ذاكرتى حكايات منال عباس الثالث والاخير
ساد الصمت داخل المكتب للحظات ثقيلة.
كانت نظرات سليم مثبتة على ليان بشكل أخافها أكثر من غضبه نفسه.
أما الطبيب فتراجع بتوتر: — أستاذ سليم… الموضوع مش زى ما حضرتك فاهم.
دخل سليم ببطء وأغلق الباب خلفه.
ثم قال دون أن يرفع عينيه عن ليان: — وأنا المفروض أفهم إيه لما مراتى تختفى فجأة وتدخل تتكلم مع الدكتور فى السر؟
ابتلعت ليان ريقها بصعوبة.
لا… لا يجب أن يشعر بأنها استعادت ذاكرتها.
قالت بسرعة وهى تتصنع الارتباك: — أنا بس كنت بسأله يمكن أفتكر حاجة عن الحادثة.
ظل ينظر لها طويلًا.
ثم اقترب حتى وقف أمامها مباشرة.
— وافتكرتى؟
شعرت أن قلبها سيفضحها من شدة ضرباته.
لكنها هزت رأسها ببطء: — لا… مجرد صداع وتشويش.
لمعت عيناه بشك واضح.
وفجأة أمسك ذراعها برفق ظاهرى لكنه مؤلم: — طيب يلا نمشى.
وقف الطبيب بسرعة: — مدام ليان محتاجة تفضل هادية بعيد عن أى ضغط نفسى.
نظر له سليم ببرود مخيف: — وأنا أكتر واحد بيحافظ عليها.
ثم أخذها وغادر.
—
طوال الطريق كان الصمت قاتلًا.
ليان تنظر من نافذة السيارة، بينما عقلها يصرخ بالخوف.
أما سليم… فكان يراقبها من حين لآخر بطريقة جعلتها تشعر أنه بدأ يشك.حمايات منال عباس
وفجأة قال دون مقدمات: — بتحسين إنى اتغيرت؟
التفتت له بتوتر: — يعنى؟
ابتسم ابتسامة غامضة: — يعنى ساعات بحس إنك بتبصى ليا كأنك تعرفينى كويس… وساعات كأنك أول مرة تشوفينى.
شعرت بالاختناق.
قالت بسرعة: — أكيد علشان بحاول أفتكر.
ضغط على المقود بقوة: — ولو افتكرتى حاجة وحشة عنى؟
نظرت له بصمت.
فأكمل وهو يبتسم ابتسامة باردة: — هتصدقينى أنا… ولا ذاكرتك؟
ارتجفت أطرافها.
ذلك السؤال لم يكن عاديًا.
كان تهديدًا مبطنًا.
—
عند عودتهما للمنزل…
دخل سليم إلى مكتبه وأغلق الباب.
بينما أسرعت ليان إلى غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح.
أنفاسها كانت متقطعة.
لم تعد تستطيع البقاء معه وحدها.
أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بصديقتها القديمة “ياسمين”.
بعد عدة رنات جاءها الصوت النعسان: — ليان؟!
اختنق صوتها بالدموع: — ياسمين… أنا محتاجة مساعدتك.
قلقت ياسمين فورًا: — مالك؟ سليم عملك حاجة؟
تجمدت ليان.
— إنتى… تعرفى حاجة؟
ساد صمت قصير قبل أن تقول ياسمين بتردد: — كنت مستغربة جوازك منه أصلًا.
شعرت ليان بدوار: — يعنى إيه؟
تنهدت ياسمين: — قبل جوازك بأسبوع… شفت سليم مع واحدة فى الفندق.
اتسعت عينا ليان بصدمة.
— رنا؟
— معرفش اسمها… بس كانوا قريبين جدًا من بعض.
جلست ليان على السرير وكأن قوتها اختفت.
حتى قبل زواجهما…
كان يخونها.
وفجأة سمعت صوت مقبض الباب يتحرك بعنف.
تجمد الدم فى عروقها.
صوت سليم جاء من الخارج: — ليان… بتكلمى مين؟
أغلقت الهاتف بسرعة: — ياسمين.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال بهدوء غريب: — افتحى الباب.
نهضت ببطء.
كانت يدها ترتجف وهى تفتح له.
دخل سليم بهدوء، وعيناه تتحركان بين وجهها والهاتف.
ثم مد يده: — ادينى الموبايل.
شهقت بخفوت: — ليه؟
ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه: — علشان أشوف مراتى بتخفى عنى إيه.
تراجعت ليان خطوة للخلف وهى تضم الهاتف إلى صدرها.
أما سليم فظل واقفًا أمامها، ابتسامته الباردة تزيد خوفها.
— ادينى الموبايل يا ليان.
همست بتوتر: — دى خصوصيتى.
ضحك فجأة ضحكة قصيرة مخيفة: — وإحنا بقى بينا خصوصية؟
ثم اقترب منها بسرعة وخطف الهاتف من يدها.
شحب وجهها.
بدأ يقلب فى المكالمات حتى توقف عند اسم ياسمين.
رفع عينيه إليها ببطء: — بقى بترجعى تكلميها؟
حاولت التماسك: — افتكرتها صاحبتى بس.
نظر لها طويلًا…
ثم ألقى الهاتف على السرير فجأة.
— ليان… إنتى خبيتى عنى حاجة؟
تسارعت أنفاسها.
كان ينظر إليها وكأنه ينتظر اعترافًا.
لكنها قالت بثبات مصطنع: — لا.
اقترب أكثر حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الحائط.
— متأكدة؟
لأول مرة شعرت بالخطر الحقيقى.
هذا الرجل قد يؤذيها فعلًا.
وفجأة…
رن هاتفه.
ابتعد عنها بضيق وأجاب بسرعة: — نعم؟
لكن ملامحه تغيرت فجأة.
— إيه؟!
صمت يستمع لثوانٍ، ثم قال بعصبية: — مستحيل!
وأغلق الخط بعنف.
سألته ليان بخوف: — فى إيه؟
التفت إليها بوجه مشتعل غضبًا: — رنا اتقبض عليها.
اتسعت عيناها.
اقترب منها سريعًا: — الشرطة عرفت موضوع العبث بالعربية.
شعرت ليان بأنفاسها تختنق.
إذًا الحقيقة بدأت تظهر.
راح سليم يدور بالغرفة بعصبية: — أكيد حد بلغ.
ثم توقف فجأة ونظر لها.
نظرة جعلت قلبها يسقط.
— إنتى افتكرتى… صح؟
تجمدت مكانها.
صمتها وحده كان كافيًا.
اقترب منها ببطء شديد: — افتكرتى كل حاجة.
لم تعد قادرة على التمثيل.
رفعت عينيها المليئتين بالدموع نحوه: — ليه يا سليم؟
اهتز فكه بغضب: — علشان كنت عايز أعيش!
صرخت فيه: — بقت*لى؟!
— مكنتش هتموتى! حكايات منال عباس
ضحكت بصدمة: — كنتوا قاطعين الفرامل!
مرر يده فى شعره بعنف: — الموضوع خرج من إيدى!
— لا… إنت خنتنى… وكدبت عليا… وحاولت تق*تلنى!
نظر لها للحظة طويلة… ثم انهار صوته لأول مرة: — أنا حبيتك.
دموعها انهمرت بقهر: — الحب عمره ما كان خيانة ولا خوف.
وفجأة سُمع طرق عنيف على باب المنزل.
ثم صوت رجال الشرطة: — افتح يا أستاذ سليم!
شحب وجهه.
نظر حوله كالمحاصر.
أما ليان فابتعدت عنه أخيرًا.
اقترب منها بخطوات بطيئة: — ليان… قوليلهم إنك سامحتينى.
نظرت إليه بوجع عميق.
كان الرجل الذى أحبته يومًا… لكنها لم تعد تعرفه.
همست والدموع بعينيها: — أنا سامحتك علشان قلبى يرتاح… بس مستحيل أرجع أعيش مع واحد خان الأمان.
فى تلك اللحظة اقتحم رجال الشرطة المنزل.
وقف سليم ينظر إليها للمرة الأخيرة قبل أن يأخذوه.
وعندما اختفى من أمامها…
انهارت ليان باكية.
لكن لأول مرة منذ شهور…
شعرت أنها تنفست بحرية.
—
بعد عام…
كانت ليان تقف أمام نافذة مكتبها الجديد، تبتسم بهدوء بينما أشعة الشمس تغمر المكان.
لم تعد تلك المرأة الضعيفة التى كانت تخشى الحقيقة.
أصبحت أقوى.
تعلمت أن الحب لا يُقاس بالكلمات… بل بالأمان.
رن هاتفها برسالة من ياسمين:
“فخورة بيكى.”
ابتسمت ليان وهى تكتب: “وأنا فخورة إنى نجوت.”
ثم رفعت عينيها للسماء بهدوء.
فبعض الخسائر… تنقذ الإنسان من ضياع أكبر.
تمت تابعوا روايات منال عباس لتجدوا كل القصص والروايات الممتعه