قسوة لا تحتمل ل منال على الاول

البوابة الحديد الضخمة بتاعة القصر في “التجمع الخامس” اتحركت ببطء، من غير أي صوت تقريبًا. عربية أحمد عبد الرحمن وقفت قدام المدخل الواسع بعد ما رجع من دبي قبل معاده بيومين كاملين. الصفقة اللي سافر عشانها نجحت نجاح ضخم، لكن رغم الأرقام والملايين اللي كانت بتتقال حواليه طول الرحلة، ماكانش في حاجة شاغلة تفكيره غير أمه… الحاجة “أمينة”. بقلم منــال عــلي
أحمد عمره ما قدر ينسى الست اللي بنت حياته من العدم. لحد النهارده، كل ما يشم ريحة عيش طالع من الفرن، يفتكرها وهي بتقوم قبل الفجر بساعات، تعجن بإيديها المتشققة وتلف شوارع إمبابة عشان تبيع الفطير والمخبوزات. كانت بتحارب الدنيا كلها لوحدها عشان ابنها يدخل الجامعة ويبقى له مستقبل. وعشان كده، مهما كبر اسمه وبقى من أهم رجال الأعمال في البلد، فضل جواه نفس الولد اللي حضن أمه كان بالنسبة له أمان الدنيا كلها.
على الكرسي اللي جنبه، كانت علبة صغيرة مغلفة بعناية. جواها سلسلة دهب تقيلة فيها دلاية منقوش عليها آية الكرسي. هدية كان محضرها مخصوص عشان يفرّح أمه بعد ما أخيرًا نقلها تعيش معاه في القصر. بقلم منــال عــلي
ابتسم وهو يدخل من باب جانبي بهدوء، متخيل إنه هيفاجئها وهي قاعدة في ركنها المفضل، ماسكة سبحتهـا أو بتتفرج على مسلسلها التركي بهدوء. لكن أول ما خطى لجوه، اتجمد مكانه.
صوت مزيكا صاخب كان مالي المكان… وضحكات عالية جاية من ناحية الجنينة، كأن في حفلة كبيرة شغالة جوا بيته.بقلم منــال عــلي

لكن اللي شل حركة أحمد تماماً، كان المشهد اللي بيحصل على بعد خطوات قليلة، تحت شمس الصيف الحارقة اللي قربت من 40 درجة.بقلم منــال عــلي

​هناك كانت واقفة الحاجة أمينة.

الست اللي عندها 70 سنة كانت لابه مريلة مطبخ متوسخة ببابور الفحم فوق فستانها البسيط والقديم. كانت شايلة بصعوبة شديدة صينية فضة تقيلة جداً مليانة بأفخم أنواع اللحوم المشوية. رجليها كانت بترتعش بشكل واضح من التعب، ووشها، اللي غرقان في العرق، كان باين عليه انكسار شديد.بقلم منــال عــلي

​— “يا أمينة، حرام عليكي! قلت لك اللحمة تكون نص سوا، مش محروقة كده!” — شاهيناز زعقت وهي بتفرقع صوابعها بغضب وقرف — “حقيقي يا بنات، أنتوا مش متخيلين كمية الطاقة اللي بتضيع في التعامل مع الناس الجاهلة دي. أحمد مصمم يقعدها هنا لأنه حاسس بالذنب من ناحيتها، بس وجودها بجد كابوس.”

​الـ 4 صاحبات ضحكوا ضحكة صفرا ومستهزئة مع بعض.بقلم منــال عــلي

— “بقول لك إيه يا شاهي، بس مش دي حماتك؟” — واحدة منهم قالتها وهي بتبص للحاجة أمينة بقرف واضح.

— “دي خدامة بالإحسان فرضها عليا” — شاهيناز ردت ببرود وبدون أي حياء وهي بتشرب من كاستها — “لو الأمر بإيدي، كنت زماني وديتها دار مسنين حكومي. ريحتها دايماً سمنة بلدي وفقر. يا دوب تنفع تكنس الجناين.”بقلم منــال عــلي

​الحاجة أمينة نزلت راسها في الأرض على طول. دمعة صامتة نزلت على وشها اللي مليان تجاعيد، بس فضلت ساكتة تماماً. وبإيديها اللي بترتعش من كبر السن والتعب الشديد، حاولت تلم الأطباق الفاضية من على التربيزة القزاز. وفي حركة غير مقصودة من كتر الإجهاد، كوعها خبط كاس شاهيناز، فدلق شوية عصير أحمر على المفرش الأبيض الغالي. بقلم منــال عــلي

​شاهيناز اتجننت تماماً. وقفت فجأة، ومسكت الكاس القزاز وبكل قوتها حدفته في الأرض، فاتكسر مية حتة على الأرض الرخام.

— “فتحي عينك وأنتي ماشية يا عجوزة يا فاشلة!” — صرخت والعروق في رقبتها باينة من العصبية، وشاورت على حتت القزاز المكسور — “المي القرف ده حالاً! ومش هتلميه وأنتي واقفة، هتلميه وأنتي راكعة على ركبك، عشان ما تنسيش أبداً مكانك الحقيقي فين في بيتي!”بقلم منــال عــلي

​أحمد حس إن الدم بيغلي في عروقه وهو شايف أمه بتوطي ببطء شديد، ونازلة بركبها عشان تقرب من القزاز المكسور تحت نظرات الشماتة والقسوة من الستات دول. ما حدش فيهم كان يتخيل حجم العاصفة المدمرة اللي كانت على وشك إنها تبدأ…

​الـ 120 ضيف اللي هيحضروا الحفلة الكبيرة بكرة، لسه ما يعرفوش إيه اللي مستنيهم

أحمد كان واقف ورا الشجرة الكبيرة، إيديه كانت بتترعش من كتر الغضب، والدم كان واصل ليفوخ راسه. كان جواه رغبة إنه يدخل يقلب التربيزة فوق دماغ شاهيناز وصاحباتها، بس رجولته وذكاءه منعوه. قال لنفسه: “لو دخلت زعقت دلوقتي، هتبقى خناقة عادية وتعدي.. لكن الست دي لازم تاخد درس عمرها ما تنساه، وقدام كل الناس اللي بتتمنظر بيهم”.

​أحمد أخد نفس عميق، وطلع تليفونه وكلم السواق بتاعه في صمت. طلب منه يدخل من باب المطبخ الخلفي فوراً، وياخد الحاجة أمينة يوديها لأفخم فندق في القاهرة، ويحجز لها جناح ملكي، ويجيب لها أكبر دكاترة يطمنوا عليها وعلى رجليها الشقيانة.

​بالفعل، السواق نفذ الأمر بسرعة من غير ما شاهيناز تلاحظ. وأحمد انسحب بهدوء، وركب عربيته وطلع على الفندق لأمه. لما دخل عليها، وطى على رجليها وباسها وبكى في حضنها وهو بيقول: “حقك عليا يا أمي.. وحياة غلاوتك وعرقك الشقيان، ليرجع لك اعتبارك قدام مصر كلها”. بقلم منــال عــلي

​الحاجة أمينة بقلب الأم الطيابة قالت له: “يا ابني المسامح كريم، دي برضه مراتك وأم عيالك مستقبلاً”. لكن أحمد كان خلاص أخد قراره اللي ما فيهوش رجعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *