سر الوحمة بقلم منال عباس الثاني
الثانى
تراجعت ليان خطوة إلى الخلف وهي ما تزال تمسك الصورة بين يديها.
نظرت إلى فارس بارتباك.
ـ أنا… أنا لقيت باب ورا المكتبة واتفتح لوحده.
اقترب منها بسرعة وأخذ الصورة من يدها.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تغيرت ملامحه.
كانت الصورة لطفلة صغيرة ترتدي فستانًا أبيض وتقف أمام نافورة القصر.
في البداية ظن أنها مجرد صورة قديمة.
لكن عندما رفع رأسه ونظر إلى ليان…
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
التشابه كان مخيفًا.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
بل وحتى الوحمة التي ظهرت في الصورة كانت واضحة على الرقبة.
همست ليان:
ـ البنت دي شبهى أوى.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال بجدية:
ـ تعالى معايا.
ـ ليه؟
ـ من غير أسئلة.
—
بعد دقائق…
دخلا مكتب الجد عزيز.
كان الرجل العجوز يراجع بعض الأوراق.
لكن ما إن رأى الصورة في يد فارس حتى نهض واقفًا.
ـ جبت الصورة دي منين؟
أشار فارس إلى ليان.
ـ كانت لاقياها في الغرفة السرية.
تجمد الجد مكانه.
ثم نظر إلى ليان طويلًا.
لدرجة جعلتها تشعر بالتوتر.
قال بصوت مرتعش:
ـ ممكن أشوف رقبتك يا بنتي؟
ارتبكت.
ـ نعم؟
ـ متخافيش… بس عايز أشوف الوحمة.
أزاحت شعرها ببطء.
فظهرت الوحمة بوضوح.
وحمة التفاحة.
وفي اللحظة التالية…
سقطت دمعة من عين الجد.
ثم أخرى.
وأخرى.
حتى جلس على كرسيه عاجزًا عن الكلام.
نظر فارس إليه بصدمة.
ـ جدو… في إيه؟
رفع الرجل رأسه بصعوبة.
ـ نفس الوحمة…
نفسها بالظبط.
—
في تلك اللحظة…
دخل سليم إلى المكتب.
ـ خير يا جماعة؟
ثم لاحظ التوتر المسيطر على المكان.
ونظر إلى ليان.
فتوقفت أنفاسه للحظة.
لم يكن قد رآها عن قرب من قبل.
بدت أجمل مما تخيل.
لكن انتباهه سرعان ما انتقل إلى الجد.
ـ حضرتك تعبان؟
مسح الجد دموعه سريعًا.
ـ لا… أنا كويس.
لكن أحدًا لم يصدقه.
—
في الليل…
اجتمع الجد مع محاميه الخاص.
وأمامه ملف قديم مغطى بالغبار.
قال الرجل:
ـ الملف ده ما اتفتحش من تمنتاشر سنة.
هز الجد رأسه.
ـ افتحه.
فتح المحامي الملف ببطء.
وظهرت صور عديدة وتقارير شرطة قديمة.
وتقرير اختفاء طفلة تدعى “جنى الدمنهوري”.
حفيدة عزيز الوحيدة.
المفقودة منذ ثمانية عشر عامًا.
قال المحامي:
ـ لسه مش أكيد إنها هي.
ـ قلبي بيقول إنها هي.
ـ والقانون محتاج دليل.
أغلق الجد عينيه.
ـ هنلاقيه.
—
في اليوم التالي…
كان كريم يجلس مع ليان في الحديقة.
يحاول إضحاكها كعادته.
حتى نجح أخيرًا في سماع ضحكتها.
فابتسم بسعادة.
ـ أخيرًا ضحكتي.
ـ أصلك غريب.بقلم منال عباس
ـ ودي ميزة مش عيب.
ضحكت مرة أخرى.
ومن بعيد…
كان سليم يراقبهما.
شعر بشيء غريب داخله.
شيء يشبه الغيرة.
لكنه رفض الاعتراف بذلك.
أما فارس…
فكان يقف في الشرفة العليا.
ينظر إليهم بصمت.
ولأول مرة منذ سنوات…
وجد نفسه يتابع فتاة بعينيه دون أن يشعر.
فعبس بضيق من نفسه.
وأدار ظهره سريعًا.
—
وفي مكان بعيد…
داخل منزل قديم مهجور.
كان الرجل الغامض الذي خطف الطفلة منذ سنوات يجلس أمام شاشة تلفاز.بقلم منال عباس
وبجواره صور قديمة كثيرة.
دخل أحد رجاله مسرعًا.
ـ عندي خبر خطير.
رفع الرجل رأسه.
ـ خير؟
وضع الرجل صورة حديثة على الطاولة.
اتسعت عينا الخاطف فجأة.
كانت صورة ليان.
همس بصدمة:
ـ مستحيل…
ـ عرفنا إنها شغالة دلوقتي في قصر آل الدمنهوري.
تحول وجهه إلى شحوب.
ثم نهض بعنف.
ـ لو عرفوا حقيقتها… كل حاجة هتنكشف.
ـ نعمل إيه؟
قبض على يده بقوة.
وظهرت الكراهية في عينيه.
ـ قبل ما تفتكر مين هي…
لازم تختفي من حياتهم للأبد.بقلم منال عباس
مرّ يومان على تلك الأحداث، لكن القصر لم يعد كما كان.
الجد عزيز أصبح أكثر شرودًا.
وفارس صار يراقب ليان من بعيد دون أن يفهم السبب.
أما كريم وسليم فكانا يقتربان منها أكثر يومًا بعد يوم.
وفي قلب ليان بدأت الأسئلة تتكاثر.
من تكون الطفلة التي في الصور؟
ولماذا بكى الجد عندما رأى الوحمة؟
ولماذا تشعر كلما سارت في القصر أن المكان يعرفها أكثر مما تعرف نفسها؟
—
في صباح أحد الأيام…
كانت ليان ترتب غرفة قديمة في الجناح الغربي للقصر.
وأثناء تنظيف أحد الأدراج وجدت مفتاحًا صغيرًا معلقًا بسلسلة فضية.
تأملته باستغراب.
وفجأة تذكرت شيئًا.
ذكرى بعيدة جدًا.
طفلة صغيرة تركض في حديقة.
امرأة جميلة تضحك وتحملها.
ورجل عجوز يضع سلسلة مشابهة حول عنقها.
شهقت ليان.
وسقط المفتاح من يدها.
وضعت يدها على رأسها.
ـ مين الناس دول؟
شعرت بألم حاد اجتاحها للحظة.
ثم اختفت الذكرى كما ظهرت.
—
في المساء…
كان سليم يعزف على البيانو في القاعة الكبرى.
جلست ليان تستمع بصمت.
وحين انتهى من العزف ابتسم لها.
ـ عجبك؟
هزت رأسها بإعجاب.
ـ جدًا.
جلس بجوارها.
ـ أول مرة أشوف حد يسمع بالطريقة دي.
ـ بحب الموسيقى.
ـ كنتِ بتتعلميها؟
أخفضت رأسها.
ـ لا… الملجأ مكانش فيه حاجات زي دي.
شعر بالحزن من أجلها.
ثم قال بلطف:
ـ لو حبيتي أعلّمك.
ابتسمت.
ـ بجد؟
ـ أكيد.
ومن أعلى السلم كان كريم يراقبهما.
فتمتم بضيق:
ـ شكل المنافسة بدأت بدري.
—
أما فارس…
فكان في مكتبه حين طرق الجد الباب.
ـ ادخل.
دخل عزيز وأغلق الباب خلفه.
ثم وضع ملفًا فوق المكتب.
ـ عايزك تقرأ ده.
فتح فارس الملف.
ومع أول صفحة اتسعت عيناه.
ـ ملف اختفاء جنى؟
هز الجد رأسه.
ـ اقرأ كويس.
بدأ يراجع الصور والتقارير.
حتى توقف عند صورة الطفلة.
ثم صورة حديثة لليان.
شعر بصدمة هائلة.
ـ مستحيل…
ـ نفس اللي فكرت فيه.
ـ حضرتك شاكك إنها جنى؟
ـ مش شاكك… حاسس.
رفع فارس رأسه.
ـ لو طلع إحساسك صح؟
تنهد الجد.
ـ يبقى حفيدتي رجعت بعد تمنتاشر سنة.
—
وفي تلك الليلة…
تسلل شخص مجهول إلى القصر.
كان يرتدي ملابس سوداء ويغطي وجهه بالكامل.
تحرك بين الأشجار بصمت.
ثم أخرج صورة ليان من جيبه.
نظر إليها بكره واضح.
وهمس:
ـ كان لازم تموتي زمان.
تقدم نحو جناح الخدم.
لكن قبل أن يصل…
سمع صوت خطوات.
فاختبأ سريعًا خلف الأشجار.
كان فارس عائدًا من الخارج.
نظر حوله فجأة.
شعر أن أحدًا يراقبه.
لكن المكان بدا خاليًا.
فعاد إلى الداخل.
أما الرجل المجهول فظل مختبئًا حتى اختفى فارس.
ثم ابتسم ابتسامة شريرة.
ـ قريب جدًا.
—
في صباح اليوم التالي…
وصل رجل خمسيني أنيق إلى القصر.
استقبله الجد بنفسه.
سألته ليان وهي تمر بالمكان:
ـ مين الضيف؟
أجابتها نعمات:
ـ ده الدكتور سامح.
ـ دكتور؟
ـ أشهر خبير تحليل وراثي في البلد.
توقفت ليان مكانها.
ولم تعرف لماذا شعرت فجأة أن قلبها بدأ ينبض بعنف.
—
وفي مكتب الجد…
أغلق عزيز الباب.
ووضع أمام الدكتور خصلة شعر حصل عليها من فرشاة ليان.
ثم أعطاه خصلة أخرى محفوظة منذ سنوات.
وقال بصوت حاسم:
ـ عايز الحقيقة كاملة.
مهما كانت.
أخذ الدكتور العينات.
ـ النتيجة هتظهر خلال أيام.
غادر الرجل.بقلم منال عباس
وبقي الجد وحده.
ينظر إلى صورة حفيدته المفقودة.
ثم همس:
ـ يا رب تكوني رجعتي فعلًا.بقلم منال عباس
—
وفي مكان آخر…
وصل خبر التحليل إلى الرجل الذي خطف الطفلة منذ سنوات.
فانتفض من مقعده بغضب.
وضرب الطاولة بقبضته.
ـ لا…
لازم النتيجة ما توصلش.
ولو وصلت…
يبقى مفيش قدامي غير حل واحد.
فتح درجًا قديمًا.
وأخرج منه صورة لطفلة صغيرة تبكي.
كانت جنى.
أو ليان.
ثم أشعل طرف الصورة بالنار.
وظل يراقبها وهي تحترق.
وعيناه تمتلئان بحقد لم يخمد طوال ثمانية عشر عامًا.
