خلف جدار الهيبه بقلم منــال عــلي الثانى

​الفصل الرابع

​قضينا بقية الليل على تربيزة السفرة الكبيرة اللي كانت مغطاة بملفات قديمة وجديدة. عمي كامل مكنش نايم طول السنين اللي فاتت؛ كان بيراقب وبيجمع وبيحلل. كان فيه هدوء غريب في الشقة، مبيقطعهوش غير صوت ورق بيتقلب، وصوت كاسات الشاي الساخن اللي كان بيعمله كل شوية عشان يخلينا صاحيين ومبركزين.

​”بصي يا مريم،” قال عمي وهو بيشاور على جدول حسابات معقد على شاشة اللابتوب بتاعه. “عزيز ذكي جداً. هو مبيكتبش حاجة باسمه في العمليات القذرة. دايماً بيستخدم شركات تابعة وواجهات. وياسين أخوكي كان الواجهة المثالية في دبي. ياسين مضى على شيكات وعقود مقاولات وهمية لصالح مستثمرين إماراتيين، والفلوس دي مكنتش بتدخل في مشاريع حقيقية.. دي كانت بتتحول لحسابات سرية في بنما ولندن باسم شركة شحن مسجلة في قبرص.”

​”وشركة الشحن دي مين أصحابها؟” سألته وأنا بقرب بالكرسي وبحاول أتحمل وجع كتفي وإيدي.

​”مكتوبة باسم شركة أوف شور (Offshore) تانية، والشركة التانية دي.. مين المدير التنفيذي بتاعها؟” عمي كامل بصلي بنظرة ذات مغزى.

​فتحت عيني بصدمة: “أنا؟!”

​”بالظبط. عزيز استغل التوكيل العام اللي أنتي كنتي مضياه له من سبع سنين لما بدأتي تشتغلي معاه في الأول خالص. التوكيل ده هو استخدمه عشان يحط اسمك كمدير تنفيذي وشريك مساهم بنسبة 40% في الشركة القبرصية من غير ما تعرفي. تمنمية وخمسين ألف دولار دي مش مجرد ديون فاشلة لياسين.. دي عمليات غسيل أموال قذرة تمت الشهور اللي فاتت عشان يهربوا أرباح صفقة أراضي الحزام الأخضر اللي خدوها بتراب الفلوس وباعوها بملايين للخليجيين.”

​حسيت ببرودة بتسري في جسمي كله. اللعبة كانت أكبر بكتير مما تخيلت. عزيز الشافعي مكنش بس عايز يحمى ابنه المدلل؛ كان بيبني سد منيع بينه وبين السجن باستخدام جثتي أنا. لو الموضوع انكشف في أي وقت، أنا اللي هكون في وش المدفع، والمدير التنفيذي المسؤول قانونياً وجنائياً عن غسيل الأموال وتسهيل الاستيلاء على المال العام.

​”يعني العقد اللي كان عايزني أمضيه إمبارح في الحفلة..”

​”العقد ده كان ‘إقرار بالتزام شخصي بنقل المديونية وإعادة هيكلة الحسابات الجارية’،” كمل عمي كامل وهو بيقفل الملف بقوة. “لو كنتي مضيتي عليه، كنتي بتثبتي على نفسك وبشكل قاطع معرفتك وموافقتك على كل العمليات المالية اللي تمت السنتين اللي فاتوا. كنتي بتمضي على وثيقة دخولك السجن بإيدك ورضاكي عشان هو وياسين يطلعوا منها زي الشعرة من العجين.”

​”يا ولاد الكلب،” تمتمت بصوت واطي والغل مالي قلبي. “كل ده وأنا كنت فاكرة إنه مجرد طمع في قرشين من شركتي!”

​”عزيز ميعرفش إن التوكيل العام ده اتلغى من سنتين يا مريم،” قال عمي كامل بابتسامة نصر خفيفة.

​بصيت له باستغراب: “اتلغى؟ إزاي؟ أنا ملغيتهوش!”

​”أنا اللي لغيته بالنيابة عنك،” رد عمي وهو بيطلع ورقة رسمية مختومة بختم النسر وموثقة من الشهر العقاري. “فاكرة لما كلمتك من تلات سنين وقت ما كنت في ألمانيا وقولتلك ابعتيلي صورة من بطاقتك وتفويض لإدارة بعض حسابات والدتك الله يرحمها؟ أنا استخدمت التفويض ده وصورة البطاقة وعملت بيهم إلغاء للتوكيل العام في فرع بعيد في الصعيد عشان ميوصلش لعلم محامين والدك بسهولة. وبما إن السيستم في الشهر العقاري مكنش مربوط ببعضه بالكامل وقتها، عزيز فضل فاكر إن التوكيل لسه شغال واستخدمه في عقود قبرص من خمس شهور.”

​حسيت بروحي بترجعلي. الورقة دي كانت طوق النجاة.

“يعني العقود اللي مضى عليها بالتوكيل ده…”

​”باطلة ومزورة،” كمل عمي كامل وعينيه بتلمع. “وجنائياً دي تودي عزيز الشافعي في داهية. تزوير واستخدام توكيل ملغي للاستيلاء على أموال وتأسيس شركات وهمية لغسيل الأموال. ده غير إن التقرير المالي اللي أنا جبته من مكتب المحاسبة الدولي في لندن الأسبوع اللي فات بيثبت حركة الأموال باليوم والثانية من حسابات شركة الشحن للحسابات الشخصية لعزيز وياسين في سويسرا.”

​سندت ضهري لورا، وبصيت للسقف العالي للشقة القديمة. الوجع اللي في وشي بقا خفيف وصغير جداً قدام بركان القوة اللي بدأ يغلي جوايا.

“النهاردة الصبح يا عمي.. النهاردة الصبح هننهي الإمبراطورية دي.”

​الفصل الخامس

​تاني يوم الصبح، صحيت في شقة عمي كامل على صوت موبايلي وهو بيرن بنغمة مزعجة ومستمرة كأنها ذبابة بتزن فوق راسي. الشمس كانت بدأت تدخل من الشراشيب الخشبية للشباك الكبير وتترسم خطوط نور رفيعة على السجاد القديم.

​بصيت على الشاشة. كان المتصل “ياسين” أخويا.

رديت بصوت هادي وخالي من أي تعبير.

​”أنتي فين يا مريم؟” صوت ياسين كان مرعوب ومتهدج، مش عليا طبعاً ولا على اللي حصلي، بل من الكارثة اللي هو حاسس إنها بتقرب منه. “بابا قالبه الدنيا عليكي من إمبارح بالليل. المحامين مستنيين في المكتب الرئيسي من الساعة تمانية الصبح. أنتي متعرفيش الغلطة اللي عملتيها دي هتودينا فين؟ المستثمر الإماراتي سحب عرضه النهاردة الصبح بعد المهزلة والمخرجة اللي عملتيها إمبارح في الحفلة! بابا وشه جاب ألوان قدام الناس والكل عمال يتكلم ويهمس!”

​”أنا كويسة يا ياسين، شكراً لسؤالك الحنين عن صحتي وعن إيدي اللي اتفتحت وجوز جزمتكم اللي داس عليها،” قلتها بنبرة باردة لدرجة إنها جمدت الكلام في حنجرته.

​”صحة إيه وزفت إيه دلوقتي يا مريم!” صرخ بيأس وغضب طفولي مضحك. “أنت ضيعتي صفقة بمليون دولار من إيدنا! بابا بيقولك لو ممضيتيش قبل الساعة اتناشر الضهر، هو بنفسه هيقدم شيكات الأمانة التلاتة اللي أنتي مضياها زمان لما بدأتي شركتك ومولك بقرشين للنيابة. هيدخلك السجن بتهمة تبديد وخيانة أمانة يا مريم! اخلصي وتعالي امضي وبلاش جنان وبلاش تخربي بيتنا بإيدك!”

​شيكات الأمانة.. السلاح الكلاسيكي الرخيص اللي عزيز الشافعي كان بيمضي عليه أي حد يشتغل معاه عشان يفضل رابط رقبتهم في إيده زي العبيد. لما بدأت شركتي من خمس سنين وكنت محتاجة سيولة، قالي “أنا هثق فيكي وأديكي قرشين تبدأي بيهم بس الأصول أصول والمحامين بتوعي لازم يضمنوا حقي بشيكات عشان الحسابات.” ووقعت بجهل وقلة خبرة وقتها على شيكات على بياض كضمان للفلوس اللي رجعتهاله تالت ومتلت بعد أول سنة شغل.

​”قول لعزيز الشافعي..” قطعت كلام ياسين الرخيص وصوتي اتملا بنبرة حديد سائل وصارمة جداً. “.. إن الزمن اللي كنت بصلح فيه قرفكم وعككم وراكم خلص وانتهى من إمبارح بالليل. وقوله يستناني في مكتبه الساعة واحدة بالثانية. بس مش لوحدي. قوله يجهز نفسه ويجمع كل المحامين بتوعه عشان العرض الأخير.”

​قفلت السكة في وش ياسين قبل ما ينطق بكلمة تانية.

​بصيت لعمي كامل اللي كان واقف في ركن الأوضة بيشرب قهوته السادة ومتابع الموقف بابتسامة هادية على وشه الوقور.

“جاهزة يا بطلة؟” سألني وهو بيناولني فنجان قهوة صغير.

“جاهزة يا عمي. يالا بينا.”

​وقفت قدام المراية الكبيرة. لبست بدلة رسمية سوداء أنيقة، ببنطلون طويل وجاكت مفصل مظبوط. وشي كان متغطي بنظارة شمس سوداء كبيرة من ماركة غالية عشان تداري ورم عيني والزرقان اللي بدأ يوضح تحتها، وإيدي الشمال كانت ملفوفة بشاش أبيض نضيف جداً ومتناسق تحت كم الجاكت كأنها وسام حرب مش علامة انكسار.

​أنا مكنتش رايحة أستعطف؛ أنا كنت رايحة أفرض شروطي.

​الفصل السادس

​الساعة واحدة الضهر بالثانية.

أبواب برج “الشافعي للاستثمار” الزجاجية العملاقة في منطقة الدقي كانت بتلمع تحت شمس الضهر الحامية. البرج ده كان بيعبر عن نفوذ وسلطة أبويا؛ تلاتين دور من الزجاج الأسود العاكس اللي بيبص على النيل والمدينة كأنه قلعة من قلاع العصور الوسطى.

​الأمن على البوابات الإلكترونية اتفاجئوا بيا وأنا داخلة. كانوا متوقعين يشوفوا البنت المكسورة والدموع في عينها بعد اللي سمعوه عن حفلة إمبارح، بس شافوا ست بتمشي بثبات كأن الأرض بتتهز تحت رجلها مش تحت كعبها.

​وجنبي.. كان بيمشي بقامة طويلة وثبات الجبال كامل الشافعي.

ظهور كامل الشافعي في البرج مكنش مجرد مفاجأة؛ ده كان زي ظهور شبح مخيف رجع من الموت عشان يطالب بحقه. الموظفين القدام اللي لحقوه وعاشوا معاه قبل خمس سنين وعارفين قوته تبرقوا في مكانهم، والهمسات والوشوشات بدأت تنتشر في المكاتب والممرات زي النار في القش الساخن.

​”كامل الشافعي رجع؟”

“هو ده بجد؟”

“مريم جايبة عمها معاها؟ اللعبة شكلها هتكبر أوي!”

​طلعنا الأسانسير الزجاجي الخاص بالإدارة العليا للدور الأخير. مكنش فيه أي صوت غير صوت المحرك الهادي وصوت أنفاسنا الواثقة.

​لما الأسانسير فتح وخرجنا، السكرتيرة الخاصة بعزيز الشافعي شافت عمي كامل، وقفت فجأة من ورا مكتبها الفخم وهي مبرجلة والورق اتدلق من إيدها من الخوف والدهشة. “كامل بيه؟ عزيز بيه مش مستني… يعني مفيش ميعاد…”

​”عارف إنه مش مستني يا فندم،” قطعها عمي بصوته الوقور والمبتسم ببرود، وهو بيزق الباب الخشبي الأرو الضخم لمكتب عزيز الشافعي ويدخل بكل ثقة كأنه داخل بيته القديم.

​المكتب كان واسع جداً، مفروش بسجاد حرير إيراني، والحيطان مليانة خشب أرو غامق وصور لعزيز مع كبار الوزراء والمسؤولين والشخصيات العامة. عزيز كان واقف ورا مكتبه الفخم المصنوع من خشب الماهوجني، بيتكلم في التليفون بعصبية ووشه مشدود ومكشر، وعروق رقبته بارزة. ياسين كان واقف جنبه، وشه شاحب وشبه فرخة مبلولة، بيحاول يشرحله حاجة بإيديه اللي بتترعش.

​أول ما عزيز شاف الباب بيتفتح ووشافنا داخلين، صوته قطع فجأة في التليفون. التليفون نزل من إيده ببطء واستقر على المكتب كأنه مش مصدق عينيه. بص لعمي كامل بذهول تام، وبعدين بصلي أنا، وعينيه لمعت بنفس الغل والشر والتوتر اللي شفته فيه إمبارح بالليل في الحفلة.

​”كامل؟” تمتم عزيز بصوت منخفض، ونبرة حاول يخليها قوية ومسيطرة بس الخوف تسلل لأطرافها غصب عنه. “أنت إيه اللي جابك هنا؟ ومين سمحلك تدخل البرج ده أصلاً؟ أنت مطرود من خمس سنين!”

​”البنت دي هي اللي سمحتلي يا عزيز،” قال عمي كامل وهو بيسحب كرسي جلد مريح من الكراسي المخصصة للضيوف الكبار ويقعد ببرود تام، وحط رجله فوق رجل كأنه هو صاحب البرج كله. “البنت اللي أنت افتكرت إنك لما تضربها بونية في وشها وتدوس بجزمتك الورنيش على إيدها الغرقانة دم هتخليها توطي وتبوس جزمتك وتوقع على ورق يوديها السجن.”

​عزيز لف وبصلي بغضب أعمى وهو بيخبط على مكتبه بقبضة إيده لدرجة إن طقم المكتب الكريستال اتهز:

“أنتي اتجننتي يا مريم؟ جايبالي المطرود الفاشل ده عشان تتهربي من ديونك والالتزام الأدبي اللي عليكي؟ أنا أقدر أرميكي في السجن بالورق والشيكات اللي معايا في خمس دقايق وبلاغ واحد للنيابة!”

​وقفت قدام مكتبه مباشرة. قلعت النظارة الشمس السوداء ببطء وهدوء شديد، وخليته يشوف عيني الشمال الورمانة والزرقاء بوضوح تامة. ميرمشش ليا جفن وأنا ببص في عينيه اللي كانت دايماً بتخليني أخاف وأنا طفلة.

​”ورقك وشيكاتك دي بلها واشرب ميتها يا عزيز بيه،” قلت بصوت هادي وواضح جداً رن في أركان المكتب الواسع. “لأن الورق اللي معايا ومع عمي كامل دلوقتي، مش بس هيحميني من شيكاتك الوهمية الرخيصة.. ده هيخليك تترجاني وتبوس إيدي السليمة دي عشان ممضيش على البلاغ اللي هيتقدم للنائب العام ونيابة الأموال العامة كمان ساعة بالثانية.”

​ياسين اتدخل بصوت مرعوش ومذعور: “مريم.. أنتي بتقولي إيه؟ بابا ده سندنا ورمز العيلة، لو وقع كلنا هنقع في الطين والشارع!”

​”أنت تخرس خالص وتكتم يا ياسين،” عمي كامل هو اللي رد بنبرة جافة وجامدة جمدت الدم في عروق ياسين اللي رجع خطوة لورا وخاف. “أنت طول عمرك عايش عالة على أختك وعلينا وعلى تعب الناس. ديونك وفسادك والشركات الوهمية اللي عملتها في دبي واللي بابا جابك منها هربان عشان ميتسجنش هناك، معايا كل مستنداتها الرسمية والموثقة من السفارة والخارجية. ومعايا تفاصيل الحسابات السرية اللي عزيز بيه بيستخدمها في بنك في قبرص وسويسرا عشان يهرب الفلوس برا البلد تحت غطاء شركة الشحن الوهمية بتاعتكم.”

​عزيز وشه بدأ يتحول للون أصفر ليموني شاحب. بلع ريقه وصدره كان بيعلو ويهبط بسرعة. حاول يضحك ضحكته المستفزة والمسيطرة بس طلعت مخنوقة ومهزوزة كأنها حشرجة الموت:

“أنت بتهددني بكلام فارغ وتخمينات يا كامل؟ مفيش محكمة في البلد دي هتصدق ورقك القديم اللي بقاله خمس سنين.”

​”ومين قالك إنه ورق من خمس سنين بس يا عزيز؟” فتحت شنطتي الجلد السوداء وطلعت دوسيه أسود صغير، ورميته على مكتبه الماهوجني فوق حرف الرخام، بالظبط وبنفس الطريقة الحادة في نفس الحتة اللي كان دايس فيها على إيدي وجلدي إمبارح.

​”ده تقرير مكتب المحاسبة القانونية الدولي اللي بيشرف على حسابات فرع لندن وقبرص. التقرير ده متقفل ومعمول الأسبوع اللي فات بس يا بابا. بيثبت وبالمستندات البنكية إن التحويلات اللي تمت من حساب الشركة باسمي لتسديد ديون ياسين في دبي كانت محاولة صريحة لغسيل أموال لجهات مشبوهة برا مصر. والتحويل ده مكنش هيتم قانوني من غير إمضتي على عقد التنازل إمبارح.. وبما إن التوكيل العام اللي أنت استخدمته لتأسيس الشركة ملغي من سنتين بطلب رسمي مني ومن عمي كامل.. فكل العمليات دي تقع تحت بند التزوير، والاستيلاء، وغسيل الأموال الجنائي الدولي.”

​عزيز بصل للدوسيه كأنه باصص لتعبان كوبرا هيهجم عليه. إيده اتهزت بشكل ملحوظ وهو بيمدها يفتح الورق. عينيه كانت بتتحرك بسرعة وجنون بين السطور والأرقام المختومة بختم المكتب الدولي، وكل سطر كان بيقراه كان بيمسح حتة من كبرياء الإمبراطور اللي عاش حياته كلها يفتري ويظلم ويدوس على أقرب الناس ليه عشان مصلحته.

​”أنتي.. أنتي جبتي الورق ده منين؟ وكيف دخلتي على الحسابات دي؟” همس بصوت مبحوح وعروق رقبته وجبهته برزت كأنها هتنفجر من الخوف والضغط المكبوت.

​”من قلب السستم اللي أنا طول عمري شغال عليه وبنظمه وبصلحه بإيدي يا عزيز بيه،” قلتله وأنا بقرب من المكتب وبميل عليه بقوة، زي ما مال عليا وبخ سمه في وشي إمبارح في الحفلة. “أنا طول عمري كنت البنية التحتية بتاعتكم.. الكوبري اللي بتدوسوا عليه وهما مش باصين تحت رجليهم. كنتوا بتدوسوا عليا وأنتوا رافعين راسكم لفوق ومغرورين بالهيبة الكدابة.. ومكنتوش تعرفوا إن اللي واقف في الطين والتراب على الأرض هو اللي في إيده يهد العمارة والبرج كله على دماغ اللي فيه بحركة واحدة.”

​ياسين انهار تماماً وقعد على الكنبة وهو بيحط راسه بين إيديه وبيردد بهستيريا: “خربت.. خلاص خربت وسيرتنا هتبقى في الجرايد والنيابة.”

​عزيز بص لعمي كامل بنظرة توسل مكسورة وذليلة، نظرة عمري في حياتي ما تخيلت إني هشوفها في عيون الراجل المتكبر ده اللي كان بيفتخر إنه مبيوطيش راسه لحد:

“كامل.. إحنا أخوات ومن دم واحد. بلاش نخرب بيتنا ونفضح اسم عيلتنا بإيدينا قدام المنافسين والناس. مريم دي بنتي، قطعة مني، وأنا كنت بربيها بس والشدة دي كانت عشان مصلحتها وعشان تتعلم الأصول والمسؤولية!”

​”تربيها بالبونية في وشها وعينيها وتدوس بجزمتك على إيدها لحد ما تنزف؟” صرخ عمي كامل لأول مرة، وصوته القوي رن واهتزت ليه حيطان المكتب والدور كله كأنه الرعد. “أنت مكنتش بتربيها يا عزيز.. أنت كنت عايز تكسرها وتذلها عشان تفضل كلبة مطيعة ليك ولابنك الفاشل الصايع ده تشيل قرفكم وتصلح وراكم الفساد. بس خلاص يا عزيز، زمن العبودية والظلم انتهى واللعبة خلصت وشروطنا هي اللي هتمشي دلوقتي حالا.”

​عزيز بصلي وعينيه مدمعة دموع تماسيح وخوف حقيقي: “مريم.. أنا أبوكي اللي كبرك. هما تمنمية وخمسين ألف دولار بس.. لو مش عايزة تمضي بلاش! أنا هسدد ديون ياسين من حسابي الخاص وشركتي ومش هقرب لشركتك تاني. بس بلاش الورق ده يخرج برا الأوضة دي وبلاش الفضايح والنيابة.”

​سحبت الدوسيه الأسود من تحت إيده المرتعشة براحة وبثقة، ورجعته في شنطتي.

“الورق ده مش هيخرج برا الأوضة دي.. ومحامي عمي كامل اللي واقف مستني مكالمة قدام مكتب النائب العام مش هيدخل البلاغ.. بشرط واحد،” قلت بشرط قاسي وصارم ملوش أي رجعة أو نقاش.

​”قولي.. قولي شروطك وكل اللي أنتي عايزاه وتطلبيه هيتنفذ فوراً!” قال عزيز بلهفة مسروقة وخوف من السجن والفضائح اللي هتهد اسم شركاته في البورصة.

​الفصل السابع

​”أولاً،” قلت وصوتي حاد كالمشرط. “شركة المقاولات والديكور الصغيرة بتاعتي تنفصل انفصال تام ونهائي وقانوني عن مجموعة الشافعي، وتاخد كل مستحقاتها المتأخرة اللي عندك بقالها سنتين بالمليم.. الشيكات دي تتحرر وتتوقع من الحسابات ودلوقتي حالا وإحنا واقفين.”

​عزيز هز راسه بسرعة وجنون: “حاضر.. هكلم الحسابات فوراً يجهزوا شيك مقبول الدفع بكل المستحقات والمليم المتأخر.” رفع تليفون المكتب وبأصابع بتترعش طلب الحسابات وأمرهم بإصدار الشيك فوراً وإرساله للدور الأخير.

​”ثانياً،” كملت وأنا ببصله ببرود. “شيكات الأمانة التلاتة اللي أنت ممضيني عليها كضمان شغل من خمس سنين، تطلع من خزنتك وتتمزق وتتحرق قدام عيني وعين عمي كامل دلوقتي حالا.”

​عزيز مأخرش ثانية. لف بكرسيه وفتح الخزنة الحديدية السرية اللي ورا اللوحة الزيتية الكبيرة بإيدين بتترعش وضغط على الأرقام كذا مرة من التوتر لحد ما فتحت. طلع الشيكات التلاتة اللي لون ورقهم كان بدأ يصفر، ورماهم قدامي على المكتب كأنه بيرمي تعابين خايف تلدغه.

​مسكت الشيكات التلاتة بإيدي اليمين السليمة. شفت إمضتي القديمة المكتوبة بخط صغير ومرعوش من خمس سنين.. خط البنت اللي كانت لسه بتبدأ وخايفة من نفوذ أبوها وبتبحث عن رضاه وأمانه. قطعت الشيكات حتت صغيرة جداً، ورميتهم في سلة الزبالة المعدنية الفخمة بتاعته. حسيت مع كل ورقة بتتقطع إن قيد تقيل جداً كان رابط رقبتي وبيكتم نفسي بقاله سنين بيتكسر ويتحول لتراب.

​”ثالثاً وده الأهم والمهم بالنسبة ليا..” بصيت لياسين اللي كان لسه باكي وراسه بين إيديه كالأطفال، وبعدين بصيت لعزيز بجمود تام. “.. أنت وياسين مالكمش دعوة بيا تاني للأبد. لا اتصال، لا مقابلات، لا شراكة، ولا حتى سلام عابر لو اتقابلنا بالصدفة في شارع أو مناسبة. مريم عزيز الشافعي ماتت إمبارح بالليل في قاعة الحفلات قدام المستثمرين بتوعك بضربتك وجزمتك. من النهاردة أنا مريم الشافعي وبس.. بعيد عنكم وعن قرفكم وسوادكم.”

​عزيز بلع ريقه بصعوبة شديدة كأنه بيبلع سم، وهز راسه بالموافقة كأنه بينفذ حكم إعدامه ببطء شديد وبإمضائه هو شخصياً.

​في الوقت ده، الباب خبط ودخل مدير الحسابات وهو مبرجل وخايف، وسلم الشيك المقبول الدفع بالمليون وسبعمية ألف جنيه مستحقات شركتي المتأخرة لعزيز الشافعي. عزيز وقعه ببطء وقدمهولي بإيد بتترعش كأنه بيقدم صك تنازله عن العرش.

​أخدت الشيك وحطيته في شنطتي مع الدوسيه الأسود.

​وقفت ولبست النظارة السوداء الكبيرة تاني عشان أداري جرحي وورمي اللي بقا دلوقتي وسام شرف ونصر ليا. بصيت لعمي كامل اللي وقف جنبي، وشه كان مليان فخر وابتسامة هادية وصافية ظهرت على ملامحه الوقورة.

​قبل ما أخرج من الباب الخشبي الضخم، التفت لعزيز اللي كان قاعد على كرسيه الجلدي الفخم كأنه كبر عشرين سنة في عشر دقائق، وشه كان منطفي وراسه في الأرض لأول مرة في حياته.

​”آه.. نسيت أقولك حاجة مهمة يا بابا،” قلت الكلمة الأخيرة بنبرة سخرية لاذعة جداً هزت كيانه. “الدم اللي على السجادة التبريزي الغالية بتاعتك في قاعة الحفلات بالفندق.. بلاش تحاول تغسله أو تنظفه. سيبه مكانه.. عشان كل ما تبص عليه وتبهرك ألوانها، تفتكر بقعة الدم دي.. تفتكر إن ده كان تمن حريتي واستقلالي اللي أنت دفعته غصب عنك ومن غير إرادتك.”

​وخرجت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *