت القلي عاليًا: “تشششششش!” قفز يوسف في مكانه، وأطبق الغطاء فوق الطاسة بسرعة البرق. ـ “غطي! غطي!” انحنت ليلى من شدة الضحك. ـ “إنت بتحارب؟! اهدى! دي طاسة مش قنبلة!” أجابها وهو ما يزال متحفزًا: ـ “في فرق يعني؟ الاتنين بيطرطشوا!” مر الوقت وهما واقفان جنبًا إلى جنب. كانت هي تقلب البانيه بخفة وخبرة، بينما يقف هو مستعدًا للتدخل في أي لحظة. التفتت إليه فجأة. ـ “على فكرة… شكلك مضحك أوي وإنت ماسك الغطا كده.” نظر إليها مبتسمًا. ـ “وإنتِ شكلك ألذ وإنتِ بتطبخي. ماكنتش أعرف إنك شاطرة.” شعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها. فأخفضت عينيها نحو الطاسة بسرعة. ـ “على قدي. بس بعرف أقلي كويس.” ابتسم بخبث. ـ “وبتعرفي تدي حقن ترعب البدن.” رفعت رأسها فورًا. ـ “وأنت بتعرف تخاف من الحقن زي العيال بالظبط.” تنهد يوسف مستسلمًا. ـ “ماشي ماشي… إحنا خالصين واحدة بواحدة.” بعد دقائق، أخرجت ليلى البانيه من الزيت. كان ذهبي اللون وشهيًا بشكل يفتح الشهية. وضعته في طبق أمام يوسف وقالت بثقة: ـ “دوق.” التقط قطعة صغيرة، ونفخ فيها قبل أن يتذوقها. راقبته ليلى بترقب واضح. ـ “إيه؟ وحش؟” رفع رأسه ببطء. ثم اتسعت عيناه بدهشة حقيقية. ـ “لا… ده حلو أوي.” توقف لحظة ثم أضاف: ـ “أحلى من أكل أمي.” شهقت ليلى. ـ “بجد؟!” هز رأسه مؤكدًا. ـ “بجد. بس ماتقوليلهاش.” انفجرت ضاحكة من قلبها. ضحكة صافية جعلت المطبخ كله يبدو أكثر دفئًا. وفي نهاية اليوم، كان يوسف يقف أمام الحوض يغسل الأطباق وهو يصفر بلحن خافت. رفع رأسه مصادفة نحو بقعة الزيت على الحائط. تأملها لثوانٍ. ثم ابتسم. لأول مرة… لم تعد تبدو له بقعة مزعجة. بل ذكرى جميلة. الساعة العاشرة صباحًا. كانت ليلى قد استيقظت منذ فترة، بينما كان يوسف يقف أعلى السلم الصغير يثبت لوحة ديكورية على الحائط. ارتدى ملابس العمل المنزلية، وقد انشغل تمامًا فيما يفعله. رفعت ليلى رأسها نحوه وقالت بابتسامة خفيفة: ليلى: “صباح الخير… بتعمل إيه يا سبايدر مان؟” أجابها دون أن يلتفت إليها، وعيناه مثبتتان على المسمار: يوسف: “صباح النور. بركب تابلوه. إوعي تهزي السلم.” تقدمت ببطء نحو الكنبة الجلدية البيج الموضوعة في الصالة. مررت أصابعها على أحد الأركان ثم عقدت حاجبيها. ليلى: “الكنبة دي… حساها متربة.” التفت إليها يوسف فجأة وكأنها وجهت إليه إهانة شخصية. يوسف: “نعم؟! متربة؟! دي أنا ماسحها بإيدي إمبارح! دي جلد طبيعي يا ليلى!” أشارت إلى نقطة صغيرة على ظهر الكنبة. ليلى: “لا، متربة. بص هنا.” انحنى يوسف من فوق السلم محاولًا رؤية ما تشير إليه. يوسف: “فين؟! دي مش تراب أصلًا… ده انعكاس ضوء!” هزت كتفيها بعدم اقتناع. ليلى: “أنا عندي وسواس نضافة، ومقدرش أقعد على حاجة حاسة إنها متربة.” ثم التقطت بخاخة الكحول من فوق الطاولة. وقعت عين يوسف على البخاخة فتغيرت ملامحه فورًا. يوسف: “ليلى… إنتِ هتعملي إيه؟” ليلى: “هرش كحول. الكحول بيعقم.” اتسعت عيناه بذعر حقيقي. يوسف: “لااا! إوعي! الجلد الطبيعي لو جه عليه كحول هيتبهدل! هتبوظي الكنبة!” ليلى: “هو أنا هولع فيها؟ دي مجرد رشة.” يوسف: “الرشة دي كفاية تدمر الجلد! في منظف مخصوص ليها.” رفعت حاجبًا باستغراب. ليلى: “منظف مخصوص لكنبة؟” يوسف: “أيوة، وفي الدولاب. استني أجيبه.” نظرت إلى الكنبة، ثم إلى البخاخة، ثم عادت تنظر إليه. ليلى: “بص… يا أرشها دلوقتي يا مش قاعدة عليها.” يوسف: “استني دقيقة واحدة بس!” لكنها لم تنتظر. ضغطت على البخاخة، فانطلقت رشة كبيرة استقرت على نصف المقعد تقريبًا. تجمد يوسف في مكانه لثانية كاملة. ثم شهق وكأنه شاهد كارثة. يوسف: “يا مصيبتي!” نزل من فوق السلم بسرعة وأسرع نحو الكنبة. انحنى فوقها يتفحص البقعة المبللة وكأنها مريض في غرفة العمليات. يوسف: “إنتِ رشيتي كحول على جلد إيطالي؟! إنتِ مجنونة؟!” وقفت أمامه واضعة يديها على خصرها. ليلى: “أيوة رشيت. أهو بيلمع وبقى نضيف.” رفع يوسف يده إلى رأسه في انهيار. يوسف: “الجلد ده ممكن يتشقق ويبوظ! بوظتي الكنبة يا ليلى!” لوحت بيدها بلا مبالاة. ليلى: “يووه! ما تكبرش الموضوع. لو باظت هجيب غيرها.” ضحك يوسف ضحكة قصيرة غير مصدقة. يوسف: “هتجيبي غيرها منين؟ دي مش علبة بنادول!” ليلى: “في الآخر دي كنبة يا يوسف.” أشار إليها بعصبية ثم إلى الكنبة. يوسف: “بالنسبة لك كنبة. بالنسبة لي حاجة دفعت فيها دم قلبي!” ساد الصمت لثوانٍ. ثم قالت ليلى بصوت أبرد من السابق: ليلى: “تمام… فهمت.” رفع يوسف حاجبيه. ليلى: “الكنبة أغلى مني.” اتسعت عيناه وهو يدرك كيف فهمت كلامه، لكنه لم يجد ردًا سريعًا. استدارت هي على الفور واتجهت نحو غرفتها. يوسف: “ليلى… استني، أنا مقصدتش—” لكن الباب أُغلق بقوة قبل أن يكمل جملته. وقف يوسف في منتصف الصالة ينظر إلى الباب المغلق، ثم إلى الكنبة المبللة أمامه. زفر بضيق، وهز رأسه وهو يتمتم: “عنيدة… ومتهورة… ومابتسمعش الكلام.” ثم مرر يده بحذر فوق الجلد محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما ظل صدى الباب المغلق يتردد في أرجاء الشقة. جلس يوسف في الصالة أمام حاسوبه المحمول، محاولًا الانشغال بالعمل، لكنه لم يكن قادرًا على التركيز. كانت عيناه تنحرفان كل بضع دقائق نحو الكنبة الجلدية. جفت بقعة الكحول منذ ساعات، لكنها ما زالت واضحة في نظره، وكأنها إعلان دائم عن الكارثة التي يتوقعها. كان مقتنعًا أن الجلد سيبدأ بالتشقق في أي لحظة. خرجت ليلى من المطبخ تحمل طبقين. في أحدهما سندوتشات جبنة رومي بالخيار، وفي الآخر سندوتشات حلاوة بالقشطة. تقدمت نحوه ووضعت طبق الجبنة أمامه على الطاولة. رفع يوسف عينيه عن الشاشة ونظر إلى الطبق، ثم إليها. يوسف: “إيه ده؟” ليلى: “عشا. جبنة رومي.” عقد حاجبيه. يوسف: “أيوه… ليه؟” جلست على الكنبة المقابلة له، وسحبت إحدى السندوتشات من طبقها قبل أن تجيب. ليلى: “عشان إنت شكلك مأكلتش من الصبح. ووشك أصفر تاني. ومش عايزاك تموت وتسيبلي الكنبة المقشرة دي لوحدي.” اختفت الجدية من ملامحه للحظة، وخطف سندوتشًا من الطبق. يوسف: “شكرًا. بس على فكرة… أنا مش زعلان منك.” هزت رأسها وهي تمضغ لقمتها. ليلى: “لا زعلان. باين على وشك.” ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم نظر إلى السندوتش بين يديه. يوسف: “طب… وإنتِ؟ زعلانة؟” انخفضت ابتسامتها قليلًا. ليلى: “أيوه. عشان قلتلي الكنبة أغلى من بني آدمين.” ساد الصمت بينهما. وضع يوسف السندوتش ببطء على الطبق، ثم شبك أصابعه ببعضها. يوسف: “أنا… أنا ماقصدش كده يا ليلى. الكنبة دي جبتها بفلوس أول شغلانة كبيرة عملتها لوحدي بعد ما أبويا مات. كانت حلم بالنسبة لي. فلما رشيتي عليها حسيت إنك بترشي على تعبي.” توقفت ليلى عن الأكل تمامًا. رفعت عينيها إليه في دهشة. كانت تلك أول مرة تسمعه يتحدث عن شيء شخصي بهذا الصدق. ليلى: “يوسف… أنا ماكنتش أعرف.” تنهدت وأخفضت السندوتش من يدها. ليلى: “آسفة. والله ما كنت أقصد أضايقك. أنا بس… عندي وسواس نضافة فعلًا. بحس التراب بيخنقني.” رفع رأسه ونظر إليها بهدوء. يوسف: “عارف.” ثم أضاف بابتسامة خفيفة: يوسف: “وأنا آسف إني قلت الكنبة أغلى. إنتِ… إنتِ مش أرخص من الكنبة.” انفجرت ضاحكة. ليلى: “شكرًا على المجاملة اللي تشل دي.” أشار إلى طبق الحلاوة. يوسف: “العفو. كلي حلاوة.” جلسا يأكلان في هدوء لبعض الوقت. ثم قالت ليلى وهي تنظر إلى الكنبة: ليلى: “على فكرة… الجلد مقشرش.” رفع يوسف إصبعه محذرًا. يوسف: “لسه. هيقشر بكرة الصبح.” دحرجت عينيها بسخرية. ليلى: “طب لو قشر… هجيبلك واحدة جديدة. بوعدك.” هز رأسه فورًا. يوسف: “مش عايز جديدة. عايز دي.” بعد فترة… كانت ليلى تقف في المطبخ أمام قدر كبير من الماء المغلي، تجهز المكرونة. في تلك اللحظة دخل يوسف من باب الشقة يحمل كيس مشتريات، وبدت آثار التعب واضحة على وجهه وملابسه. يوسف: “يا ليلى! جبتي المنظف بتاع الجلد؟” ردت من المطبخ دون أن تلتفت. ليلى: “أيوه! حطيته على الترابيزة في الصالة.” اتجه يوسف إلى الصالة. فوق الطاولة كانت هناك زجاجتان متشابهتان بشكل لافت. إحداهما بلاستيكية شفافة تحتوي سائلًا أصفر ومكتوب عليها: “منظف جلد”. والأخرى زجاجية تحتوي سائلًا أصفر أيضًا ومكتوب عليها: “فيتامين د – شرب”. وقف يتأملهما لثوانٍ. يوسف: “ليلى! أنهي واحدة المنظف؟” جاءه صوتها من المطبخ: ليلى: “الشفافة! البلاستيك! التانية دوا!” أخذ الزجاجة البلاستيكية فورًا. اقترب من الكنبة، ووضع بعض السائل على قطعة قماش نظيفة، ثم بدأ يمسح البقعة بحركات حذرة. يوسف: “يا رب… يا رب مايقشرش…” بعد دقائق خرجت ليلى من المطبخ وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة. ليلى: “ها؟ عملت إيه؟” يوسف: “مش عارف. مستني أشوف النتيجة. بس ريحة المنظف غريبة شوية.” اقتربت منه. ليلى: “غريبة إزاي؟” يوسف: “ريحة برتقان.” تجمدت للحظة. ثم أخذت القماشة من يده وشمتها. تغير لون وجهها فجأة. ليلى: “يوسف…” يوسف: “نعم؟” ليلى: “دي مش ريحة منظف.” يوسف: “أومال ريحة إيه؟” انتزعت الزجاجة من يده بسرعة، وقرأت الملصق مرة أخرى. ثم فتحت عينيها على اتساعهما. ليلى: “يا خراب بيتك!” قفز واقفًا. يوسف: “إيه؟!” لوحت بالزجاجة أمام وجهه. ليلى: “ده فيتامين د بتاعي!” اتسمر مكانه. يوسف: “نعم؟! يعني أنا دهنت الكنبة بفيتامين د؟!” وضعت يدها على جبهتها. ليلى: “أيوه! والكنبة دلوقتي صحتها أحسن مني ومنك.” يوسف: “طب والمنظف فين؟!” جرت نحو الطاولة وأمسكت الزجاجة الأخرى. ليلى: “أهو! ده المنظف! أنا اتلخبطت!” فتح يوسف فمه بصدمة. يوسف: “إنتِ إزاي تتلخبطي؟! إنتِ دكتورة!” استدارت إليه فورًا. ليلى: “وإنت إزاي ماتفرقش بين دوا ومنظف؟! إنت مهندس!” يوسف: “أنا مالي؟! إنتِ اللي كاتبة على الاتنين!” ليلى: “ما إنت لو كنت سألتني كويس!” يوسف: “أنا سألتك فعلًا!” التفت الاثنان نحو الكنبة. كانت المنطقة التي مسحها يوسف أكثر لمعانًا من بقية الجلد. اقتربا في الوقت نفسه. يوسف: “بصي…” ليلى: “بتلمع.” يوسف: “أوي.” وضعت يدها على فمها تحاول منع ضحكتها. ليلى: “الكنبة خدت جرعة فيتامين د. هتطلع لها عضلات دلوقتي.” انفجر يوسف ضاحكًا. يوسف: “تفتكري الجلد هيبوظ؟” تفحصت ليلى المكان جيدًا. ليلى: “بالعكس… شكله أحسن.” اتسعت عيناه. يوسف: “يعني أنا… صلحتها؟” هزت رأسها بجدية مصطنعة. ليلى: “أيوه يا يوسف. عالجت الكنبة بالغلط.” جلس على الأرض أمام الكنبة فجأة، وبدأ يضحك بصوت مرتفع. يوسف: “أنا دهنت كنبة بستين ألف جنيه بفيتامين د! أنا مجنون رسمي!” جلست بجواره على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الكنبة. ليلى: “وأنا الدكتورة اللي لخبطت بين الدوا والمنظف. هيسحبوا مني الترخيص.” استمر ضحكهما عدة دقائق. ثم مسح يوسف دموعه وقال: يوسف: “والله شكلها بقى أحلى.” ابتسمت ليلى بانتصار. ليلى: “على فكرة… الجلد مقشرش.” ربت يوسف على الكنبة بحنان. يوسف: “عارف.” ليلى: “يبقى كده واحد صفر لصالحي.” أشار إليها بإصبعه. يوسف: “في أحلامك.” نهضت من مكانها ومدت له يدها. ليلى: “يلا يا باشمهندس. المكرونة هتبرد.” نظر إلى يدها لحظة، ثم أمسكها ونهض. يوسف: “حاضر يا دكتورة.” وغادرا الصالة معًا، بينما بقيت الكنبة في مكانها تلمع بهدوء، وكأنها المنتصر الحقيقي في تلك المعركة كلها.