النتيجة الثانى
كانت الرياح القادمة من النيل باردة بشكل مفاجئ، رغم حرارة الجو في القاهرة. سيف كان يجلس في سيارته الموصدة، وعيناه مسمرتان على شاشة اللابتوب. الصورة التي عثر عليها قلبت كل الموازين؛ الرجل الذي يشبهه تماماً في الصورة لم يكن مجرد غريب، بل كان يحمل قلادة مطابقة تماماً لتلك التي ترتديها “نادية” في كل صورها القديمة.
“كريم مش أخويا من الأب.. كريم هو المفتاح الحقيقي.” تمتم سيف بالكلمة وهو يشعر بصداع يفتك برأسه.
عاد سيف إلى بيت خالته منى، لكنه لم يجدها. وجد الشقة مقلوبة رأساً على عقب، وأثار عراك واضحة في الصالة. سقط قلبه في قدميه، اتصل بها فوراً، لكن هاتفها كان مغلقاً.
على الطاولة، وجد ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد مرتب: **”لو عايز خالتك.. استناني في فيلا ‘البارون المهجور’ في طريق السويس الساعة 12 بالليل. ومعاك الصندوق.”**
أدرك سيف أن فؤاد لم يكن وحده في هذه اللعبة، وأن هناك “طرفاً ثالثاً” تحرك بسرعة البرق بمجرد خروج الصندوق للنور.
في تمام منتصف الليل، وصل سيف إلى المكان المنشود. الفيلا كانت عبارة عن هيكل خرساني موحش وسط الصحراء. دخل وبيده الصندوق، وكشاف موبايلي يكسر ظلام المكان.
“سيب الصندوق عندك وارجع خطوتين لورا.” جاء الصوت من الظلام، لكنه لم يكن صوت فؤاد.
كان صوتاً أنثوياً حاداً. خرجت “نادية” من خلف أحد الأعمدة، ومعها رجلان ضخما الجثة، وأحدهما يمسك بالخالة منى وهي مقيدة ومكممة.
سيف بغضب مكتوم: “نادية؟ إنتي اللي ورا كل ده؟ فؤاد كان مجرد ستارة ليكي؟”
ضحكت نادية بمرارة: “فؤاد كان فاكر نفسه العقل المدبر، وهو ميعرفش إنه كان مجرد ‘أداة’ عشان يحمي الميراث لحد ما كريم يكبر. فؤاد مش أبوك يا سيف، فعلاً.. بس الصدمة الحقيقية إن فؤاد كمان مش أبو كريم!”
سيف بذهول: “يعني إيه؟”
نادية وهي تقترب ببطء: “أنا ورحاب كنا صحاب زمان.. وأكتر من صحاب. رحاب اتجوزت الشخص اللي في الصورة، المالك الحقيقي لكل الأراضي دي. ولما مات في ‘حادث’ مدبر، فؤاد استغل الفرصة وتجوز رحاب عشان يسيطر على الأملاك. أما أنا.. فكنت حامل من نفس الراجل. كريم وسيف مش إخوات من الأب.. أنتوا إخوات ‘شقايق’ من الأب الحقيقي اللي فؤاد ق.تله!”
سيف شعر وكأن صاعقة ض.ربته: “إنتي بتقولي إيه؟ يعني إحنا..”
نادية: “أيوة. فؤاد ق.تل أبوكم، وخد رحاب غصب عنها، وأنا وافقت أعيش معاه في الضلمة عشان أحمي حق كريم. بس رحاب كانت أذكى منا كلنا.. قسمت الميراث بطريقة تخليكم لازم تجتمعوا عشان يفتح الكنز الكبير. الصندوق اللي معاك فيه ‘نص’ الخريطة.. والنص التاني موجود في قلادة كريم!”
سيف: “وعشان كده كنتي دايماً بتكرهيني؟ عشان أنا الوريث الشرعي اللي معاه الورق؟”
نادية: “أنا مابكرهكش يا سيف.. أنا خايفة منك. إنت طالع لأبوك في ذكاءه وهدوءه. ودلوقتي، هتديني الصندوق، وتاخد خالتك وتمشي من هنا، وتنسى إن ليك حق في أي حاجة.. وإلا خالتك هتحصل رحاب.”
سيف نظر إلى خالته منى التي كانت تبكي بصمت، ثم نظر إلى الصندوق. وفجأة، ابتسم ابتسامة باردة.
سيف: “إنتي فاتك حاجة واحدة بس يا نادية.. فؤاد مخرجش من القبو لوحده.”
في تلك اللحظة، ظهر ضوء كشافات قوية حاصر الفيلا من كل جانب. صوت مكبرات الصوت اخترق السكون: **”المكان محاصر.. ارموا السلاح!”**
ارتبكت نادية، وفي لحظة خاطفة، هجم سيف على الرجل الذي يمسك بخالته، واستطاع تخليصها. نادية حاولت الهرب، لكن فؤاد ظهر فجأة من بين قوات الشرطة، بملابس ممزقة ووجه شاحب، يصرخ كالمنبوذ: “خنتيني يا نادية؟ بعتيني عشان كريم؟”
حدثت فوضى عارمة. رصاص انطلق في الهواء، والشرطة اقتحمت المكان. فؤاد حاول الوصول لنادية، لكنه سقط برصاصة طائشة، ومات وعيناه مثبتتان على سيف.. عيون مليئة بالندم أو ربما بالحقد الأخير.
بعد ساعات في قسم الشرطة، جلس سيف مع الأستاذ شاكر وخالته منى. نادية تم القبض عليها بتهمة الخ.طف والتواطؤ في جرائم قديمة.
شاكر: “دلوقتي يا سيف، الصورة وضحت. إنت وكريم أصحاب الحق. بس فيه مشكلة..”
سيف: “إيه هي؟”
شاكر: “الفلاشة اللي كانت في الصندوق.. فيها ملف مشفر متبرمج إنه يمسح نفسه لو نادية اتقبض عليها. ويبدو إنها عملت كده من موبايلها قبل ما تتمسك.”
سيف أخرج من جيبه فلاشة ثانية كان قد نسخها في السر قبل الذهاب للفيلا: “أنا اتعلمت من أمي يا متر.. مابحطش كل رهاناتي في مكان واحد.”
فتح سيف الملف المشفر، وظهرت رسالة فيديو أخيرة من والدته رحاب، لكن هذه المرة كانت تتحدث لشخص ثالث لم يتوقعه سيف أبداً.
رحاب في الفيديو: “يا كريم.. لو بتشوف الفيديو ده، يبقى سيف وصلك. ماتصدقش أمك ولا تصدق فؤاد. الحقيقة مدفونة في ‘مقابر العائلة’ بالبدرشين.. تحت شاهد قبر جدك. هناك السر اللي هيخليكم يا تعيشوا ملوك.. يا تمو.توا إخوات.”
سيف أغلق اللابتوب، ونظر لخالته: “لازم أروح البدرشين.”
منى بخوف: “سيف.. كفاية لحد كده.”
سيف: “لازم أعرف مين أنا يا خالتي.. ولازم أعرف كريم هيختار مين فينا.”
وفي تلك اللحظة، وصلته رسالة من رقم كريم: **”أنا مستنيك عند المقابر.. لوحدك.”**
## الفصل الخامس: صرخة القبور
وصل سيف إلى البدرشين قبل الفجر، حيث كانت هيبة المو.ت تلف المكان، والضباب يزحف فوق شواهد القبور كأنه أرواح تبحث عن مستقر. أوقف سيارته بعيداً، وترجل وهو يحمل كشافه اليدوي، يسير بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الطفيف في يديه.
عند قبر جده، وجد “كريم”. لم يكن كريم ذلك الفتى المدلل الذي رآه في الحفلة، بل كان يبدو شاحبًا، منكسرًا، يرتدي ثيابًا سوداء، وفي يده القلادة التي تحدثت عنها نادية.
كريم بصوت مخنوق: “كنت عارف إنك هتيجي.. أمي ضيعتنا يا سيف. عيشتني في وهم إني ابن عيلة الشرقاوي، وطلعت في الآخر ابن شخص مقتول حتى ملوش قبر معروف.”
سيف بهدوء: “إحنا ضحايا يا كريم، بس الفرق إنك كنت بتضحك وإنت ضحية، وأنا كنت بتوجع. هات القلادة، خلينا ننهي الكابوس ده.”
اقترب كريم وسلمه القلادة. كانت عبارة عن قطعة من الفضة القديمة، وفي ظهرها ثقب دقيق يتطابق تماماً مع بروز صغير في المفتاح الذي وجده سيف في القبو.
وضع سيف القلادة فوق شاهد القبر الرخامي، وبدأ في إزالة الأتربة عن جزء مخفي في جانب الشاهد. كان هناك تجويف غائر، وضع فيه القلادة وضغط بقوة.
سمعا صوت تروس معدنية تتحرك تحت الأرض.. صوت قديم لم يسمعه أحد منذ عقود. انزاحت صخرة جانبية لتكشف عن “سرداب” ضيق ينزل إلى الأسفل.
نزل سيف وتبعه كريم بحذر. في نهاية السرداب، وصلا إلى غرفة صغيرة مربعة، جدرانها مغطاة بصور فوتوغرافية قديمة، ووثائق حكومية مختومة بختم الملكية المصرية القديمة.
في منتصف الغرفة، كان هناك “مكتب خشبي” فخم، وفوقه رسالة أخيرة من “رحاب”، لكنها كانت موجهة للاثنين معاً.
سيف قرأ بصوت مسموع: **”سيف.. كريم.. إذا وصلتكم هذه الغرفة، فأنتم الآن أمام الحقيقة العارية. والدكم ‘ياسين الماردي’ لم يق.تله فؤاد وحده. فؤاد كان مجرد منفذ.. المحرض الحقيقي كان الشخص الذي يثق فيه الجميع. الشخص الذي أدار أموال العائلة من خلف الستار طوال ثلاثين عاماً.”**
كريم برعب: “بتقصد مين؟”
سيف أكمل القراءة والدم يغلي في عروقه: **”المحامي شاكر.”**
توقف سيف عن القراءة، وشعر ببرودة المعدن خلف رأسه.
“كمل يا سيف.. كمل القراءة، الجزء اللي جاي مشوق أكتر.”
التفت سيف ببطء ليجد “الأستاذ شاكر” يقف عند مدخل السرداب، وبيده مسدس كاتم للصوت، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لا تشبه أبداً وجه المحامي الطيب الذي عرفه.
شاكر ببرود: “رحاب كانت ذكية، بس عاطفتها غلبتها. كانت فاكرة إنها لما تخبي السر هنا، هتحميكم. هي ماعرفتش إني كنت براقب كل خطوة بتعملها. أنا اللي خليت نادية تخ.طف خالتك عشان أجرك لهنا، وأنا اللي خليت فؤاد يتجنن ويدور في العمارة عشان يشتت انتباهك.”
سيف بغضب: “ليه؟ كنت بتاخد نسبتك من الأموال، ليه تق.تل أبويا؟”
شاكر بضحكة هستيرية: “نسبة؟ أنا كنت عايز ‘الأصل’. أبوكم كان رافض يبيع أراضي طرح النهر لشركة أجنبية أنا كنت شريك فيها بـ 40%. مو.ته كان ضرورة اقتصادية. ودلوقتي، مو.تكم إنتوا الاتنين هنا، هينقل كل حاجة لـ ‘الوصي القانوني’ اللي هو أنا، بحكم الأوراق اللي سيف بنفسه وقع عليها في مكتبي من يومين وسط الزحمة.”
Post Views: 330
لم يكن بريق الذهب الذي ضاع تحت أنقاض المقابر هو الخسارة الأكبر، بل كان الهدوء الذي ظن سيف أنه ناله. الرسالة السويسرية كانت بمثابة حبل مشنقة جديد، لكنه هذه المرة يمتد عبر القارات.
أمضى سيف وكريم أسبوعاً في منزل ريفي منعزل تابع للخالة منى في أطراف المنصورة، بعيداً عن أعين الصحافة التي ضجت بخبر “مجزرة المقابر” واختفاء المحامي الشهير شاكر. كان سيف يقضي ليله في دراسة الملفات التي استطاع إنقاذها، بينما كان كريم يحاول استيعاب حقيقة أنه عاش حياته كلها كـ “كومبارس” في مسرحية أعدتها أمه ونفذها فؤاد.
سيف وهو يشير لشاشة اللابتوب: “بص يا كريم.. الشركة اللي شاكر كان وكيلها اسمها ‘نورديك إنفست’. دي مش شركة استثمار، دي واجهة لغسيل أموال بتديرها عائلات قديمة في أوروبا. وأبوك، ياسين الماردي، مكنش مجرد صاحب أراضي.. ده كان الصندوق الأسود لعملياتهم في الشرق الأوسط.”
كريم بذهول: “وعشان كده أمي كانت خايفة؟”
سيف: “أيوة. أبوك قرر ينسحب ويبلغ عنهم، فصفوه. والورق اللي معانا مش بس عقود ملكية، دي ‘أكواد’ لحسابات مشفرة فيها مبالغ تخلينا نشتري نص شركات القاهرة. هما مش عايزين يقتلونا وبس.. هما عايزين الأكواد اللي متوزعة بين ذاكرتي وذاكرتك.”
كريم: “ذاكرتي أنا؟ أنا معرفش حاجة!”
سيف ابتسم بمرارة: “فاكر الأغنية اللي أمك كانت بتغنيها لك وإنت صغير؟ اللي كانت بتقول إنها كلمات ملهاش معنى؟ أنا سجلتها من ذكرياتك وإحنا في السرداب لما كنت بتخرف وإنت فاقد الوعي. دي ‘شفرة صوتية’ لفتح ملفات سويسرا.”
قرر الشقيقان السفر، ليس هرباً، بل للهجوم. بجوازات سفر استخرجها لهما الأستاذ شاكر (قبل اكتشاف خيانته) كخطة بديلة، وصلا إلى مطار جنيف.
كان في انتظارهما سيارة سوداء فارهة. لم يكن هناك تهديد بالسلاح هذه المرة، بل “بروتوكول” بارد ومرعب. وصلا إلى قصر يطل على بحيرة ليمان، حيث استقبلهما رجل في السبعين من عمره، يدعى “ألكسندر”، كان يتحدث العربية بلكنة شامية دقيقة.
ألكسندر بابتسامة جليدية: “أهلاً بأبناء ياسين.. تأخرتم كثيراً. والدتكم رحاب كانت تظن أن إخفاءكم في أحياء القاهرة الشعبية سيحميكم من قدركم، لكن الدم دائماً يحن لمنبعه.”
سيف جلس ببرود ووضع قدمًا فوق الأخرى: “إحنا مش جايين عشان القدر يا ألكسندر. إحنا جايين نقفل الحساب. إنتوا مدينين لآل الماردي بـ 400 مليون دولار أرباح محتجزة من سنة 1998، بالإضافة لتعويض عن دم أبونا.”
ضحك ألكسندر بصوت عالي: “تعويض؟ إنت في بيت القوة يا سيف، مش في محكمة عابدين. الأكواد اللي معاك ملهاش قيمة لو مخرجتوش من هنا عايشين.”
سيف أخرج موبايله وضعه على الطاولة: “الملفات دي مربوطة بـ ‘مفتاح ميت’. لو قلبي وقف، أو لو مأكدتش هويتي كل 6 ساعات، الملفات اللي بتثبت تورط شركتكم في تمويل عمليات مشبوهة في 10 دول هتوصل للإنتربول وللصحافة العالمية. أنا مش فؤاد الشرقاوي اللي بتخوفوه.. أنا سيف الماردي، اللي جاب 98.7% في الثانوية العامة بالكدب عشان بس يعرف يطرد أبوه من البيت.”
ارتبك ألكسندر للمرة الأولى. سيف لم يكن يطلب المال، كان يطلب “الرؤوس”.
كريم تدخل فجأة، وكأنه استعاد شجاعة والده: “وكمان عايزين نعرف مين الخاين التاني.. نادية مكنتش بتتحرك من دماغها، وشاكر كان مجرد محامي. فيه حد تالت في مصر هو اللي سلم بابا لفؤاد زمان. حد لسه عايش وسطنا.”
نظر ألكسندر لهما طويلاً، ثم أخرج ملفاً أحمر من درج مكتبه ورماه أمامهما.
ألكسندر: “الشخص ده هو اللي بعت لنا مكانكم في المقابر. هو اللي كان بيراقبكم من أول يوم سيف قال فيه ‘أنا سقطت’.”
فتح سيف الملف، وتجمدت الدماء في عروقه. الصورة لم تكن لعدو، بل كانت لشخص كان يظنه الملاذ الأخير.
سيف بهمس: “مش ممكن..”
كريم صرخ: “دي خالتو منى؟!”
في تلك اللحظة، رن هاتف سيف. كانت رسالة صوتية من منى: **”سيف يا حبيبي.. وصلت سويسرا؟ أتمنى تكون الأمانة عجبتك. بس نسيت أقولك، الساعة اللي في إيدك.. فيها جهاز تتبع مش بس بيعرف مكانك، ده كمان بيتحكم في ضربات قلبك. سلم الأكواد لألكسندر يا سيف.. عشان ترجع تعيش معايا في هدوء.”**
أدرك سيف الآن أن اللعبة كانت أكبر من عمارة وقبر.. كانت صراع أجهزة وعائلات، وأن “الحب” الذي احتواه طوال سنوات كان أكبر خدعة في حياته.
سيف نظر لألكسندر وقال وعيناه تشتعلان: “دلوقتي.. اللعبة بقت شخصية جداً.”
Post Views: 134
فجأة، انطلقت صفارات الإنذار في القصر، واقتحمت مجموعة مسلحة مجهولة المكان من النوافذ، لم تكن تابعة لألكسندر ولا للشرطة.
سيف سحب كريم تحت الطاولة وهو يصرخ: “دي مش خالتك اللي بعتتهم.. دي الجهة اللي خالتك خايفة منها!”
وسط طلقات الرصاص والدخان، ظهرت امرأة ترتدي ملابس سوداء بالكامل، رفعت قناعها لتكشف عن وجه يشبه وجه سيف وكريم بشكل لا يصدق.. لكنها كانت أكبر سناً.
المرأة: “قوم يا سيف.. قوم يا كريم. أنا ‘رحاب’.. وأنا لسه عايشة.”
## الفصل الثامن: بعث من الجحيم
ساد صمت مطبق لم يقطعه إلا صوت أزيز الرصاص في الخارج. سيف تجمد في مكانه، نظراته معلقة على وجه المرأة التي كان يزور قبرها كل عام. الملامح هي ذاتها، لكن النظرة كانت باردة وقاسية، نظرة شخص مات وعاد من الجحيم ليحرق الجميع.
كريم همس بصوت مرتجف: “ماما؟ إزاي.. إحنا دفناكي.. أنا شفت الجنازة!”
رحاب بابتسامة مريرة وهي تضع سلاحها في حزامها: “اللي دفنتوه كانت جثة مجهولة ملامحها ضايعة، فؤاد وشاكر ساعدوني في التمثيلية دي.. هما عشان يخلصوا من ضغط ‘نورديك’، وأنا عشان أراقبكم من بعيد لحد ما يجي اليوم اللي تقدروا فيه تفتحوا الصندوق. لو كنت بقيت معاكم، كانوا قتلونا كلنا في ليلة واحدة.”
ألكسندر، الذي كان يحاول الوصول لهاتفه، وجد فوهة مسدس رحاب موجهة لجبينه.
رحاب: “اقعد يا ألكسندر.. حسابك معايا قديم، من يوم ما أمرت بتصفية ياسين الماردي في طريق السويس. فاكر إن ‘منى’ كانت بتشتغل لحسابك؟ منى كانت بتشتغل لحسابي أنا.. هي اللي كانت بتحميهم وتراقبك وتراقب فؤاد في نفس الوقت.”
سيف قام ووقف بصلابة، لم تخدعه العاطفة. نظر لوالدته وقال بجفاء: “يعني خالتو منى مكنتش بتخوننا؟ والرسالة اللي بعتتها عن الساعة وجهاز التتبع؟”
Post Views: 134
رحاب: “دي كانت شفرة عشان أتحرك.. منى عرفت إن ألكسندر قرر يصفيك بمجرد ما ياخد الأكواد، فكان لازم تعمل المسرحية دي عشان تديني إشارة الهجوم.”
سيف صرخ بغضب: “وكل السنين دي؟ كل الوجع ده؟ عيشينا في كدبة إننا إخوات من الأب، وبعدين طلعنا إخوات شقايق، وبعدين طلعتي عايشة! إنتي مفرقتيش عن فؤاد ونادية في حاجة.. كلكم استخدمتونا كقطع شطرنج!”
رحاب اقتربت من سيف وحاولت لمس وجهه، لكنه تراجع.
قالت بلهجة حادة: “لو مكنتش عملت كده، مكنتش هتبقى ‘سيف الماردي’ اللي واقف قدامي دلوقتي.. القوي، الذكي، اللي مبيثقش في حد. العالم اللي إحنا فيه مبيحترمش الضعفاء يا سيف. ودلوقتي، ألكسندر هيمضي على تنازل كامل عن حصص ‘نورديك’ في الشرق الأوسط لشركتكم الجديدة، وإلا القصر ده هينفجر بكل اللي فيه في خلال خمس دقايق.”
كريم: “يعني إيه؟ إحنا مش عايزين شركات.. إحنا عايزين نعيش في سلام!”
رحاب بضحكة باردة: “مفيش سلام للأغنياء يا كريم.. فيه بس ‘قوة’ بتحميك. امضي يا ألكسندر.”
بينما كان ألكسندر يوقع الأوراق بيد ترتعش، سيف لاحظ شيئاً غريباً في “ساعة أمه” التي لا تزال في يده. الضوء الأحمر الذي كان يرمش بدأ يتسارع بشكل غير طبيعي.
سيف: “يا أمي.. إنتي قلتي إن الساعة جهاز تتبع.. بس هي بدأت تسخن جداً.”
تغير وجه رحاب فجأة. خطفت الساعة من يده ونظرت لها بذعر: “ألكسندر! إنت عملت إيه؟”
ألكسندر بضحكة مهزومة: “أنا عارف إنك هتيجي يا رحاب.. وعارف إنك مابتثقيش في حد. الساعة دي مش تتبع بس.. دي ‘صاعق نبضي’ متصل بسيستم القصر. لو خرجت بره حدود الغرفة دي، أو لو أنا ضغطت على الزرار ده..”
رفع ألكسندر يده وكان يمسك بجهاز تحكم صغير في خاتمه: “هنروح كلنا سوا.”
في تلك اللحظة، انطفأت الأنوار تماماً. سيف استغل الظلام وهجم على ألكسندر، بينما سحبت رحاب كريم نحو المخرج السري خلف المكتب.
وسط الظلام والضجيج، سُمع صوت انفجار مكتوم داخل القصر. سيف شعر بيد تمسك بقميصه وتجره بقوة. كانت “منى”!
منى: “سيف! مفيش وقت.. رحاب اتصابت! لازم نخرج من الممر ده!”
خرجوا إلى حدائق القصر الخلفية المطلة على البحيرة. كانت رحاب تستند إلى كتف كريم، والدم يغطي كتفها.
رحاب وهي تلهث: “سيف.. كريم.. اسمعوني كويس. الأوراق اللي ألكسندر مضى عليها موجودة في الشنطة دي. اهربوا على إيطاليا، ومن هناك على مصر. مظهركم في مصر لازم يفضل ‘سيف وكريم الشرقاوي’ لحد ما تسيطروا على السوق تماماً.”
سيف: “وإنتي؟”
رحاب: “أنا لازم أختفي تاني.. وجودي معاكم خطر عليكم. ألكسندر مكنش الرأس الكبيرة.. ‘نورديك’ ليها مجلس إدارة في لندن، وهما دلوقتي بعتوا وراكم حد أخطر من أي حد قابلتوه.”
سيف: “مين؟”
رحاب بصوت واهن قبل أن تغيب عن الوعي: “الراجل اللي كان فاكر إنه مات في حريق فيلا الشرقاوي.. فؤاد ممتش يا سيف.. فؤاد هو اللي بيقود عمليات لندن دلوقتي.”
سقط سيف وكريم في دوامة جديدة من الذهول. فؤاد.. الرجل الذي رآه سيف يسقط برصاص الشرطة، لا يزال يطارد أحلامهما.
سيف نظر لكريم وقال بحزم: “اركب المركب يا كريم.. الرحلة لمصر مابقتش عشان الورث. الرحلة بقت عشان ندفن فؤاد المرة دي بجد.”
بينما كان المركب يبتعد في بحيرة جنيف، ظهرت أضواء طائرة هليكوبتر فوق القصر المحترق، وصوت لاسلكي التقطه سيف من جهاز أحد الحراس القتلى:
**(الهدفان في الماء.. كود الإبادة: 987.. كرر: 987).**
سيف همس لنفسه: “حتى كود موتي.. هو نفس مجموع درجاتي.”
Post Views: 134
شق المركب الصغير عباب بحيرة جنيف في ظلام دامس، بينما كانت نيران القصر تنعكس على سطح الماء كلوحة دامية. في الداخل، كان سيف يضمد جرح والدته “رحاب” بقطعة من قميصه، بينما كان كريم يحاول تشغيل المحرك بكامل طاقته للوصول إلى الحدود الفرنسية قبل أن تطبق عليهم مروحيات “نورديك”.
سيف بصوت حاد: “ماما.. فوقي. يعني إيه فؤاد ممتش؟ أنا شفته بيقع، أنا شفت الدم!”
رحاب وهي تفتح عينيها بصعوبة: “فؤاد.. كان لابس واقي رصاص، والشرطة اللي اقتحمت الفيلا كانت ‘قوة خاصة’ تابعة للمنظمة، مش شرطة مصرية. هربوه في عربية إسعاف مجهزة، ودلوقتي هو الرأس المحرك لعملية (987).. العملية اللي هدفها تصفية أي أثر لآل الماردي.”
وصلوا إلى شاطئ مهجور على الحدود، حيث كانت سيارة في انتظارهم يقودها رجل صامت، أخذهم مباشرة إلى مطار صغير للطائرات الخاصة. وطوال الطريق، كان سيف يراجع الأوراق التي وقعها ألكسندر. لم تكن مجرد تنازلات، بل كانت “خريطة طريق” لمنظومة مالية دولية تتغذى على دماء الأبرياء.
في الطائرة المتجهة نحو القاهرة، ساد صمت ثقيل. نظر سيف لكريم وجده يمسك بقلادة والدهما ويتمتم بكلمات غير مفهومة.
سيف: “خايف يا كريم؟”
كريم بنظرة لم يعرفها سيف من قبل: “لا يا سيف.. أنا مابقتش خايف. أنا بقيت ‘قرفان’. قرفان من عيلة مابتظهرش إلا في الضلمة، ومن أب كنت فاكره سندي وطلع عايز يدبحني. لو فؤاد لسه عايش، فأنا اللي هقتله المرة دي.”
عند هبوط الطائرة في مطار القاهرة الدولي، لم يخرجوا من البوابات الرسمية. كانت “منى” في انتظارهم بتصاريح خاصة. لم تتكلم، اكتفت بنظرة طويلة لرحاب، نظرة تحمل عتاب سنين وأسراراً لا تنتهي.
اتجهوا مباشرة إلى “عمارة النيل”. كانت العمارة محاطة برجال أمن يرتدون زيّ شركة حراسة خاصة تابعة لـ “نورديك”.
سيف ببرود: “كريم.. جهز ‘الفلاشة’ اللي فيها التسجيلات الأخيرة لألكسندر. منى.. عايزك توصلي الأوراق دي لمكتب النائب العام فوراً. أما أنا.. فداخل لـ ‘أبويا’.”
كريم: “هتدخل لوحدك؟”
سيف: “فؤاد عايزني أنا. هو عارف إن ‘شفرة الحسابات النهائية’ مش موجودة في ورق ولا فلاشة.. هي موجودة في الرقم اللي أنا بس اللي عارفه.”
دخل سيف العمارة، صعد إلى الدور الأخير، الشقة الرويال. كان الباب مفتوحاً، وريحة “القهوة والشيشة” تملأ المكان.. نفس الرائحة التي كانت في فيلا الشرقاوي يوم النتيجة.
في الصالة الكبيرة، كان فؤاد يجلس بظهره نحو الباب، ينظر إلى النيل من وراء الزجاج.
فؤاد بصوت هادئ ومستفز: “كنت عارف إنك شاطر يا سيف.. بس مكنتش فاكر إنك هتوصل لسويسرا وترجع في 48 ساعة. 98.7% مكنتش مجرد درجة، كانت علامة إنك النسخة الأذكى من ياسين الماردي.”
سيف وقف خلفه بمسافة آمنة: “خلصت اللعبة يا فؤاد. ألكسندر وقع، ورحاب رجعت، والورق كله بقى في إيد النيابة. إنت دلوقتي مجرد ‘ميت’ قانوناً، وهتبقى ميت فعلاً لو مخرجتش من حياتنا.”
التفت فؤاد بكرسيه ببطء. كان وجهه يحمل آثار حروق طفيفة، وعيناه تشتعلان بجنون العظمة.
فؤاد: “النيابة؟ إنت فاكر إن الورق ده هيحميكم؟ نورديك أكبر من قانون أي بلد يا سيف. هما دلوقتي مستنيين مني كلمة واحدة.. يا نفتح الحسابات سوا ونعيش ملوك، يا العمارة دي تنفجر بكل اللي فيها، بما فيهم خالتك وأمك وكريم اللي واقفين تحت.”
سيف ابتسم ابتسامة مرعبة: “إنت نسيت حاجة واحدة يا فؤاد.. أنا كدبت عليك في النتيجة، وكدبت عليك في السرداب.. وتفتكر مش هكدب عليك دلوقتي؟”
فؤاد بحدة: “قصدك إيه؟”
سيف أخرج جهاز تحكم صغيراً: “العمارة مش هي اللي متفخخة.. ‘الساعة’ اللي إنت بعتها مع ألكسندر، أنا زرعتها في شنطة عربيتك اللي واقفة تحت، وربطت الصاعق بـ ‘سيستم’ أمن العمارة. لو ضغطت على الزرار اللي في إيدك، عربيتك هي اللي هتنفجر بالرجالة اللي فيها، وبصمتك الصوتية اللي سجلتها وأنا داخل هتتبعت فوراً كأمر تنفيذ للعملية.”
ارتبك فؤاد، اهتزت يده التي تمسك بجهاز التفجير.
سيف بصرامة: “دلوقتي.. عندك حل من اثنين. يا تمضي على ‘اعتراف كامل’ بكل الجرايم من يوم قتل ياسين الماردي لحد النهاردة، وتختفي للأبد في سجن مشدد.. يا إما هخليك ‘خبر’ في الصفحة الأولى بكرة تحت عنوان: انتحار رجل الأعمال فؤاد الشرقاوي.”
في تلك اللحظة، سمعوا صوت اقتحام الأبواب في الأدوار السفلى. لم تكن قوات نورديك.. كانت “العمليات الخاصة” المصرية، يقودهم كريم الذي كان يحمل رتبة “ملازم أول” احتياط (وهو السر الذي أخفاه كريم عن الجميع طوال تلك الشهور بالتعاون مع جهة سيادية كانت تراقب فؤاد).
دخل كريم الغرفة، وصوب سلاحه نحو فؤاد: “ارفع إيدك يا فؤاد بيه.. ‘ابنك’ كريم جه عشان يقبض عليك.”
فؤاد نظر لكريم بذهول، ثم لسيف، وأدرك أنه سقط في فخ لم يصنعه ذكاء سيف فقط، بل صنعه “دم” آل الماردي الذي اجتمع أخيراً.
سيف وهو ينظر لفؤاد المحاصر: “دي كانت آخر كدبة يا فؤاد.. والمرة دي، مفيش حفلات نجاح.”
Post Views: 134
ولكن، بينما كان فؤاد يسلم نفسه، سُمع صوت انفجار هائل، ليس من السيارة، بل من “قبو” العمارة.. واهتز المبنى بالكامل.
سيف صرخ: “نورديك! بدأوا خطة الأرض المحروقة!”
## الفصل العاشر والأخير: ميزان العدل
اهتزت جدران العمارة وكأن زلزالاً ضرب قلب القاهرة، انبعث الدخان الأسود من القبو، وصيحات الذعر بدأت تتعالى. “نورديك” لم تكن لتترك شهوداً خلفها، وقررت حرق الأخضر واليابس.
وسط الغبار والركام، حاول فؤاد استغلال الفوضى للهرب نحو السلم الخلفي، لكن سيف قبض على ذراعه بقوة لا تلين.
سيف بصرامة: “مش هتهرب المرة دي.. لو هنموت، هنموت وإحنا بنقفل الحساب!”
كريم كان يوجه قواته لإخلاء السكان وتأمين المداخل، بينما صعدت “رحاب” و”منى” إلى الدور الأخير وهما تلهثان. وقفت رحاب أمام فؤاد، وجهاً لوجه بعد كل هذه السنين. لم تضربه، ولم تصرخ، بل نظرت إليه بشفقة أحرقت كبرياءه.
رحاب بهدوء: “كل اللي بنيته بالدم، بيتحرق دلوقتي بالنار يا فؤاد. المال اللي ملوش صاحب بياكله صاحبه.”
اندلعت النيران في الأدوار السفلى، وأصبح المخرج الوحيد هو “السطح” حيث كانت طائرة هليكوبتر تابعة للشرطة تحاول الاقتراب. صعد الجميع إلى السطح، وفؤاد مكبل اليدين بين سيف وكريم.
كانت الطائرة تقترب، لكن النيران كانت أسرع. وفجأة، ظهر “ألكسندر” من خلف خزان المياه على السطح، كان قد نجا من انفجار سويسرا ووصل للقاهرة مدفوعاً برغبة أخيرة في الانتقام. كان يحمل قنبلة يدوية، وعيناه تلمعان بجنون.
ألكسندر بصراخ: “لو الحسابات مقفولة لينا.. مش هتتفتح لحد غيرنا!”
قبل أن ينزع فتيل القنبلة، تقدم سيف خطوة للأمام، لم يهاجمه، بل أخرج “ساعة والدته” ورماها تحت قدم ألكسندر.
سيف بهدوء عجيب: “الساعة دي فيها سجلات الأرباح اللي إنت سرقتها من منظمتك في لندن يا ألكسندر. لو متنا هنا، السجلات دي هتتبعت ليهم أوتوماتيكياً، وهما هيعرفوا إنك الخاين الحقيقي اللي كنت بتسرقهم طول السنين دي. موتنا مش هيحميك.. موتنا هيخلي المنظمة تدبح عيلتك كلها في أوروبا.”
تردد ألكسندر. الطمع والخوف تصارعا في عينه. في تلك اللحظة من التردد، انقض عليه رجال العمليات الخاصة وتم تأمينه.
بعد ساعات، ومع خيوط الفجر الصادقة، كانت النيران قد أُخمدت. وقف سيف وكريم ورحاب على ضفاف النيل، بعيداً عن صخب سيارات الإسعاف.
فؤاد وألكسندر وشاكر (الذي قبض عليه لاحقاً حياً تحت الأنقاض) أصبحوا خلف القضبان، يواجهون تهماً تبدأ بالقتل وتصل إلى الخيانة العظمى وتخريب الاقتصاد.
كريم وهو ينظر لشهادة ميلاده الحقيقية: “دلوقتي يا سيف.. إحنا معانا كل حاجة. الفلوس، الأملاك، الاسم.. هنعمل إيه؟”
سيف نظر للنيل، ثم أخرج “الأكواد” التي كان الجميع يتقاتل عليها، وبحركة سريعة، ألقى بالفلاشة والملفات في أعماق النهر.
رحاب بذهول: “سيف! إنت رميت ثروة بمليارات!”
سيف بابتسامة صافية: **”الثروة اللي بتيجي بالدم، بتفضل ريحتها دم يا أمي. إحنا مش محتاجين مليارات ‘الماردي’ الملوثة عشان نعيش. إحنا معانا حقنا الشرعي في العمارة والأرض اللي أمي حافظت عليهم بشرفها. أما الفلوس اللي في سويسرا، فخليهم يدوروا عليها في قاع النيل.. القوة مش في الرقم اللي في البنك، القوة في إننا قدرنا ننام النهاردة وإحنا مش خايفين من حد.”**
### الحكمة الختامية
مرت السنوات، وأصبح “سيف الماردي” واحداً من أكبر المطورين العقاريين في مصر، ليس بمال الحرام، بل بذكائه وعمله. وكريم أصبح قائداً ناجحاً في عمله، يحمي الحق كما حماه شقيقه.
تعلم سيف الدرس الأكبر في حياته:
**”أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. وأن الذكاء الذي يُستخدم في الخداع قد ينجيك يوماً، لكن الصدق هو الوحيد الذي يبني بيتاً لا تهزه الرياح. لقد كذب سيف مرة واحدة ليخرج من ‘بيت الظلم’، ليقضي بقية حياته يبني ‘بيوت الحق’.”**
وقف سيف في مكتبه الجديد المطل على النيل، ونظر إلى صورته مع كريم ورحاب ومنى، وقال بهدوء:
**”مش مهم تجيب 98.7% عشان تنجح في التعليم.. المهم تجيب 100% في امتحان الضمير.”**
**تمت.**
Post Views: 134
بعد وفاه عمى طلقت بنته ورمتها من غير ما اعرف هيكون ايه مصيرها
عمى قبل مايمــ,,ـــــوت ضغط عليه اتجوز بنته عشان مالهاش حد غيره وانا مكنتش بحبها بس قررت بعد وفاته أطلقها وفعلاً طلقتها وقولتلها خدى حاجتك وامشى قالتلى ماعنديش مكان اروحه قولتلها اتصرفى
بصراحه كنت عايز اعيش حياته واتجوز واحده على زوقى
حاولت معايا كتير انى ماتخلاش عنها او حتى اصبر عليها لحد ما تلاقى مكان بس انا رفضت كنت عايز اخلص منها بأى شكل لانى شايفها عبء
مرت الأيام، ونسيت “ندى” ووصية عمي، وانشغلت في حياتي مع “شيرين”. كنت فاكر إن الدنيا ضحكت لي لما خلفت “ياسين”، ابني اللي مالي عليا الدنيا. وفي يوم، ياسين تعب جداً وسخن، والدكاترة قالوا لازم يتحجز في المستشفى كام يوم تحت الملاحظة.
دخلنا الأوضة، شيرين كانت بتبص لكل ركن بقرف وتقول: “إيه ده؟ الأوضة مش عجباني، الحيطان دي مطفية كدة ليه؟ أنا دافعة في الليلة الشيء الفلاني عشان ابني يقعد في مكان نضيف”. وبصت في الممر وقالت بصوت عالي ومستفز: “يا بتاعة النضافة! إنتي يا ست إنتي.
. تعالي هنا فوراً!”
دخلت واحدة لابسة لبس عمال النظافة الأزرق الباهت، كانت شايلة جردل وماسكة مساحة، وموطية راسها للأرض..
أول ما رفعت راسها عشان تشوف الطلبات، الزمن وقف بيا..
ندى!
بنت عمي اللي رميتها وقولتلها “اتصرفي”. وشها كان شاحب، وتحت عينيها سواد من السهر والتعب، وإيدها اللي كانت زي الحرير بقت مشققة وناشفة من كتر الكلور والمطهرات. ندى بصت لي، وشفت في عينيها لمعة دمعة محبوسة، كأنها مش مصدقة إن ده أنا، ولا مصدقة إنها واقفة قدامي في المنظر ده.
شيرين مسبتهاش، وقفت في نص الأوضة وشاورت بصباعها بغطرسة:
“بقولك إيه.. الأوضة دي تتمسح بـ “ديتول” مركز خمس مرات قدامي، والكومودينو ده يتلمع لحد ما أشوف وشي فيه. أنا مش عايزة بكتيريا تقرب من ابني.. فاهمة يا شاطرة؟”
ندى ماردتش، بدأت توطي بوجع وتلمع الخشب وإيدها بترتعش. شيرين كملت بسماجة وهي بتمسك “اللانش بوكس” بتاع ياسين وبتاكل منه:
“شايف يا بيبي؟ الأشكال دي بتبقى بطيئة أوي في الشغل. وبعدين إنتي ليه ريحتك منظفات كدة؟ إنتي بتستحمي بكلور؟ ابعدي شوية عني وانتي بتمسحي عشان الريحة بتصدعني.. ريحة فقر بجد!”
حسيت بوجع في صدري، ندى كانت لسه بتمسح بكسرة نفس، بس شيرين كملت وهي بتطلع “عشرين جنيه” من شنطتها وترميها بضهر إيدها على الأرض تحت رجل ندى:
“خدي.. الفلوس اللى بتتباطيى فى الشغل عشان تاخديها هاتي لنفسك كريم للإيد، عشان لما تيجي تنضفي أوض الهوانم بعد كدة إيدك الخشنة دي متجرحش الخشب الغالي.. إنجزي بقى مش فاضيين للبطء ده!”
ندى بصت للعشرين جنيه اللي على البلاط المبلول، وبصت لي.. كانت نظرة “ذل” ممزوجة بوجع قلب عميق. وطت ببطء، مش عشان تاخد الفلوس، عشان تلم جردلها وتمشي. انحنت بوجع وكأن ضهرها هو اللي مكسور من جوا مش مجرد تعب شغل.
وقفت ندى وبصت لشيرين بهدوء ي.، وقالت بصوت مبحوح:
“المكان نضف يا هانم.. والمنظفات اللي ريحتها “تصدعك” دي هي اللي بتخلينا نعيش بكرامتنا وما نحتاجش لحد.. ألف سلامة على ابنك يا أستاذ.”
خرجت ندى بضهر محني، وأنا وقفت زي الندل، مش قادر أنطق بكلمة. شيرين بصت لي وقالت بضحكة باردة: “شوفت الأشكال دي؟ فاكرين نفسهم بني آدمين بجد.. يالا يا بيبي رتب الهدوم في الدولاب”.
بصيت على ندى وهي ماشية في الممر بتمسح دموعها بـ “كم” اليونيفورم الخشن، وعرفت في اللحظة دي إن “العبء” الحقيقي مش ندى.. العبء هو الذنب اللي هيفضل عايش جوايا طول عمري.
بعد ما ندى خرجت، الأوضة بقى فيها سكات تقيل أوي، مفيش غير صوت ضحكة شيرين وهي ماسكة الموبايل وبتقلب فيه ببرود، وكأنها مدستش على كرامة بني آدمة من لحظات. حاولت أتحرك، حاولت أخد نفسي، بس الهوا كان كله ريحة “كلور”.. الريحة اللي شيرين اتريقت عليها، بس كانت هي دي ريحة شرف ندى اللي حافظت عليه، في الوقت اللي أنا ضيعت فيه وصية عمي ولحمي.
فتحت الدولاب عشان أرص الهدوم زي ما شيرين طلبت، بس إيدي كانت بتترعش. قميص ياسين وقع مني، ولما وطيت أجيبه، شوفت “الـ 20 جنيه” لسه مرمية على الأرض، غرقانة في مية المسح.. ندى مخدتهاش. سابتها عشان تلطش كبريائي أنا ومراتي ميت قلم بسكاتها ده.
بصيت لياسين ابني وهو نايم، وجالي رعب فجأة.. يا ترى ذنب ندى ده هو اللي هيدفعه ابني الصغير؟ يا ترى سخونية جسمه دي أول الرسائل
Post Views: 59
اللي القدر بيبعتها لي؟
قطعت شيرين سرحاني وهي بتقول بقرف:
“مالك يا بيبي؟ واقف كأنك شوفت عفريت ليه؟ بقولك إيه، ابقى كلم مدير المستشفى يغيروا الشغالة دي، مش عايزة أشوف وشها الكئيب ده هنا تاني.”
مردتش عليها، وخرجت من الأوضة زي المجنون. فضلت أجري في الطرقات الطويلة، بدور على الهدوم الزرقا الباهتة دي. شوفتها في آخر الممر، كانت سانده راسها على الحيطة ثانية واحدة، قبل ما تفتح باب أوضة تانية عشان تبدأ شقا جديد.
“ندى!”.. نديت باسمها وصوتي مخنوق.
وقفت مكانها بس ملفتتش. قربت منها وأنا حاسس إني قزم، أصغر من أي وقت فات.
“ندى.. أنا.. أنا مش عارف أقول إيه. شيرين مكنتش تقصد، وهي متعرفش إنتي تبقي مين..”
لفتت ندى ببطء، وعينيها كانت ناشفة من الدموع، بس فيها برود يوجع أكتر من العياط. قالت بصوت هادي يذبح:
“مش مهم هي تعرف أنا مين يا ابن عمي.. المهم إنك إنت اللي عارف أنا مين، وعارف إن دي الوصية اللي سابها لك أبويا قبل ما يمــ,,ـــــوت. هي مش غلطانة، هي شافت واحدة غريبة بتمسح تحت رجليها فاتعاملت بأصلها.. وإنت كمان، شوفت بنت لحمك ودمك بتهان، واتعاملت بأصلك.”
إيدي راحت لمحفظتي تلقائي، كنت عايز أديلها فلوس، أي حاجة تكفر عن اللي حصل، بس هي رفعت إيدها الخشنة في وشي بحسم:
“شيل فلوسك يا أستاذ.. أنا باكل لقمة حلال من عرق جبيني. يوم ما رميتني في الشارع وقلت لي اتصرفي، ربنا هو اللي صرفني. الشغلانة دي هي اللي سترتني وفتحت لي باب رزق بعيد عن ذل سؤالي ليك.”
سألتها بمرارة: “ساكنة فين؟ وعايشة إزاي؟”
ابتسمت بوجع وقالت: “عايشة في ستر الله. وبكرة لما ابنك يقوم بالسلامة وتخرج من هنا، انسى إنك شوفتني.. زي ما نسيت وصية عمك. أنا مش “عبء” يا ابن عمي.. أنا اللي كنت هشيل عنك كتير، بس إنت اخترت اللي تشيلك ذنب ملوش آخر.”
مسكت ندى المساحة والجردل، ودخلت الأوضة اللي بعدها وقفلت الباب، وسابتني واقف في الطرقة لوحدي، على صوت كعب شيرين وهو بيقرب وهي بتنادي بصوت عالي: “إنت فين يا بيبي؟ سايبني لوحدي ليه؟”
بصيت لإيدي النضيفة، وبصت للباب اللي ندى قفلته، وعرفت وقتها إن مهما غسلت إيدي بأغلى براندات العطور، ريحة الذنب ده هتفضل مطارداني.. ندى اللي كانت في يوم من الأيام ملكي وتحت طوعي، بقت دلوقتي أبعد من النجوم، بكرامة مفشلش فقرها ولا الـ 20 جنيه بتوع شيرين إنهم يكسروها.
رجعت الأوضة وأنا رجلي مش شايلةني. شيرين كانت لسه بترص علب المكياج بتاعتها على الكومودينو اللي ندى لسه ملمعاه، وبتقول بزهق: “تصدق الأوضة لسه ريحتها فقر برضه؟ أنا هكلم الدادة تجيب لي معطر جو بريحة الياسمين، مش طايقة القرف ده”.
بصيت لها وكنت أول مرة أشوفها على حقيقتها.. كانت حلوة وشيك، بس في عيني بقت شبه “السراب”، فاضية من جوا. حاولت أنطق، أقولها إن اللي كنتِ بتهينيها دي “بنت عمي”، إن دي اللي أبويا وصاني عليها وأنا خذلته، بس لساني كان مربوط.. خفت من نظرة الاحتقار اللي ممكن أشوفها في عين شيرين لو عرفت إن قريبتي “شغالة نظافة”، وخفت أكتر من نفسي اللي وافقت على المهزلة دي من البداية.
ياسين بدأ يئن وهو نايم، جريت عليه ودموعي نزلت غصب عني. شيرين استغربت وقالت: “يا حبيبي إنت قلقان عليه قوي كدة ليه؟ الدكاترة قالوا الجرح هيلم
قلت لها بصوت مخنوق: “يا رب يعدي يا شيرين.. يا رب ربنا ما يحاسبنيش بسببه”.
طول الليل مكنتش عارف أنام. كل ما أغمض عيني أشوف إيد ندى المشققة وهي بتلم العشرين جنيه من الأرض بكسرة نفس. قمت وقفت في البلكونة بتاعة الأوضة، كانت الدنيا فجر، وشفت ندى من بعيد وهي خارجة من باب المستشفى، كانت لامة هدومها وماشية بخطوة سريعة، وكأنها بتهرب من مكان فيه وباء.
طلعت محفظتي وطلعت منها كل الفلوس اللي معايا، كنت عايز أجري وراها وأحلف لها إني هصلح كل حاجة، إني هجيب لها شقة وأعوضها.. بس وقفت مكاني لما افتكرت كلمتها: “أنا باكل لقمة حلال من شقايا”. ندى مش عايزة فلوسي، ندى كانت عايزة “راجل” يصونها، وأنا أثبت لها إني كنت مجرد “عبء” على رجولتي.
الصبح جه، والحرارة نزلت عن ياسين، والدكتور قال لنا تقدروا تخرجوا. وأنا بخلص إجراءات الخروج، عيني كانت بتدور عليها في كل حتة، كنت زي اللي بيدور على طوق نجاة وسط الغرق. سألت الموظف في الاستقبال: “لو سمحت، الست اللي كانت بتنضف الدور التالت بالليل.. اسمها ندى، ممكن أعرف هي فين؟”
الموظف بص لي باستغراب وقال: “ندى؟ دي كانت شغالة ‘يومية’ يا فندم، وخلصت شفتها وسلمت العهدة الصبح وقالت مش جاية تاني.. قالت إن المكان ده بقى بيخنقها”.
خرجت من المستشفى وأنا شايل ياسين، وشيرين ماشية جنبي بتتكلم عن الحفلة اللي عايزة تعملها بمناسبة سلامة ابننا. ركبت العربية، وبصيت في المراية لشريط حياتي اللي فات.. شفت عمي وهو بيمــ,,ـــــوت وبيوصيني، وشفت ندى وهي بتمسح الأرض بدموعها.
دوّرت العربية ومشيت، بس كنت عارف إن الطريق اللي بدأت فيه مع شيرين ملوش نهاية سعيدة. ندى مشيت بكرامتها، وأنا فضلت في مكاني.. غرقان في ذنب هيفضل يطاردني كل ما أبص في وش ابني، وكل ما أشم ريحة “كلور” في أي مكان.
