سر الوحمه بقلم منال عباس الاول
الاول
كانت السماء ملبدة بالغيوم حين توقفت الحافلة القديمة أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر آل الدمنهوري، أحد أعرق القصور في المدينة.
نزلت منها فتاة نحيلة القوام، طويلة الشعر، بعينين عسليتين واسعتين تحملان مزيجًا من الخوف والفضول. كانت تُدعى “ليان”.
شدت على حقيبتها الصغيرة التي لم تكن تحتوي سوى بعض الملابس البسيطة وصورة قديمة مجهولة المصدر ظلت معها منذ طفولتها في الملجأ.
وقفت تتأمل القصر المهيب.
الأعمدة الرخامية الشاهقة…
الحدائق الواسعة…
والنوافذ التي تشبه نوافذ القصور في الحكايات.
تنهدت بحزن.
ـ يا ترى هعيش هنا فعلًا؟
قطع شرودها صوت امرأة خمسينية صارمة الملامح.
ـ إنتِ ليان؟
التفتت بسرعة.
ـ أيوه يا هانم.
ـ أنا مدام نعمات، المشرفة على الخدم هنا. تعالي ورايا.
أسرعت خلفها وهي تشعر أن قلبها يدق بقوة.
لم تكن تعرف أن قدميها تطآن أرضًا كانت يومًا ملكًا لجدها.
ولا أن القدر أعادها إلى بيتها بعد ثمانية عشر عامًا من الضياع.
—
في مكان آخر من القصر…
كان ثلاثة شبان يجلسون حول طاولة ضخمة.
الأول يدعى سليم.
وسيم، هادئ، محبوب من الجميع.
الثاني يدعى كريم.
مرح ومشاغب ويملك قدرة غريبة على جذب الأنظار.
أما الثالث فكان فارس.
الأكبر بينهم.
بارد الملامح.
قليل الكلام.
لا يهتم بأحد تقريبًا.
دخل الجد الكبير “عزيز الدمنهوري” وهو يستند إلى عصاه.
فوقف الجميع احترامًا.
قال بصوت قوي رغم سنوات عمره:
ـ سمعت إن الخادمة الجديدة وصلت.
ضحك كريم.
ـ وده خبر مهم يعني يا جدو؟
ـ أحيانًا أبسط الأحداث بتغير مصير عائلات كاملة.
نظر إليه فارس باستغراب.
أما الجد فغرق في صمت غامض جعل الجميع يتبادل النظرات.
—
في المساء…
كانت ليان تنظف إحدى القاعات الكبرى.
وفجأة توقفت.
شعور غريب اجتاحها.
كأنها تعرف المكان.
اقتربت من لوحة ضخمة معلقة على الجدار.
كانت صورة لرجل عجوز وزوجته وطفلة صغيرة بينهما.
حدقت فيها طويلًا.
شعرت بشيء يعصر قلبها.
مدت يدها تلمس وجه الطفلة المرسوم.
وفجأة…
سمعت صوتًا خلفها.
ـ بتعملي إيه؟
التفتت مذعورة.
كان فارس.
وقف ينظر إليها ببرود.
ارتبكت.
ـ آسفة… كنت بتفرج بس.
اقترب خطوة.
ـ دي مش غرفة للتفرج.
خفضت رأسها.
ـ حقك عليا.
ثم أسرعت بالخروج.
أما هو فظل ينظر إليها للحظات.
شيء ما في ملامحها بدا مألوفًا.
لكنه لم يعرف السبب.
—
في تلك الليلة…
جلست ليان على سريرها الصغير في غرفة الخدم.
كانت مرهقة.
لكن النوم لم يأتِ.
أخذت تتأمل الوحمة الصغيرة الموجودة على رقبتها.
وحمة مميزة على شكل تفاحة حمراء باهتة.
طالما سألت عنها في الملجأ.
لكن لم يعرف أحد شيئًا.
كانت المديرة العجوز تقول دائمًا:
ـ الوحمة دي يمكن تكون مفتاح سرك يوم من الأيام.
ابتسمت بسخرية.
ـ سر إيه بس؟
ثم أطفأت المصباح.
وأغمضت عينيها.
غير مدركة أن هناك رجلًا عجوزًا في الجهة الأخرى من القصر كان يحدق في صورة قديمة لطفلة صغيرة تحمل الوحمة نفسها تمامًا.
وكانت الدموع تلمع في عينيه.
همس بصوت مرتجف:
ـ لو كنتِ لسه عايشة… أكيد بقيتي عندك تمنتاشر سنة دلوقتي يا حفيدتي.
وفي مكان بعيد خارج المدينة…
كان رجل غامض يقرأ جريدة قديمة.
وفجأة سقطت صورة من بين أوراقه.
صورة لطفلة صغيرة.
على رقبتها وحمة تشبه التفاحة.
اتسعت عيناه بفزع.
وقال:
ـ مستحيل…
مستحيل تكون رجعت تاني!…بقلم منال عباس
ثم نهض بسرعة وكأن شبحًا من الماضي بدأ يطارده من جديد.
استيقظت ليان قبل شروق الشمس كعادتها.
ارتدت زي الخادمات البسيط وربطت شعرها الطويل خلف رأسها ثم نزلت إلى المطبخ الكبير.
كانت الخادمات يتحركن في كل اتجاه.
إحداهن تعد الإفطار.
وأخرى ترتب الأواني.
وثالثة تنظف الأرضية.
ما إن رأتها نعمات حتى أشارت إليها.
ـ ليان… خدي الصينية دي وطلعيها لغرفة الأستاذ كريم.
ارتبكت.
ـ أنا؟
ـ أيوه إنتِ… يلا بسرعة.
حملت الصينية وصعدت الدرج الرخامي الكبير.
وبعد دقائق وقفت أمام الباب.
طرقت بخفة.
جاءها صوت مرح من الداخل.
ـ ادخلي.
فتحت الباب بحذر.
لتجد كريم يقف أمام المرآة يعدل ربطة عنقه.
وحين رآها توقف فجأة.
حدق فيها لثوانٍ طويلة.
ثم ابتسم.
ـ واضح إن القصر بقى أحلى من امبارح.
احمر وجهها خجلًا.
ـ الفطار يا فندم.
اقترب منها وأخذ الصينية.
ـ اسمك ليان صح؟
هزت رأسها.
ـ أيوه.
ـ اسم جميل.
ثم أضاف وهو يبتسم:
ـ وصاحبته أجمل.
ازدادت ارتباكًا.
وتركت الغرفة بسرعة.
فضحك كريم بصوت عالٍ.
ـ شكل الأيام الجاية هتبقى ممتعة.
—
بعد الظهر…
كان الجد عزيز يجلس في الحديقة يتأمل الزهور.
اقتربت ليان وهي تحمل كوب الشاي.
وضعت الكوب أمامه.
ـ اتفضل يا سيدي.
رفع رأسه نحوها.
وفجأة تجمد مكانه.
كانت خصلة من شعرها قد انزلقت خلف رقبتها.
فظهرت الوحمة بوضوح.
وحمة التفاحة.
اهتزت يداه.
وسقطت العصا من بين أصابعه.
ـ يا ساتر…
انحنت ليان بسرعة.
ـ حضرتك كويس؟
حدق فيها بعينين مرتعشتين.
ـ الوحمة دي…
وضعت يدها على رقبتها بتلقائية.
ـ دي؟
بلع ريقه بصعوبة.
ـ من يوم ما اتولدتي وهي موجودة؟
ـ أيوه.
أطرق رأسه للحظات.
ثم قال بسرعة:
ـ روحي كملي شغلك.
نظرت إليه باستغراب.
لكنه أشاح وجهه بعيدًا.
فغادرت المكان.
أما هو فظل جالسًا مكانه.
وقلبه يكاد يخرج من صدره.
—
في المساء…
دخل الجد إلى مكتبه القديم.
فتح أحد الأدراج السرية.
وأخرج ألبوم صور متهالك.
بدأ يقلب الصفحات بيد مرتعشة.
حتى وصل إلى صورة طفلة صغيرة تضحك بين ذراعيه.
كانت في الثالثة من عمرها.
وعلى رقبتها…
وحمة على شكل تفاحة.
أغمض عينيه بقوة.
ـ مستحيل…
ثم ضغط على جرس صغير.
وبعد دقائق دخل كبير الخدم.
ـ أمرك يا باشا؟
ـ عايزك تجيبلي كل المعلومات عن البنت الجديدة.
ـ حاضر.
ـ وكل حاجة… حتى لو كانت بسيطة.
—
وفي نفس الوقت…
كانت ليان تنظف المكتبة الضخمة.
وبينما ترتب الكتب…
سقط أحدها أرضًا.
انحنت لالتقاطه.
لكنها لاحظت شيئًا غريبًا.
لوح خشبي صغير خلف الرف.
مدت يدها نحوه.
فضغطت عليه دون قصد.
وفجأة…
صدر صوت خافت.
وتحرك جزء من الحائط ببطء.
اتسعت عيناها بدهشة.
ـ يا نهار أبيض!
ظهر ممر سري مظلم.
ترددت للحظات.
لكن الفضول غلبها.
فدخلت ببطء.
كانت خطواتها تتردد في المكان.
حتى وصلت إلى غرفة صغيرة مغبرة.
وفي منتصفها صندوق خشبي قديم.
اقتربت منه.
فتحته بحذر.بقلم منال عباس
لتجد بداخله عشرات الصور والرسائل.
مدت يدها نحو أول صورة.
وحين نظرت إليها…
تجمد الدم في عروقها.
كانت الصورة لطفلة صغيرة.
تشبهها بشكل لا يصدق.
بل كانت هي نفسها.
أو هكذا بدا لها.
وفجأة…
سمعت صوت خطوات خلفها.
التفتت بسرعة.
لتجد فارس واقفًا عند باب الغرفة السرية.
ينظر إليها بصدمة لا تقل عن صدمتها.
وقال بصوت منخفض:
ـ إنتِ وصلتي للمكان ده إزاي؟!