فى ليلة الدخلة حكايات منال عباس

في ليلة الدخلة، صرخة مرعبة هزت البيت كله. لما حماتها كسرت باب أوضة النوم، لقيت العروسة منكمشة على الأرض وبتترعش من الخوف، وابنها قاعد جنبها وبيبص في الأرض وهمس بجملة واحدة تقبض القلب: “كان لازم تدفع التمن.”
الجزء الأول: الفرح اللي ماكنش متبتلع
“يا ماما… أنا ما أقدرش أكمل جوازي منه.”
كلماتهمسها “نور” وهي قاعدة على أرضية الأوضة. فستان فرحها مبهدل ومكرمش، ونفسها طالع نازل بصعوبة، والرعب اللي في عينيها ما شافتهوش “أمينة” في حياتها كلها على وش عروسة ليلة فرحها.
وقبلها بساعة واحدة بس…
كان بيت العيلة في منطقة هادئة مليان بالفرحة والزغاريد والضحك. ريحة الورود ماليّة الجو، والضيوف قاعدين تحت إضاءة الأنوار، والمعازيب بيباركوا على الجوازة اللي الكل قال عليها “الفاتحة البيضا”.
أمينة كانت استنت اليوم ده سنين. “ياسين” كان ابنها الوحيد، الواد اللي ربته بالحلال والشقي والتعب عشان يكون راجل محترم وقد المسؤولية. دخل كلية هندسة وتخرج وبقى مهندس شاطر، وكان دايماً مكسب لأهله وللناس كلها.
ولما جاب “نور” وعرّفها عليها من سنتين… أمينة حبتها من أول نظرة. كانت بنت متربية وبسيطة، تلبس لبس محترم وضحكتها هادئة. وفي وسط قعدة الحبايب، كانت نور تقوم تشمر دراعاتها وتساعد في المطبخ من غير ما حد يطلب منها. ومن يومها، أمينة بقت تعتبرها البنت اللي ما جابتهاش، وبقت تشيل لها حتة الحلويات اللي بتحبها، وتطبخ لها الأكل اللي تفضله كل جمعة، وبدل ما تقول “صاحبة ابني”، بقت تقول عنها بكل حب: “بنتي الغالية”.
وبعدين.. الصرخة طلعت.
قطعت سكون الليل. مش ضحكة، ولا هزار، دي صرخة استغاثة مليانة رعب حقيقي.
“ياسين” قعد مفزوع على السرير: “إنت سامع اللي سمعته؟”
وأمينة كانت سبقت الكل بتجري في الطرقة. “الصوت جاي من عند نور!”

حافية القدمين، جريت على آخر الطرقة. و”محمود”، عم ياسين، طلع وراها وهو مخلوع من الخضة: “في إيه؟”
أمينة ما ردتش، فضلت تخبط على باب أوضة النحاس بقوة وبإيديها الاتنين: “يا ياسين! يا نور! افتحوا الباب!”
مافيش أي رد. لا صوت خطوات، ولا صوت كلام، صمت رهيب.
خبطت أقوى: “افتح يا ياسين!”
محمود قرب بهدوء وزقها على جنب، وبعدين ضرب الباب برجله لحد ما اتفتح بالعافية.
الأوضة ماكنتش شكل أوض العرسان خالص. السرير مرتب ومحدش جه ناحيته، ورد الفرح لسه على الملايات، وكأسين العصير محطوطين مكانهم من غير ما حد يقرب منهم. كل حاجة كانت هادية.. ما عدا نور.
كانت قاعدة منكمشة في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها، وجسمها كله بيترعش لدرجة تجفل القلب. وفي الناحية التانية.. ياسين قاعد على الأرض، قميصه مفتوح أزراره، عرقان جداً، وبيبص في الفراغ قدامه بجمود.
أمينة جريت على نور بخضة: “يا بنتي.. حصل إيه؟ طمنيني!”
نور بعدت عنها برعب: “أوسوسكي.. إوعي تقربي مني!”
“ده أنا أمك يا بنتي.. أنا معاكي وفي ضهرك.”
ببطء، نور رفعت عينيها اللي مليانة دموع وقهر: “يا ماما.. أنا ما أقدرش أكون مراته. الراجل ده.. بيكرهني.”
الوضة سكتت تماماً. محمود بص لابن أخوه بصة صارمة: “إنت عملت فيها إيه يا ياسين؟”
ياسين فتح بوقه، بس ما طلعش منه صوت. وبعدين.. انهار عياط.
مش عياط غضب، ولا قهر عابر، ده عياط واحد شايل هم جبل على كتافه وسر أسود تقيل. “أنا.. أنا ما قاصدش توصل لكده.. أنا ما كنتش اعرف إنها هتتخض الخضة دي.”
أمينة حست إن قلبها بيتقطع: “إنت بتقول إيه يا ابني؟ فهمنا في إيه!”
ياسين حط إيده على وشه: “أنا كل اللي كنت عايزه.. إنها تخاف، وتدوق من نفس الكاس!”
نور رجعت تعيط بصوت أزعج الجدران، ومحمود مسك دراع نور وقال: “قومي يا بنتي تعالي معايا أوضة تانية.”
سندها لحد ما قامت، ومشيت في الطرقة وراهم وفستان فرحها مبهدل وراها.
وبقيت أمينة لوحدها مع ابنها في الأوضة. “يا ياسين.. بص لي هنا.”
وهو باصص في الأرض. “أرجوكِ يا ماما، بلاش دلوقتي.”
“لا.. أنا بسألك دلوقتي.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *