حماتى قالت لى حكايات بسمه

لكن من كام شهر، وأنا برتب حاجات قديمة في بيت أبويا، لقيت ظرف مكتوب عليه اسم حماتي.
جواه ورقة واحدة.
إيصال تحويل فلوس.
والتاريخ كان قبل جوازي بأسبوع.
المبلغ كان كبير جدًا.
والاسم اللي مستلم الفلوس…
كان
اسم الراجل اللي جه بيتنا يومها.
بصيت لحماتي وقلت:
—أنا طول عمري كنت فاكرة إنك وافقتي على جوازي من ابنك عشان كنتِ شايفاني مناسبة له.
سكت.
لمحة نيوز
—لكن الظاهر إن الموضوع كان أكبر من كده.
أحمد بدأ يبص لأمه:
—ماما… إيه الفلوس دي؟
حماتي قامت من مكانها.
—داليا، إنتِ فاهمة غلط.
طلعت صورة الإيصال من شنطتي وحطيتها قدامها.
—ممكن.
وبعدين بصيت لأحمد:
—عشان كده أنا سألتها سؤال بسيط.
رجعت بصيت لحماتي:
—ليه دفعتي فلوس للراجل اللي كان أبويا رافض بسببه الجوازة؟
وشها اصفر.
ريم بطلت تضحك.
وأحمد وقف من مكانه.
لكن حماتي ما ردتش.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدها قالت جملة واحدة:
—إنتِ مش فاهمة الحقيقة كلها.
ساعتها حسيت إن قلبي وقف.
لأنها لأول مرة ما أنكرتش.
أنا بصيت لأحمد، وبعدين سألتها:
—طيب قوليلي الحقيقة… إيه اللي كنتِ خايفة أبويا يعرفه عن ابنك قبل الجواز؟
حماتي فتحت بُقها عشان ترد…
لكن أحمد سبقها وقال:
—ماما… إنتِ كنتِ عارفة إيه عني؟
حكايات بسمة
الصمت نزل على السفرة زي قطعة ثلج كبيرة. الصوت المكتوم للتليفزيون كان هو الوحيد اللي بيترد في الصالة، والأكل قدامنا اتنسى تماماً. أحمد كان واقف جنب الكرسي بتاعه، وشّه أحمر من كثرة التوتر والعصبية، وعينيه كانت بتتنقل بذهول وعدم استيعاب بين وش أمه اللي كان أصفر زي الميت، وبين صورة إيصال التحويل المالي اللي حطيتها على الترابيزة قدامهم.
حماتي الحاجة عفاف بلعت ريقها بصعوبة، إيدها المرتعشة كانت بتمسك طرف المفارش وتهزه، وريم أخت أحمد اتجمدت في مكانها ومش قادرة ترفع عينها فيّ بعد ما كانت بتضحك وتتريق من شوية.
أحمد قرب من أمه، ضرب بإيده على السفرة بصوت هز الكاسات:
— «انطقي يا ماما! إيه الإيصال ده؟! ومين الراجل اللي
جابتهولك عشان يروح لابو داليا ويقنعه بالجوازة؟! وإيه السر اللي أبوها كان خايف منه عني وإنتِ دفعتِ فلوس عشان تداري عليه طوال 4 سنين وبتعيري داليا بيه إني سترت عليها؟!»
حماتي بدأت تبكي دموع كدابة وتتوسل بارتباك شديد:
— «يا أحمد يا ابني افهمني! أنا عملت كده عشان أحمي بيتك ومستقبلك! أنا أم وكنت عايزة أفرح بيك وأشوفك مستقر!»
أنا قمت وقفت بصلابة، وقفت ورا الكرسي بتاعي وبصيت لحماتي بعيون مليانة كبرياء وثبات، وقلت بصوت حاد وزي موس الحلاقة:
— «تحمي مستقبله من إيه يا طنط عفاف؟ تحميه من السر اللي دفنتوه وعشتوا تعيروني بيه وتفهموا الناس إن ابنك هو اللي ستر عليّ ومحفوظ بالجميل؟! أبويا الله يرحمه من 4 سنين لما أحمد جه يتقدملي، كان واصل له تقرير وشكوى مسربة من الشركة القديمة اللي أحمد كان شغال فيها في الإسكندرية… تقرير بيثبت إن أحمد كان مهدد بالسجن وتهمة اختلاس بـ 800 ألف جنيه بسبب توقيع غلط عمله بحسن نية!»
أحمد اتسمر مكانه، والدم اتسحب من وشّه بالكامل، ورجع لورا خطوة كأنه اتضرب على دماغه بمرزبة:
— «داليا… أنتِ… أنتِ عرفتِ موضوع قضية الإسكندرية القديمة؟!»
كملت بصوت ثابت وواضح هز الصالة كلها:
— «أيوة عرفت يا أحمد! وعرفت إن أبويا الله يرحمه لما عرف بالتقرير، رفض الجوازة تماماً عشان كان خايف على مستقبلي ومعاملتك ليا. بس أمتك الشاطرة لما عرفت إن أبويا هيبلغ أو يرفض، راحت للراجل اللي كان ماسك الشكوى في الشركة هناك — وهو الراجل اللي جه بيتنا — ودفعت له الـ 800 ألف جنيه كاش تحويل من ذهبها وتحويشة عيلتكم عشان يقفل الملف ويسحب الشكوى كتماناً للفضيحة، وجابت الراجل لأبويا عشان يضمنلك قدامه إنك شريف ومعندكش مشاكل قانونية!»
حماتي سقطت على الكرسي وهي بتبكي وتولول:
— «أنا سددت الفلوس عشان ابني ما يدخلش السجن ويضيع مستقبله في أول شبابه يا داليا! إيه العيب لما أم تضحي عشان ابنها؟!»
التفتت لحماتي بقمة السخرية والشموخ، ورفعت حاجبي بثقة:
— «العيب مش إنك تضحي عشان ابنك يا حاجّة عفاف… العيب والجشع والقذارة هما إنك بعد ما سددتِ الفلوس وخبيتي السر، جيتي تعامليني طوال 4 سنين كأني حتة خدامة أخدت مكان مش من حقها! العيب إنك كنتِ بتفتري عليّ قدام جوزي وأخته وتقوليله: “ابني هو اللي ستر عليكِ… وغيره ما كانش رضي بيكي”! بينما في الحقيقة إنتوا اللي كنتوا محتاجين الستر، وأبويا الله يرحمه ستر على ابنك وقبل بيه عشان يستر على فضيحته وما يرميهوش في السجن!»
أحمد نزل على الكرسي ومش قادر يتنفس من الخزي والعار، بص لأمه بعيون مليانة لوم وقهر شديد:
— «ماما… أنتِ عملتي فيا وفي مراتي كده؟! طوال 4 سنين سايباني أظلم داليا وأسكت لما تجرحيها، وأقولها “استحمليها دي أمي”، وأنا فاكر إنك بجد جميلة على رأسها… بينما مراتي وأبوها هما اللي ساترين عليا وعلى العيلة كلها بفضل سكوتهم؟!»
ريم أخت أحمد قامت وقفت بارتباك وبكت وهي بتقول:
— «حقك علينا يا داليا… أنا والله ما كنت اعرف حاجة عن الموضوع ده، أنا كنت فاكرة أمي بتتكلم عادي!»
رديت عليها بهدوء وشموخ:
— «الناس اللي بيستغلوا طيبة غيرهم ويدعوا الفضل وهم عايشين في زيف، ما يعرفوش يعني إيه حق وأصول يا ريم. أنا طوال 4 سنين كنت ساكتة وبستحمل، مش ضعف… لكن عشان كنت صاينا بيت جوزي وأصل أبويا الشريف اللي علمني إن الستر أمانة. بس لما توصل إن كرامتي تتداك قدام الناس وتتهمني في أهلي وشرفي… يبقى السر لازم يخرج للشرع والعلن!»
أحمد قام ونزل على ركبتيه قدامي قدام أمه وأخته، ومسك إيدي بدموع وندم يقطع القلب:
— «داليا… أرجوكي سامحيني! أنا كنت أعمى ومغفل، وكنت فاكر إني بر أُمي على حسابك! أقسم بالله من النهاردة مفيش مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمس كرامتك أو يقولك كلمة واحدة تجرحك، وحقك عليّ وفوق رأسي قدام الكل!»
بصيت لحماتي اللي كانت قاعدة مكسورة وواطية رأسها في الأرض مش قادرة ترفع عينها فيّ، وقلت لها جملتي الأخيرة:
— «أنا مش محظوظة إن ابنك اتجوزني يا طنط عفاف… ابنك هو اللي كان محظوظ إن ربنا رزقه ببيت شريف وأب صان سره وزوجة صانت كرامته. ومن النهاردة، زيارتي وبيتي هيبقوا بحدود وأحكام تحفظلي كرامتي وعزتي».
بعد مرور ستة أشهر…
في شقتنا الهادية والمشرقة بالقاهرة.
المياه رجعت لمجاريها بيني وبين أحمد بحدود واضحة وقواعد حاسمة. أحمد اتغير تماماً، بقى بيحترمني ويقدر وجودي وعرق جبيني في البيت، وحماتي وبنتها بطلوا يتدخلوا في حياتنا أو ينطقوا بكلمة واحدة تجرحني، وبقوا بيعاملوني بقمة الاحترام والوقار كزوجة صانت بيت ابنهم وأصلها الشريف.
قعدت في صالة بيتي بشرب القهوة ومستمتعة بهدوء بالي وراحتي، وأحمد دخل مسك إيدي وباس رأسها بابتسامة دافية.
ابتسمت من قلبي، وعرفت وقتها إن السكوت على الاستغلال بيزيده، بس الست لما تقف على حقها بذكاء وشجاعة وأدلة حقيقية… ربنا بيكشف كل زيف، ويرجع لها كرامتها وتعيش مرفوعة الرأس حرة في بيتها وحياتها.
تمت