ذاكرتى حكايات منال عباس الثانى
ابتسمت ليان بهدوء مصطنع وهى تنظر إلى رنا: — الحمد لله… بقا أحسن شوية.
اقتربت رنا منها أكثر، ثم جلست أمامها مباشرة وكأنها صاحبة البيت.
كانت نظراتها مليئة بالثقة بطريقة استفزت ليان بشدة.
أما سليم فبدا متوترًا بشكل واضح.
قال بحدة وهو ينظر لرنا: — كنتى تبلغينى قبل ما تيجى.
رفعت رنا حاجبها بابتسامة ساخرة: — ليه؟ هى غريبة يعنى؟
ثم التفتت نحو ليان: — أنا وسليم أصحاب من زمان جدًا.
شعرت ليان برغبة فى صفعها، لكنها تماسكت بصعوبة.
قالت بهدوء: — واضح.
راقبتها رنا قليلًا ثم سألت فجأة: — بجد مش فاكرة أى حاجة؟
تلاقت عينا المرأتين.
لحظة طويلة مشحونة.
ثم ابتسمت ليان ببراءة: — للأسف لا.
تنفس سليم براحة واضحة، بينما ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفاه رنا.
لكن داخل ليان… كانت النيران تشتعل.
—
بعد ساعة…
كان سليم قد خرج لإجراء مكالمة مهمة، بينما بقيت رنا بالمنزل.
وقفت أمام إحدى الصور المعلقة لسليم وليان يوم زفافهما.
ابتسمت بسخرية: — غريبة الدنيا… كنت متأكدة إنى أنا اللى هبقى مكانك فى الصورة دى.
شعرت ليان بطعنة داخل قلبها.
اقتربت ببطء: — بتحبى جوزى؟
التفتت رنا لها دون خجل: — جدًا.
قالتها بمنتهى البساطة.
ثم أكملت بثقة: — وهو كمان بيحبنى.
تجمدت ملامح ليان، لكن رنا تابعت ببرود: — بس الظروف خلتكم تتجوزوا.
سألتها ليان بصوت خافت: — ظروف إيه؟
ضحكت رنا بخفة: — واضح إن الذاكرة راحت خالص فعلًا.
ثم اقتربت منها وهمست: — سليم عمره ما حب غيرى.
شعرت ليان أن الأرض تهتز تحت قدميها.
لكنها تماسكت.
لن تنهار أمامها.
دخل سليم فجأة، فتراجعت رنا بسرعة وكأن شيئًا لم يحدث.
نظر لهما بريبة: — فى إيه؟
ابتسمت رنا: — كنت بتعرف عليا بس.
أخذ سليم نفسًا عميقًا قبل أن يقول: — رنا لازم تمشى دلوقتى.
ضيقت عينيها بضيق: — حاضر.
لكن قبل خروجها توقفت بجوار ليان وهمست قرب أذنها: — خليكى ناسية… علشان اللى بيفتكر بيتوجع.
ثم رحلت.
وقفت ليان مكانها متجمدة.
أما سليم فاقترب منها قلقًا: — قالتلك إيه؟
رفعت عينيها إليه ببطء: — ولا حاجة مهمة.
ظل يراقبها لثوانٍ طويلة.
ثم مد يده ليمسك يدها: — ليان… أوعى تخافى من أى حاجة، أنا جنبك.
كادت تضحك من شدة الألم.
كيف يستطيع الكذب بهذه السهولة؟
—
فى المساء…
كان سليم يستحم، بينما جلست ليان فى غرفة المكتب تبحث بين أوراقه.
كانت تشعر أن هناك أسرارًا أكبر من مجرد خيانة.
فتحت أحد الأدراج لتجد ملفًا أسود مخفيًا بعناية.
فتحته بسرعة…
لتتسع عيناها بصدمة.
أوراق تحويلات مالية ضخمة باسمها.
وعقود أملاك.حكاياتت منال عباس
ثم ورقة أخيرة جعلت أنفاسها تتوقف:
“فى حالة وفاة الزوجة تنتقل جميع الممتلكات للزوج.”
ارتجفت يدها بعنف.
وفجأة…
تذكرت شيئًا مرعبًا.
قبل الحادث بأيام… كان سليم يلح عليها لتوقيع بعض الأوراق.
وقتها أخبرها أنها تخص الشركة.
لكن الآن…
أدركت الحقيقة.
الحادث لم يكن مجرد صدفة.
شعرت ببرودة مخيفة تسير فى جسدها.
وفى تلك اللحظة سمعت صوت سليم خلفها مباشرة:
— بتدورى على إيه يا ليان؟
تجمد جسد ليان بالكامل.
أغلقت الملف بسرعة وهى تحاول السيطرة على ارتجاف يديها، ثم التفتت ببطء نحو سليم.
كان واقفًا عند باب المكتب، ينظر إليها بعينين ضيقتين مليئتين بالشك.
ابتلعت ريقها بصعوبة: — كنت… بدور على ألبوم الصور يمكن أفتكر حاجة.
ظل يحدق بها لثوانٍ طويلة جعلت قلبها يكاد يتوقف.
ثم اقترب منها بهدوء مخيف.
أخذ الملف من يدها ببطء دون أن يبعد عينيه عنها.
— ولقيتى حاجة؟
هزت رأسها سريعًا: — لا.
فتح الدرج ووضع الملف مكانه بعناية، ثم أغلقه بالمفتاح.
المفتاح.
إذًا هو يخفى كل شيء عمدًا.
ابتسم فجأة وكأن شيئًا لم يكن: — لو عايزة أى حاجة اسألينى وأنا أقولك.
كانت نظراته هادئة… لكن شيئًا مظلمًا اختبأ خلفها.
شعرت ليان بالخوف لأول مرة منه حقًا.
—
فى منتصف الليل…
استيقظت ليان على صوت رسالة وصلت لهاتف سليم.
كان نائمًا بجوارها.
مدت يدها ببطء شديد نحو الهاتف حتى لا يشعر بها.
فتحت الرسالة…
“لازم تنفذ بسرعة قبل ما تفتكر.”
ارتجف قلبها.
المرسل كان رقمًا مجهولًا.
فتحت المحادثة بسرعة، لكن معظم الرسائل محذوفة.
رسالة واحدة فقط بقيت:
“الحادثة الأولى فشلت بالعافية.”
شهقت ليان بفزع.
الحادثة الأولى؟
يعنى كانوا يخططون لأكثر من مرة؟!
رفعت عينيها نحو سليم النائم بجوارها.
ملامحه هادئة جدًا… كأنه ملاك.
لكن داخله كان شيئًا آخر تمامًا.
فجأة تحرك فى نومه.
أغلقت الهاتف بسرعة وأعادته مكانه.
فتح عينيه نصف فتحة: — ليان…؟
همست بسرعة: — صحيت أشرب مية بس.
أمسك يدها فجأة.
قبضته كانت قوية بشكل أخافها.
ثم قال بصوت ناعـم غريب: — أوعى تبعدى عنى أبدًا.
نظرت إليه بصمت.
هل هذا حب؟ أم خوف من أن تهرب بالحقيقة؟
—حكايات منال عباس
فى الصباح…
قرر سليم اصطحابها إلى الطبيب.
كان يجلس بجوارها فى السيارة يراقبها من وقت لآخر وكأنه يحاول اكتشاف شيء.
أما هى… فكانت تشعر بالاختناق.
وصلوا إلى المستشفى.
وبينما كان سليم يتحدث مع موظفة الاستقبال، لمحَت ليان طبيبها القديم يمر بالممر.
تسارعت أنفاسها.
تذكرت شيئًا مهمًا جدًا…
يوم الحادث.
قبل أن تفقد الوعى بدقائق، سمعت الطبيب يقول:
“الغريب إن فرامل العربية كانت مقطوعة.”
شحب وجهها.
إذًا شكوكها كانت صحيحة.
وبدون تفكير أسرعت خلف الطبيب.
— دكتور!
التفت الرجل إليها بدهشة: — مدام ليان؟ أخبارك إيه دلوقتى؟
اقتربت منه بسرعة وهمست بتوتر: — لازم أتكلم مع حضرتك لوحدنا.
نظر خلفها بتردد: — وجوزك؟
قالت بسرعة: — أرجوك.
أدخلها مكتبه وأغلق الباب.
وفور جلوسها قالت بصوت مرتجف: — يوم الحادث… حضرتك قولت إن العربية فراملها كانت مقطوعة، صح؟
تغيرت ملامح الطبيب فورًا.
— مين قالك الكلام ده؟
— يعنى دا حقيقى؟
صمت لثوانٍ ثم قال بحذر: — تقرير العربية كان فيه شبهة عبث فعلًا… لكن جوزك قال إن الموضوع اتحل وإنه مجرد عطل.
شعرت ليان ببرودة مرعبة تسير فى عروقها.
همست: — سليم حاول يقتـلنى.
وفى اللحظة نفسها…
فُتح باب المكتب بعنف.
التفتت ليان بفزع…
لتجد سليم واقفًا أمامها.
وعيناه مليئتان بالغضب لأول مرة.