ندم متأخر حكايات منى السيد الثانى
الناس الواصلة اللي طنط تيسير كانت جايباهم يتباهوا ببرستيجهم، وقفوا في نص الصالة يتلفتوا حوالين نفسهم بكسوف مش طبيعي. الست الشيك اللي لابسة دهب كتيـر، لفت وشها وبصت لطنط تيسير بنظرة كلها تريقة وقالت وهي بتقدم رجل وتأخر رجل:
— جرى إيه يا تيسير؟ أنتِ جايبانا على ملا وشنا عشان نتفرج على الصالة الفاضية؟ والبنـت مراته فين؟ فين الأكل والترحيب اللي قولتِ عليه؟ الصراحة.. الموقف يكسف!
طنط تيسير واقفة زي الصنم، وشها جاب ألوان الطيف.. من الأحمر للأصفر للأزرق. عينيها الباردة ضاقت وهي شايفة برستيجها اللي بقالها عشرين سنة بتبنيه قدام عيلة “بابا شريف” بيقع حتة واحدة على بلاط الصالة.
شريف كان لسه قاعد على الكرسي، دافن وشه بين كفوف إيده وصوت شهقاته طالع بوجع مسموع. الخبطة كانت تقيلة عليه، تقيلة لدرجة إنه مش قادر يقف على رجله ولا قادر يبص في وش حد.
— شريف! اخلص وقوم اقف كدا.. إيه الخيبة اللي أنت فيها دي؟! — صرخت طنط تيسير وهي بتحاول تداري كسفتها بقلة الأدب والصوت العالي. — لم نفسك قدام قرايب أبوك! البت دي فاكرة نفسها إيه؟ دي حتة عيلة جاية من طنطا، هتعمل علينا إحنا سبع رجالة في بعض؟ تطلق إيه وتغور فين! تلاقـيها رايحة تتدلع وتعمل شو.. قوم كلمها وهزأها وخليها تيجي حالا!
شريف رفع وشه.. عينيه كانت حمرا دم، والدموع مغرقة خده. بص لأمه بنظرة خلتها ترجع خطوة لورا من الخوف.
— أكلم مين وهزأ مين يا أمي؟! — زعق شريف بصوت شرخ جدران الشقة. — منى مشيت.. شالت هدومها وهدوم ابني ومفتاح الشقة محطوط على الجزامة! منى مش بتعمل شو.. منى قفلت الباب ده وهي عارفة إنها مش هترجع تاني.. أنتِ مسمعتيش الرسالة؟ بتقولي ورقتي تيجـيلي لحد عندي! خربتي بيتي يا أمي.. ارتحتي كدا؟ بيضت وشك قدام الناس؟!
أحد الرجالة من القرايب كح كحة ناشفة وقال وهو بيشد الست اللي معاه من إيدها:
— طيب يا تيسير.. إحنا هنسيبكم الصراحة تحلوا مشاكلكم العائلية دي.. واضح إن الوقت مش مناسب خالص، وإحنا ملناش ذنب نقف في وسط خناقة.. يلا يا جماعة.
خرجوا بسرعة وكأنهم بيهربوا من بيت موبوء. الباب اتقفل وراهم، والصمت رجع تاني ينهش في حيطان الشقة الكئيبة.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
في نفس الوقت ده.. في طنطا.
البيت القديم بتاع أهلي كان دافي، ريحة خبيز أمي وصوت التليفزيون شغال في الصالة كان واخدني في حضنه بعد سبع سنين غربة في بيت مش بيتي. مصطفى كان قاعد في وسط ولاد خالاته بيضحك وبيلعب، ولأول مرة من فترة طويلة أشوف ضحكته طالعة من قلبه ومن غير خوف.
كنت قاعدة على الكنبة، ضامة رجلي لصدري، وماسكة كوباية شاي بالنعناع عاملها لي أبويا بإيده. أمي قعدت جنبي، حطت إيدها الحنينة على كتفي وطبطبت عليا:
— نمتي كويس يا منى يا بنتي؟ وشك النهاردة أحسن.. بقالك يومين واصلة وشك كان زي الليمونة المصرورة من الهم.
تنـهدت تنهيدة طويلة، حاسة إن جبل كان على نفسي وانزاح:
— الحمد لله يا أمي.. نمت.. نمت من غير ما أصحي مخضوضة، ومن غير ما أفكر هطبخ إيه يرضي طنط تيسير، ومن غير ما أخاف من نظرة تقليل أو كلمة مسمومة.. أنا صحيت حاسة إني بني آدمة، حاسة إن منى بتاعة زمان رجعت تاني.
أبويا قلع نظارة القراءة وحط الجرنان على التربيزة، وبص لي بعينيه اللي مليانة حكمة وحنان:
— يا بنتي.. البيوت بتتبني على المودة والرحمة، مش على الكسر والتنازل.. أنتِ صونتي بيتك سبع سنين، ومقصرتيش.. والست لما بتصبر وتعدي بيبقى عشان شاريـة، بس لما بتجيب أخرها والكرامة تتهان.. مبيبقاش فيه خط رجوع. شريف لو مش عارف مقامتك ومقام أهلك، يبقى ملوش قعاد معاكي.
— هو ميعرفش يا بابا — رديت ودمعة عنيدة نزلت من عيني مسحتها بسرعة. — شريف افتكر إن سكوتي قلة حيلة، وافتكر إن طيبتي خوف.. ساب أمه تدوس عليا عشان يرضيها، وفي الآخر هو اللي خيرني بين كرامتي والباب.. وأنا اختـرت الباب يا بابا.. اخترت نفسي.
أمي دعت لي وهي بتمسح على راسي، وفي اللحظة دي.. تليفوني اللي على التربيزة بدأ يرن.. وبيهتز بقوة..
الشاشة كانت بتنور باسم “شـريف”.
بصيت للتليفون وسبته يرن لحد ما فصل.. رجع رن تاني وتالت ورابع.. شريف مكنش بيبطل. أمي بصت لي وقالت:
— مش هتردي يا بنتي؟ شوفيه عاوز إيه.
— لاء يا أمي.. مش هرد دلوقتي خالص.. شريف لازم يفهم الأول إن اللي حصل مش زعلة يومين وهتعدي.. لازم يستوي على نار هادية ويدوق طعم البيت من غيري، عشان يعرف قيمتي وقيمة التنازلات اللي كنت بعملها.
#حكايات_منـي_السيـد
في القاهرة.. الشقة كانت ضلمة.
الساعة بقت اتنين بعد نص الليل.. شريف كان قاعد في الصالة لوحده، مشغلش نور واحد.. مفيش غير إضاءة تليفونه اللي عمال يكلم منى وهي مش بترد.
البيت كان ساقع، ريحة الفراغ والوحدة بتخنق. شريف قام ودخل المطبخ وهو جعان وتعبان، فتح التلاجة.. لقاها فاضية تماماً، مفيش فيها غير علبة جبنة ناشفة وقزازة مية.
افتكر منى.. افتكر لما كان بيرجع في عز تصفيات الشغل السنوية وهلكان، كان بيدخل يلقى الشقة دافية، ريحة الأكل تجيب لآخر الشارع، ومنى واقفة بمريلتها مستنياه بابتسامة، تقلع جزامته وتاخده في حضنها وتقول له “ربنا يعينك ويقويك يا حبيبي”.
افتكر مصطفى وهو بيجري عليه ويقول له “بابا جيه!”.
شريف قفل التلاجة وضرب إيده في الحيطة بوجع:
— غبي.. غبي يا شريف! ضيعت بيتك بإيدك عشان ترضي أوهام وكبرياء!
تليفونه رن.. افتكرها منى ففتح بسرعة من غير ما يشوف الاسم:
— منى! منى أرجوكي ردي عليا أنا…
— منى إيه وزفت إيه يا شريف! أنا أمك! — صوت طنط تيسير جه زي الصدمة. — أنت لسه بتجري ورا البت دي؟ أنت بكرا الصبح هتيجي معايا لمصر الجديدة، أنا كلمت لك بنت المستشار رفعت، واحدة واصلة ومتعلمة ومن مقامنا، هتنسيك بنت طنطا دي وأيامها.. منى دي لازم تتربى، سيبها تترمي عند أهلها لحد ما تيجـي راكعة وتبوس إيدك ورجلك عشان ترجعها!
شريف حس إن ودنه بتصفر من كتر الغضب.. الكلام اللي كان بيعديه زمان عشان خاطر “أمه” وبيرضى بيه، النهاردة بقى بيسمعه ودمه بيغلي.
— أمي! — شريف قالها بصوت جهير وناشف تماماً. — اقفلي السيرة دي وماتنطقيش اسم منى على لسانك تاني! بنت المستشار مين اللي أتجوزها؟ أنا مش عاوز غير مراتي وابني! أنتِ مش فاهمة أنتِ عملتي إيه؟ أنتِ خربتي حياتي! العزومة والمنظرة بتوعك ضيعوا مني الست الوحيدة اللي استحملت طبعك واستحملت قرفك سبع سنين ومشتكتش! منى مش هتيجي راكعة يا أمي.. منى قوية، وأنا اللي خسرتها.. من هنا ورايح يا أمي، ياريت تخليكي في برستيجك وشقتك في مصر الجديدة وسيبيني في خيبتي!
شريف قفل السكة في وش أمه لأول مرة في حياته.. رمى التليفون على الكنبة ودخل أوضة مصطفى.. قعد على السرير الصغير، مسك السلم اللعبة وبندقية البلاستيك اللي مصطفى كان بيلعب بيهم.. وضمهم لصدري وبكى زي العيل الصغير.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
بعد ثلاثة أيام..
كنت واقفة في المطبخ مع أمي بنعمل غدا، لما سمعنا صوت جرس الباب بيضرب.. خبطات هادية ومتوترة.
أخوي الكبير أحمد قام فتح الباب.. وسمعت صوته وهو بيقول بنبرة جافة وناشفة:
— أهلاً يا شريف.. اتفضل.
قلبي دق بسرعة، بس ثبت نفسي.. مسحت إيدي في الفوطة وخرجت للصالة..
شريف كان واقف عند الباب، مبهدل، دقنه نابتة، وعينيه دبلانة وداخله لجوه وكأنه مانامش من أسبوع.. قميصه مكرمش، وشكله لا يوحي بالراجل الواثق من نفسه اللي كان بيزعق في نص الصالة من كام يوم.
أول ما شافني، خطى خطوة سريعة ناحيتي وصوته اتهز:
— منى.. الحمد لله إني شوفتك.. منى أرجوكي اسمعيني.
أبويا كان قاعد على كرسيه، وبأشارة من إيده خلى شريف يقعد.. قعد شريف وهو باصص في الأرض بكسرة.
— قولي يا شريف يا ابني.. إيه اللي جابك لحد هنا؟ — سأله أبويا بهدوء الأكابر.
شريف رفع عينه وبص لأبويا وقال ونبرته كلها رجاء:
— عمي.. أنا جاي وندمان.. أنا عارف إني غلطت في حق منى، وغلطت في حقكم.. أنا اتعميت لثانية وشيطان الكبر ركبني.. بس البيت من غير منى ومصطفى قـبر.. أنا مش قادر أعيش من غيرهم.. أنا جاي أخد مراتي وابني وراسي في الأرض ومستعد لأي شرط تطلبوه.
بصيت لشريف.. حته جوايا كانت حزينة عليه، بس الحتة الأكبر كانت لسه فاكرة كلمته “ورجلك فوق رقبتك.. وروحي لأهلك في طنطا”. الكلمة دي كانت زي الوشم في قلبي، مش بتتمسح بسهولة.
— شريف — قولت وأنا واقفة بعيد عنه، ومربعة إيدي. — الندم مبيصلحش اللي اتكسر في ثانية.. أنت خيرتني بين كرامتي وبينك، وأنا اختـرت كرامتي.. أنت سبت طنط تيسير تهين أهلي وتهين عيشتي وأصلي، وكنت واقف بتتفرج وبتدافع عنها.. أنا مش لعبة يا شريف، وقت ما تعوزني تلاقيني، ووقت ما تزهق تطردني لأهلي.
— والله العظيم ما هكررها يا منى! — شريف قام ووقف قدامي وعينيه مدمعة. — أنا وقفت لأمي وقولت لها لاء.. وقولت لها ميتدخلش في حياتنا تاني.. الشقة شقتك، والقرار قرارك.. ومستعد أكتب لك الشقة باسمك لو ده هيثبت لك إني شريكي بجد ومش هسمح لحد يكسرك تاني.. بس ارجعي معايا.. عشان خاطر مصطفى.
في اللحظة دي.. الباب خبط تاني.. بس المرة دي الخبط كان قوي وحاد.. كأنه اقتحام!
أحمد أخويا فتح الباب.. ودخلت صدمة جديدة مكانتش على البال..
طنط تيسير كانت واقفة على العتبة، ووراها اتنين رجالة شكلهم غريب ووشوشهم ناشفة.. بصت لأحمد ودخلت الصالة وهي رافعة راسها بغرور متموتش، وبصت لشريف اللي واقف مصدوم وقالت بصوت مسموع هز البيت كله:
— بقا أنت هنا يا شريف؟ بتتمسح في جزمهم عشان يرجعولك البت دي؟.. طالما جيت هنا بقا، يبقا تسمعوا كلكم.. أنا مش جاية أصلح.. أنا جاية أقولكم إن ابني مش هيتذل.. والبت دي لو مرجعتش بالذوق حالا، الرجالة دول جايين ياخدوا مصطفى ابن ابني.. ومش هتشوفي ضفره تاني يا منى يا بنت طنطا!
الصالة اتقلبت في ثانية لنار.. وأخويا أحمد عروقه ظهرت وقرب منها، وشريف صرخ بأعلى صوته.. وأنا حسيت إن الدم غلي في عروقي..
يا ترى طنط تيسير هتقدر تاخد مصطفى؟ وشريف هيقف في وش أمه بجد المرة دي ولا هيرجع لورا؟
أول ما كلمة “مش هتشوفي ضفره تاني” طلعت من بق طنط تيسير، الصالة اتقلبت لساحة حرب. أحمد أخويا خطى خطوة واسعة، وعروق رقبته كانت هتطق من كتر الغضب، وقف بطوله وعرضه قدام الرجالة اللي معاها وزعق بصوت هز حيطان البيت:
— لاء يا ست أنتِ.. لحد هنا والزمي حدودك! أنتِ فاكرة نفسك داخلة زريبة؟ ده بيت محترم، والرجالة اللي معاكي دول لو مخدوش بعضهم وطلعوا برة حالا، أنا هطلب النجدة وهعملكم قض..ية تهجم وعدم تعرض، وهخلي برستيجك اللي فرحانة بيه ده يبقى على كل لسان في طنطا ومصر كلها!
الرجالة اللي معاها، لما شافوا أحمد وصوته اللي زي الرعد، وبابا اللي وقف بكل هيبة ووقار من غير ما ينطق كلمة بس نظراته كانت كفيلة ترعب.. بدأوا يتراجعوا لورا ناحية السلم. واحد منهم شد طنط تيسير من كم عبايتها وقال بوش مخطوف:
— جرى إيه يا ست تيسير؟ أنتِ مقولتيش إننا داخلين على رجالة في بيتهم! إحنا ملناش دعوة بالمحاكم والمشاكل دي، يلا بينا.
طنط تيسير نفضت إيدها منه بغل وهي بتجز على سنانها:
— وسع كدا أنت وهو! رجالة مين؟ أنا باخد حق ابني وحق عيلتي.. الواد ده ابن ابني، شريف شريف شريف، مش ابن عيلة السيـد!
شريف في اللحظة دي.. كان واقف باصص لأمه وكأنه مش مصدق إن دي الست اللي ربته. وش الصدمة والكسرة اللي كان فيه من شوية، اتمسح وحل مكانه غضب أعمى، غضب راجل حس إن أمه بتدبح كرامته ورجولته قدام نسايبه وأهله.
خطى شريف خطوات سريعة، ووقف في النص بين أمه وبين أحمد، ولأول مرة يرفع صباعه في وشها وصوته يطلع حاد ومشرخ من كتر القهر:
— أمي!! اطلعي برة!!
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
الكلمة نزلت على الصالة زي السكوت اللي بيسبق العاصفة. طنط تيسير برقت عينيها، والابتسامة الصفرا المرعوبة اترسمت على شفايفها وهي بتقول بنبرة مشحونة بالغل:
— أنت.. أنت بتقولي أنا اطلعي برة يا شريف؟ بتطرد أمك عشان خاطر دول؟
— أيوة بقولك اطلعي برة! — صرخ شريف، والدموع نزلت من عينيه من كتر القهر. — أنتِ إيه؟ مابتشبعيش خراب؟ مابيرضيكيش تشوفي ابني مبسوط؟ جايبة رجالة تتهجمي بيهم على بيت نسايبي وتخوفـي ابني؟ أنتِ جاية تاخدي مصطفى من حضن أمه؟ أنا مش هسمحلك تدمري اللي باقي من حياتي.. مصطفى هيفضل مع أمه، وأنا مش عاوز منك حاجة.. لا عاوز برستيج، ولا عاوز شقة مصر الجديدة، ولا عاوز بنت المستشار.. أنا مش عاوز غير مراتي وابني.. اطلعي برة يا أمي وماتدخليش في حياتي تاني!
طنط تيسير لفت بوسطها كله، وبصت للناس اللي واقفة، وبصت لي أنا بالذات وعينيها كانت بتطق شرار، وقالت بصوت واطي مليان سم:
— ماشي يا شريف.. ماشي يا ابن بطني.. بعتني وعقيتني عشان حتة ست.. خليها تنفعك.. والـله ما هتشوف مني مليم واحد، ولا هوريك وشي ليوم الدين.. واشبع بقعدتك في طنطا!
لفت ضهرها وخرجت تجري على السلم، ووراها الرجالة بتوعها، ورزعت الباب وراها رقعة سمعت في العمارة كلها.
الصالة هديت فجأة، مفيش غير صوت نفس شريف العالي وهو حاطط إيده على صدره وبيـّنهد بنهجات ورا بعض كأنه كان غرقان وطلع لسطح المية. لف وشه وبص لبابا وأحمد، ونزل على ركبه في الأرض، وبكى.. بكى بحرقة راجل حاسس إنه اتهد من جوه.
أحمد أخويا هدي، وبص له بصعبانية، قرب منه وحط إيده على كتفه وقومه وقعده على الكنبة. بابا اتنهد تنهيدة دافية، وبص لشريف وقال بصوته الهادي:
— اهدى يا شريف يا ابني.. اهدى يا حبيبي.. امسح دموعك، الراجل ميعيطش قدام حد.. قومتك في وش أمك دلوقتي، ورغم إنها صعبة على أي ابن، بس كانت هي الخطوة الأولى عشان تكون راجل وصاحب بيت بجد.. البيت اللي ملوش كبير بيحميه من التدخلات، بيبقى زي الخيمة اللي الهوا بيطيرها في ثانية.
#حكايات_منـي_السيـد
شريف مسح دموعه بكم قميصه، وبص لي وعينيه مليانة رجاء وتوسل:
— منى.. أنا شوفت الموت بعيني الكام يوم اللي فاتوا.. البيت من غيرك كابوس.. أنا وقفت لأمي وقطعت معاها عشانك وعشان ابننا.. أنا مش طالب منك ترجعي دلوقتي، أنا عارف إن جرحك كبير، بس أرجوكي.. إديني فرصة تانية.. إديني فرصة أثبت لك إن شريف بتاع زمان، الراجل اللي حبيتيه وشيلتي معاه السفرة على كتافك، لسه عايش وماتش.. مستعد أعمل أي حاجة ترضيكي.
كنت واقفة، والدموع في عيني مغرقة وشي.. حتة من قلبي كانت بتتقطع عليه وعلى كسـرته قدام أهلي، وحتة تانية كانت لسه خايفة.. خايفة من الأيام، وخايفة من طنط تيسير ومكائدها، وخايفة إن شريف يرجع يحن لأمه ويحس بالذنب تجاهها فيقلبه عليا تاني.
أبويا بص لي، وبص لشريف، وقال بحكمة:
— شريف يا ابني.. أنت نورتنا، واليومين دول منى ومصطفى هيفضلوا هنا في طنطا.. منى محتاجة ترتاح وتفكر، وأنت محتاج تروح ترتب بيتك وحياتك وتشوف هتمشي أمورك إزاي من غير ما تعتمد على حد.. فتره هدوء للطرفين.. وبعدها نشوف.
شريف هز راسه بالموافقة والامتنان، وقام وقف.. قرب مني وبص في عيني بصه طويلة، كأنه بيحفر ملامحي في ذاكرته عشان تصبره على الأيام الجاية:
— هسيبك ترتاحي يا منى.. بس افتكري إني شريكي ومش هسيبك.. ومصطفى هجيله في الإجازة أشوفه.. ربنا يحفظك ليا يا أم ابني.
سلم على بابا وأحمد، ومشي.. الباب اتقفل بهدوء، وأنا قعدت على الكنبة وحطيت وشي بين إيديا وفضلت أعيط.. بس المرة دي، مكنش عياط قهر ولا وجع.. كان عياط راحة، عياط ست حست إن كرامتها رجعت لها، وإن الراجل اللي اختارته وباعت الدنيا عشانه، بدأ يفوق ويحارب عشانها.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
مر شهر بحاله..
الشهر ده عدا عليا في طنطا وأنا براجع نفسي في كل حاجة. نزلت اشتغلت في فرع شركتنا اللي في طنطا، ورجعت أهتم بنفسي وبمصطفى اللي دخل حضانة جديدة وبقى فرحان ومبسوط. شريف مكنش بيبطل تليفونات.. كان بيكلم مصطفى كل يوم فيديو كول، يضحك معاه ويلاعبه، وكان بيبعت لي رسايل كل يوم يطمن عليا ويحكيلي عن يومه.. من غير ما يضغط عليا في الرجوع.
في رسايله، حكالي إنه نقل شغله لفرع تاني عشان يبعد عن أي مكان ممكن يشوف فيه أمه أو حد من طرفها، وإنه بدأ يطبخ لنفسه وينظف الشقة وبقى عارف قيمة كل ثانية كنت بقفها في البيت.. قالي: “أنا دلوقتي بس عرفت أنتِ كنتِ بتستحملي إيه يا منى.. أنا آسف على كل لحظة قصرت فيها”.
أما عن طنط تيسير.. فالعصفورة نقلت لي الأخبار من القاهرة.. قرايب بابا شريف الواصلين، بعد الموقف اللي حصل في العزومة، طلعوا عليها كلام في وسط العيلة إنها ست نكدية وخربت بيت ابنها الوحيد وكسفتهم في شقة فاضية من غير أكل ولا شرب.. البرستيج اللي كانت بتموت فيه اتهد، وبقت قاعدة في شقتها في مصر الجديدة لوحدها، ومحدش من القرايب بقا بيعبرها ولا بيروح لها.. شربت من نفس الكأس اللي سقتني منه سبع سنين.. الوحدة والتقلِيل.
#حكايات_منـي_السيـد
وفي يوم جمعة.. بعد مرور الشهر..
كنت قاعدة مع ماما وبابا، ولقت جرس الباب بيضرب.. أحمد فتح، ودخل شريف.. بس المرة دي مكنش مبهدل ولا دبلان.. كان لابس بدلة شيك جداً، وحالق دقنه، وفي إيده بوكيه ورد أحمر كبير، وفي الإيد التانية علبة قطيفة حمراء.
دخل وسلم على بابا وأحمد بحرارة، وقرب مني.. حط بوكيه الورد في إيدي، وفتح العلبة القطيفة.. ولقيت جواه مفتاح شقتنا في القاهرة.. ومعه عقد ملكية موثق في الشهر العقاري!
شريف بص في عيني وقدام بابا وأمي وأحمد، وقال بنبرة صوت ثابتة ومليانة حب وفخر:
— منى.. العقد ده باسمك.. الشقة دي شقتك أنتِ ومصطفى، ومحدش في الدنيا، لا أمي ولا غيرها، يقدر يخطى عتبتها من غير إذنك.. أنا جاي النهاردة مش بس عشان أرجعك.. أنا جاي أطلب إيدك من عمي وأحمد من أول وجديد.. جاي أقولك إنك ملكة بيتي، وعزتك من عزتي.. ترجعي معايا يا منى؟ ترجعي تنوري بيتنا اللي ضلم من غيرك؟
بصيت للعقد، وبصيت للمفتاح، وبعدين بصيت في عيون شريف.. لقيت فيهم الراجل اللي تمنيته.. الراجل اللي اتعلم الدرس وصان الأمانة..
بصيت لبابا.. لقيت أبويا بيبتسم لي ويهز راسه كأنه بيقولي “خدي قرارك يا بنتي.. أنتِ دلوقتي قوية”.
وقبل ما أنطق بكلمة وأقوله موافقة.. تليفون شريف رن بصوت حاد.. شريف أخرجه من جيبه وبص للشاشة.. وشه اتخطف فجأة، وعينيه برقت بصدمة ورعب..
بصيت على الشاشة معاه.. كان الرقم غريب.. بس الرسالة المكتوبة تحت الرقم كانت صدمة هزت الكيان:
“الحق يا شريف بيه.. الست تيسير مامتك نقللوها المستشفى بين الحيا والموت بعد ما جالها جلطة مفاجئة.. وبتقول عاوزة تشوفك أنت ومراته منى قبل ما تموت وتطلب منكم السماح!!”
الورد وقع من إيدي على الأرض.. والصالة رجعت تتهز تاني بصدمة جديدة..
يا ترى طنط تيسير فعلاً بتتصل بتموت وعاوزة السماح؟ ولا دي لعبة جديدة ومكيدة تانية عشان ترجع شريف لحضنها وتكسر فرحتنا؟