صوتى كان منال على الثانى

الجزء الثاني
وقفت أبصله من ضهره، وهو لسه باصص من الشباك، كأنه بيتفرج على فيلم سينما مش مدرك إن حياته بتتحول قدامي لـ”سكرين شوت” قديم هيتمسح.
البيت كان هادي، هدوء ما قبل العاصفة، والقهوة في “المج” لسه مطلعة دخان، بس أنا قلبي كان برد تماماً. كريم التفت لي ببرود، وكأنه منتظر مني أقوله: “حاضر يا كريم، اللي تشوفه يا حبيبي”.
— «سكتي ليه؟» سألني بنبرة فيها نبرة استعلاء واضحة، «فكرتي في الكلام؟ اللولب أضمن وأريح، وبعدين أنا مش عايز دوشة عيال ومسؤولية دلوقتي.»
بصيتله.. المرة دي بجد، مش كأني بشوف راجل بحبه، لأ.. كأني بشوف شخص غريب اقتحم حياتي.
— «يا كريم، إنت داخل على الخمسين، ولسه بتفكر في “الأريح” ليك إنت وبس؟ عمرك فكرت إيه الأريح لي أنا؟ إيه اللي يخليني أحس بالأمان مش مجرد “أداة” بتستخدمها عشان توفر قرشين؟»
ضحك ضحكة استخفاف، ورجع قعد على الكنبة، حط رجل على رجل وكأنه في حصة درس:
— «نادية، بلاش شغل الدراما ده. إحنا كبار، والعقل زينة. أنا لا عايز عيال ولا عايز مصاريف، والحل اللي قدامنا هو ده.»
في اللحظة دي، شريط حياتنا من أول ما جه نقل عندي عدى قدامي زي شريط سينما سريع.
ذكريات “التضحيات” اللي كان بيقرفني بيها، كل مرة كان بيحسسني فيها إني “لقطت” فرصة عمري، كل مرة كان بيحاول يكسر ثقتي في نفسي عشان يفضل هو المسيطر.
حسيت إن الكلام ملوش لازمة، والأفعال هي اللي فاضلة.
دخلت الأوضة، طلعت شنطته اللي كان جايبها من تلات سنين. شنطة السفر القديمة اللي كان دايماً يهددني بيها إنه “هيمشي” لو “مسمعتش كلامه”.
رجعت المطبخ، حطيت الشنطة قدامه على الأرض.
بص للشنطة، وبصلي باستغراب:
— «بتعملي إيه؟»
— «بلملك حاجتك يا كريم. كنت بتقولي دايماً إن “الرجولة” مواقف، وإنك “راجل” بيعتمد على نفسه. أدينا هنختبر الرجولة دي سوا.»
اتنطط من مكانه، وبدأ صوته يعلى، الدور اللي بيعرف يلعبه كويس أوي لما يحس إن السيطرة بتفلت من إيده:
— «إنتِ طرداني؟ إنتِ عارفة إن ماليش مكان أروح فيه؟ إنتِ عارفة إن اللي بتعمليه ده جنان؟»
هديت خالص، وبصيتله في عينيه:
— «مش طرده يا كريم، ده استرداد لكرامتي. البيت ده بتاعي، والمج ده بتاعي، وحياتي اللي كنت فاكرها “مشاع” ليك، رجعت تاني ملكي. روح بقى “المنطقة الاقتصادية” اللي كنت بتحلم بيها، بس بعيد عني.»
حاول يهددني، يقلب الترابيزة، يقولي “هتندمي”.. بس أنا كنت خلاص، “نادية” اللي كانت بتخاف من الوحدة وتتعاطف مع “الراجل المظلوم” ماتت.
فتح الباب، وبصلي بصه أخيرة، كان فاكر إني هعيط وأقوله “خليك”.
قفل الباب وراه..
والصمت اللي ملأ الشقة ماكنش صمت وحدة، كان صمت “حرية”.
قعدت على نفس الكرسي اللي كان قاعد عليه، مسكت الموبايل، وبعت رسالة واحدة بس لصحبتي المقربة: “كريم مشي.. وجهزي نفسك، النهاردة عايزة أحتفل بيا”.
أيوة، أنا عندي تلاتة وأربعين سنة.. ولسه الحياة قدامي، بس المرة دي.. من غير “كريم”.
.

مرت أسابيع.

رجعت أنام بهدوء، من غير ما أفضل مستنية رسايل لوم وطلبات واستفزاز.

حتى الشقة نفسها كأنها رجعت تعيش تاني. الشمس بقت تدخل أحلى، القهوة بقى ليها طعم، والهدوء بقى راحة… مش وحدة.

أوقات كان بيجيلي حنين بسيط.

لكن أول ما أفتكر طريقته وهو بيتكلم عن جسمي… الحنين كان بيختفي فورًا.

بعد شهر تقريبًا، حجزت عند دكتورة نسا فعلًا.

مش عشان حد قالي. ولا عشان كريم ضغط عليا.

عشان أنا اللي كنت عايزة أتطمن على نفسي.

بعد الكشف، الدكتورة سألتني: — «تحبي نتكلم عن وسيلة مناسبة؟»

ابتسمت وقلت: — «لأ دلوقتي. أنا بس كنت عايزة أتأكد إن صحتي كويسة.»

الدكتورة هزت راسها وقالت بابتسامة هادية: — «عارفة؟ ده نادر جدًا. أغلب الستات بتيجي عشان حد ضاغط عليها… مش عشان نفسها.»

خرجت من العيادة وأنا حاسة بخفة غريبة.

الهوا كان ريحته ربيع، الناس ماشية بتضحك، وفي شاب ماسك إيد البنت اللي بيحبها.

ولأول مرة من سنين… ما حسّتش إني ناقصة. ولا متأخرة. ولا إن في حاجة “لازم” أعملها عشان أرضي المجتمع.

كنت بس… نادية.

بحدودي. وقراراتي. وحريتي.

أوقات ببقى عايزة أبعت لكريم رسالة قصيرة أقول فيها:

«إنت كان عندك حق… اللولب فعلًا أوفر. بس أنا اخترت نوع تاني — النوع اللي خلّصني منك.»

بس عمري ما ببعتها.

لأني مبقتش محتاجة هو يفهم.

المهم إني أخيرًا… فهمت نفسي.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *