غبت عن مراتى 10 دقائق الثالث

 

كانت كلمات الرسالة تطعن صدري كخنجر مسموم، والنظر إلى “هنا” وهي تنهار أمام عيني كان أصعب من الفضيحة التي فجرتها في القاعة. نظرتْ إليّ والدموع تحرق جمر خدودها، وقالت بصوت مجروح هز جدران المكتب: “أنت كنت عارف يا كريم؟ قولي إنك مكنتش تعرف! قولي إن الراجل اللي أمنته على عمري وحياتي مكنش مخبي عليا إن أهله قت*لوا أبويا وسرقوا عمره!”

رميت الهاتف على المكتب، واقتربت منها وأنا أرتجف، أمسكت بكتفيها وقلت وعيني تفيض بالدموع: “وحياة أغلى حاجة عندي ما كنت أعرف يا هنا! أنا لو كنت أعرف، مكنتش حطيت إيدي في إيدهم يوم واحد، أنا طفشت من البيت ده وسيبت لهم العز كله عشان عارف إن فلوسهم حرام، بس مكنتش أتخيل إن وساختهم واصلة للدم… لدم أبوكي!”

هنا سحبت نفسها مني بقسوة، ولمت الأوراق والمغلف الأسود وضمتهم إلى صدرها كأنها تحمي ج*ثة أبيها، وقالت بنبرة جمدت قلبي: “عيلة الشناوي لازم تتمحي من الدنيا يا كريم… كلهم… ومحدش هيجيب حق منصور الهواري غيري”.

خرجتْ تجري من الفيلا في منتصف الليل، وحاولتُ اللحاق بها لكنها ركبت سيارة أُجرة واختفت في ظلام الشوارع، تاركةً إياي وسط مكتب أبي المحطم وعقلي يكاد ينفجر من التفكير.

لملمتُ شتات نفسي، وأخذت هاتفي وتوجهت مباشرة إلى قسم الشرطة. لم يكن أمامي سوى بضع ساعات قبل عرض أبي ومازن على النيابة صباحاً. عندما دخلت، كان الأستاذ رفعت، محامي العائلة، يجلس ببرود في الممر. وقف عندما رآني وقال بخبث: “الرسالة وصلت للبرنس الصغير؟ تفتكر هتقدر تضحي بمرأتك وبتاريخ أبوها عشان تعاند أبوك وأخوك؟ اسحب البلاغ يا كريم، وقول إن المستندات المالية اللي قدمتها كانت غلطة حسابية منك، وإحنا هنقفل قصة منصور الهواري للـأبد ومرأتك هتاخد تعويض ملايين من تحت التراب”.

نظرت إليه باحتقار وقلت: “أنت والشناوية فاكرين إن كل حاجة بتتشرى بالفلوس… بكره الصبح هتشوفوا كريم الشناوي هيعمل إيه”.

دخلت إلى مكتب رئيس المباحث، وطلبت مواجهة مازن لدقائق معدودة قبل ترحيله. سمح لي الضابط تحت ضغط كوني الشاكي وشاهداً رئيسياً.

دخلت غرفة الحجز، كان مازن يجلس على كراسي الحديد، ملابسه ممزقة ووجهه متورم من اللكمة التي وجهتها له. عندما رآني، ضحك بنذالة وقال: “جيت ورجلك فوق رقبتك صح؟ هسيبك تسحب البلاغ، بس بشرط… البت دي تطلقها وترميها برة حياتنا، والشركات ترجع تدير حساباتها السرية زي الأول، وإلا…”

قاطعته وأنا أهبط بكفي على الطاولة الحديدية بصوت هز الغرفة: “وإلا إيه يا مازن؟ أنت فاكر الكارت اللي بتلعب بيه هيخوفني؟ أنت غبي… وطول عمرك غبي وبتنسى أنا مين! الأوراق اللي في الخزنة كانت صور… النسخ الأصلية لملف تصفية شركة منصور الهواري والتقرير الطبي المزور، أنا اللي ناقلها بنفسي لخزنتي الخاصة في مكتبي برا الفيلا من سنتين، لما كنت براجع الحسابات القديمة وشكيت في تضخم ثروة أبوك المفاجئ في ٢٠١٢!”

وقفتُ مفرود الظهر، ونظرت إليه وهو يتجمد في مكانه والصدمة تلجم لسانه، وتابعت: “أنا مكنتش أعرف إن صاحب الشركة يبقى والد هنا؛ لأن الاسم في العقود كان ‘منصور عبد الرحمن الهواري’ وهنا في البطاقة اسمها ‘هنا منصور عبد الرحمن’ ومكنش فيه صور ليه… بس الليلة لما المحامي نطق الاسم، كل الخيوط اتجمعت في عقلي. النسخ الأصلية وج*ريمة ق*تل بالسم والتزوير، بقوا دلوقتي على مكتب النائب العام… يعني الق*ضية مش بس أموال عامة وتهريب… الق*ضية بقت جناية ق*تل عمد مع سبق الإصرار والترصد ليك ولأبوك!”

سقط مازن على الكرسي وهو يرتجف، كالموتى، وبدأ يصيح بهستيرية: “أنت مجنون! هتحبس أبوك وأخوك إعدام؟! يا كريم ارحمنا!”

تركت الغرفة وخرجت دون أن أنظر خلفي. كانت الساعة قد أصبحت السادسة صباحاً، والشمس تبدأ في الشروق لـتعلن عن يوم الحساب.

وصلتُ إلى مبنى النيابة العامة، والسيارات الشرطية بدأت تصل وتُنزل المتهمين وسط حصار من الصحفيين وكاميرات القنوات التي شمّت رائحة سقوط أكبر حيتان السوق. ومن بين الحشود، رأيت “هنا” تقف بعيداً، مرتديةً ملابس سوداء بالكامل، وعيناها مثبتتان على باب المبنى كصقر ينتظر فريسته.

اقتربتُ منها، نظرتْ إليّ ببرود، لكنني أخرجت من حقيبتي الملف الأصلي لق*ضية والدها، ووضعته في يدها وقلت: “أنا مبعتش حق أبوكي يا هنا… والملف ده فيه حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبة عاصم ومازن الشناوي… الليلة دي مش بس فرحنا اللي اتقلب مأتم… الليلة دي عيلتي كلها هتتعدم”.

نظرتْ هنا إلى الملف، ثم نظرت في عيني، وفي تلك اللحظة… انفتح باب سيارة الترحيلات، ونزل أبي وأمي ومازن بالكلابشات وسط صياح الصحفيين. تحركت “هنا” بخطوات ثابتة نحوهم، والملف في يدها، وأنا بجانبها… لتبدأ المواجهة

## الجزء الخامس والأخير: عدالة السماء

تعالت أصوات فلاشات الكاميرات، واندفع الصحفيون نحو عاصم ومازن الشناوي، بينما كان الحراس يدفعون الحشود لفتح ممر آمن لسيارة الترحيلات. أمي كانت تخفي وجهها بملابسها، تبكي وتصرخ من الذل، بعد أن كانت قبل ساعات قليلة تظن نفسها ملكة لا تُمس. أما أبي ومازن، فكانت رؤوسهما في الأرض، والكلابشات الحديدية تلمع تحت أشعة شمس الصباح التي فضحت كل مستور.

خطت “هنا” خطواتها الأخيرة نحوهم وثبات الأرض كله في قدميها. عندما رأتها أمي، صرخت بمرارة: “أنتِ السبب! خربتِ بيتنا ودمرتِ عيلتنا يا بنت الهواري!”

وقفت هنا أمامهم مباشرة، وحالت قوة الشرطة بينهما. رفعت هنا الملف الأسود الأصلي عاليًا لكي يراه أبي ومازن، وقالت بصوت قوي جهوري هز قلوب الحاضرين: “أنا مخربتش حد… ربنا هو اللي جابكم لحد عندي عشان تدفعوا تمن دم منصور الهواري! الفلوس اللي عاشتكم في قصور وأكلتكم الشهد، كانت مغموسة في دم أبويا الغلبان اللي وثق فيكم… والنهاردة، القصاص العادل وصل”.

أبي نظر إلى الملف، وعرف أنه النسخة الأصلية التي لا مفر منها. التفت إليّ وعيناه تملأهما دموع الانكسار والرجاء الأخير: “كريم… بلاش الق*تل يا ابني… بلاش حبل المشنقة، شيل ورق أبوها وسيب ق*ضية الأموال العامة، هنسيب البلد ونمشي… أبوس رجلك يا ابني!”

نظرتُ إليه بقلب ماتت فيه كل مشاعر البنوة لـرجال لم يعرفوا الرحمة يومًا، وقلت: “يا مستشار عاصم… أنت قاضي وعارف القانون كويس. اللي يقت*ل، ويتآمر، ويحاول يكسر شرف الناس… ملوش مكان غير تحت حبل المشنقة. أنا مش ابنك من اللحظة دي، أنا خصمك أمام العدالة”.

اندفعت القوة الأمنية بالمتهمين إلى داخل مبنى النيابة العامة، لتبدأ جلسة تحقيق تاريخية استمرت لأكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة.

كنت أقف مع هنا في ممر النيابة، نقدم المستند تلو الآخر، والتسجيل تلو التسجيل. مهندس الصوت والعمال الذين شهدوا الفضيحة في الفيلا جاءوا وأدلوا بشهاداتهم خوفًا من التستر. ومع أذان المغرب، صدر القرار التاريخي من وكيل النائب العام:

“حبس المتهمين عاصم الشناوي، ومازن الشناوي، أربعة عشر يومًا على ذمة التحقيق بتهم القت*ل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية، والاشتراك في تهريب مواد محظورة والاستيلاء على المال العام. وحبس المتهمة ‘سعاد’ بتهمة التستر والاشتراك في التزوير”.

عندما نطق الحارس بالقرار في الممر، سقطت هنا على مقعد خشبي، وانفجرت في بكاء مرير… لكنه لم يكن بكاء وجع، بل كان بكاء روح عذبها الظلم لسنوات، وأخيرًا تنفست الصعداء.

اقتربتُ منها، جلستُ على ركبتي أمامها وأمسكت بيديها: “حق أبوكي رجع يا هنا… وحقك من كل كلمة اتقالت لك الليلة دي رجع ومسحنا بيهم الأرض”.

نظرت إليّ وعيناها حمراوان من البكاء، وقالت بنبرة مليئة بالامتنان والحب: “أنت ضحيت بعيلتك وبكل حاجة عشان تحميني يا كريم… أنا مش عارفة أشكرك إزاي”.

ابتسمتُ لها وقلت: “أنا مضحيتش بعيلتي… أنا عيلتي الحقيقية هي أنتِ. هما كانوا مجرد كابوس وربنا نجانا منه، والفلوس والشركات والفيلا دي كلها هتتحجز عليها للتعويضات وللمال العام، وإحنا هنبدأ من الصفر… بس بنضافه، وباسم شريف ملوش علاقة بدم أو حرام”.

بعد مرور عدة أشهر…

أمام باب محكمة الجنايات، وقفتُ أنا وهنا نتابع الحكم النهائي الذي صدر بإحالة أوراق عاصم ومازن الشناوي إلى فضيلة المفتي، والسجن المؤبد لأمي. الصحافة كانت تملأ المكان، لكننا لم نتحدث لأحد.

سحبنا بعضنا البعض، وتحركنا نحو سيارتنا البسيطة التي اشتريتها من تعبي الخاص في مكتبي الجديد. نظرت هنا إلى السماء، وكانت الشمس مشرقة وصافية، وابتسمت ابتسامة رضا حقيقية لأول مرة.

أدركنا في تلك اللحظة أن الفرح الذي أرادوا قلبه مأتمًا، كان هو البداية الحقيقية لولادة حياة جديدة… حياة بنيت على الحق، والعدل، والكرامة التي لا يمكن لأي مال أو سلطة أن تشتريها.

### تـمـت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *