ندم متأخر حكايات منى السيد الثالث

الرسالة نزلت علينا كأنها صاعقة في عز دفا الصالة. بوكيه الورد الأحمر اللي كان في إيدي وقع، والورد اتفرفط على السجادة زي أحلامنا اللي كانت لسه بتبدأ تتجمع. مفتاح الشقة وعقد الملكية فضلوا في إيد شريف، بس إيده كانت بـترتعش لدرجة إن العقد كان بيخروش وصوته مسموع في وسط السكوت المريب اللي حل علينا.
شريف بص للتليفون، وشه اتحول للون الأبيض الزاهق، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور كأنه بيحاول يكذب عينيه. بص لي ونبرة صوته تاهت منه وهو بيقول:
— منى.. أمي.. أمي بتموت يا منى.. جلطة؟
أحمد أخويا قرب بسرعة وأخد التليفون من إيد شريف وقرأ الرسالة بصوت عالي عشان بابا وأمي يسمعوا. أمي حطت إيدها على صدرها وشهقت:
— يا حفيظ يا رب! جلطة حتة واحدة؟ ربنا يشفي كل مريض يا بنتي.. الموت مفيش فيه شماتة ولا عناد.
بابا قعد في كرسيه وهز راسه بحزن وقار:
— لا حول ولا قوة إلا بالله.. الموت هو الحقيقة الوحيدة اللي بتهد أي كبرياء يا ابني. روح يا شريف.. روح لأمك، مهما كان ومهما حصل، دي الست اللي شالت وربت، واللحظات دي مفيش فيها حساب ولا عتاب.
شريف بص لي، والدموع نزلت من عينيه زي الشلال.. كان تايه بين حبه ليا ورغبته إنه يبدأ صفحة جديدة، وبين غريزة الابن اللي حاسس إن أمه بتضيع منه في ثانية. قرب مني خطوتين ولفت إيده حوالين إيدي وضغط عليها برجاء يقطع القلب:
— منى.. أرجوكي تعالي معايا.. الرسالة بتقول عاوزة تشوفك أنتِ كمان وتطلب السماح.. أرجوكي يا منى ما تسيبنيش لوحدي في الموقف ده.. أنا محتاجلك جمبي.
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي.. كنت حاسة بنار جوايا.. حتة بتقولي دي مكيدة جديدة من مكايد طنط تيسير عشان تسحب رجل شريف تاني وتلوي دراعه بمرضها بعد ما قاطعها وخسرت برستيجها.. وحتة تانية، الحتة النظيفة اللي جوايا اللي أهلي ربوني عليها في طنطا، بتقولي: “لو فعلاً بتموت، هتعيشي طول عمرك شايلة ذنب إنك سامحتهاش وهي على فراش الموت؟”.
بصيت لبابا.. لقيته بيهز راسه بالموافقة والرحمة:
— روحي معا جوزك يا منى.. الست الأصيلة بتبان في المواقف الصعبة.. روحي وسامحي لوجه الله، والمسامح كريم يا بنتي.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
ساعتين زمن.. كنا في العربية على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي راجعين على القاهرة. شريف كان سايق زي المجنون، عينه مش على الطريق، عينه على تليفونه مستني أي مكالمة أو خبر. كنت قاعدة جمبه، ماسكة إيده بقوة عشان أهديه، بس دماغي كانت صاحية وبتلف زي الساقية.
وصلنا المستشفى الاستثماري الكبيرة اللي في مصر الجديدة على المغرب.. المستشفى كانت هادية وريحة المطهرات تزهق النفس. شريف جرى على الاستقبال يسأل بصوت مخنوق:
— الست تيسير الشافعي.. العناية المركزة فين لو سمحت؟
الموظف بص في الكمبيوتر وقاله:
— الدور الثالث يا فندم، العناية رقم ٣.. بس الزيارة ممنوعة، مسموح لفرد واحد بس يدخل لدقايق.
طلعنا في الأسانسير، وكل دور بنعديه كنت بحس إن قلبي بيتقبض أكتر. وصلنا الدور الثالث، لقينا الممر طويل وضلمة، وفي آخره واقف الدكتور المسؤول. شريف جرى عليه وعيونه مليانة رعب:
— دكتور.. أنا شريف ابن الست تيسير.. طمني أرجوك، أمي جرالها إيه؟
الدكتور أخد تنهيدة طويلة وبص في الأرض:
— البقاء والدوام لله يا فندم.. شد حيلك.. الجلطة كانت شديدة جداً وللأسف ملحقناش نعمل حاجة.. الحالة اتوفت من ربع ساعة بس!
الكلمة نزلت على شريف كأنها قذيفة هدت كيانه.. صرخ صرخة مكتومة ووقع على ركبه في وسط الممر، فضل يضرب راسه في الحيطة ويبكي بحرقة وندم ويقول:
— لاء يا أمي.. لاء ما تموتيش وأنتِ زعلانة مني! أنا أسف يا أمي.. أنا السبب.. أنا اللي زعلتك وعقيتك عشان بيتي.. سامحيني يا أمي!
قعدت في الأرض جمبه، أخدته في حضني وبكيت معاه.. الوجع كان حقيقي، وفكرة إنها ماتت وهي وحيدة بعد ما كل القرايب سابوها كانت تقطع القلب.. قسوتها وغرورها كلهم اتمسحوا في ثانية، وبقت قدامنا الحقيقة المرة.. الموت.
#حكايات_منـي_السيـد
الدكتور طبطب على كتف شريف وقال بنبرة هادية:
— يا فندم اهدى ووحد الله.. الموت علينا حق.. بس الست الوالدة قبل ما تدخل في الغيبوبة الأخيرة، سابت الأمانة دي مع الممرضة وقالت إنها لازم تتوصل لشريف ومنى بالذات.. اتفضل.
الدكتور مد إيده وادا لشريف ظرف أبيض مقفول.. شريف أخد الظرف وهو إيده بـترتعش، ودموعه مغرقة الورق. قعدنا على كراسي الانتظار في الممر، وشريف فتح الظرف ببطء شديد.. وطلع منه ورقة مكتوبة بخط إيد طنط تيسير.. الخط كان مهزوز وضعيف، مش الخط القوي الواثق اللي كنت بشوفه في جواباتها وشيكاتها.
شريف بدأ يقرأ بصوت واطي ومشرخ من كتر العياط:
“ابني الوحيد شريف.. وحبيبتي منى..
لما تقرأوا الكلام ده، هكون بقابل رب كريم.. أنا عارفة إني غلطت.. وغلطت كتير أوي في حقكم.. السبع سنين اللي فاتوا كنت شايفة نفسي فوق الناس كلها بسبب فلوسي وعيلتي وبرستيغي.. كنت فاكرة إن الكسر والمنظرة هما اللي بيعملوا قيمة للبني آدم..
لما أنت وقفت في وشي يا شريف وطردتني من بيت نسايبك، الدنيا اسودت في عيني.. زعلت وعانيت، وقولت ابني باعني.. بس لما رجعت شقتي في مصر الجديدة وقعدت لوحدي.. والشهر ده عدا عليا ومحدش من قرايب البرستيج بتوعي رفع سماعة التليفون يسأل عليا ولا جيه زارني.. عرفت إن منى بنت طنطا كانت هي الوحيدة اللي بتصون لقمة بيتي.. منى كانت بتبلع السم وبتسكت وتطبخ وتنظف وتستقبلني بابتسامة عشان خاطرك يا شريف.. وأنا كنت بعاملها بقسوة وجحود..
المرض جالي فجأة، وأنا في وسطه ملقتش حد جمبي.. عرفت إن البيوت بتتبني بالحب واللمة مش بالمنظرة الكدابة.. أنا مسمحاك يا شريف يا ابن بطني، وبتمنى تفرش بيتك وتعيش مبسوط مع مراتك وابنك.. ومنى.. يا منى يا بنتي.. سامحيني.. سامحيني على كل كلمة وجعتك، وعلى كل نظرة تقليل.. ادعيلي بالرحمة يا بنتي.. أمك تيسير.”
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
الجواب خلص، وشريف ارتمى في حضني وهو بينتحب زي الطفل الصغير اللي تاه من أمه في المولد. كنت ببكي من قلبي.. الكلمات غسلت كل الغل والوجع اللي كان جوايا تجاهها.. الست اللي كانت مسببة لي رعب بقالها سبع سنين، ماتت وهي مكسورة وطالبة السماح.. وعرفت قيمتي وقيمة أصلي الطيب في آخر لحظات حياتها.
— مسامحاها يا شريف — قولت الكلمة دي وأنا بمسح دموعه بإيدي وببوس راسه. — والله العظيم مسامحاها من كل قلبي.. ربنا يرحمها ويغفر لها ويثبتها عند السؤال.. اهدى يا حبيبي وادعيلها.. هي دلوقتي محتاجة دعاك مش عياطك.
عدت أيام العزاء تقيلة وصعبة.. الشقة في مصر الجديدة كانت مفتوحة، وقرايب بابا شريف الواصلين جوم كلهم.. بس المرة دي جوم يعزوا بوجوه حزينة ومكسوفة، ومحدش فيهم قدر يفتح بقه ولا يتنمر ولا يتمنظر.. كنت واقفة أنا في وسطهم، لابسة أسود، باخد العزاء وبضايف الناس بكل هيبة وأصل، وشريف كان واقف برة مع أحمد أخويا وبابا اللي سابوا طنطا وجوم وقفوا في العزاء كأنهم أصحاب البيت.. شريف كان بيبص لي وسط الناس وعينيه مليانة فخر وحب.. عرف إن بنت طنطا هي الظهر والسند اللي بجد وقت الشدة.
بعد ما العزاء خلص والأيام عدت.. رجعنا شقتنا.. الشقة بتاعتنا إحنا.
السفرة الخشب كانت مرصوصة، النور كان داخل من البلكونة، ومصطفى كان بيجري بمسد..ساته اللعبة في الطرقة وصوت ضحكته مالي المكان بالبركة والبهجة.
كنت واقفة في المطبخ بعمل عشا، لما حسيت بإيدين شريف الكبيرة وهي بتلف حوالين وسطي من ضهري.. حط راسه على كتفي واتنهد تنهيدة دافية:
— منى.. أنا بحبك أوي.. وبشكر ربنا كل ثانية إنه حفظك ليا وحفظ بيتنا.. الشقة دي نورت بوجودك.. وأمي ماتت وهي راضية عننا.. مفيش حاجة ناقصاني في الدنيا دي تاني.
لفيت وشي وبصيت في عيونه اللي رجع لها الأمان واللمعة من تاني:
— وأنا بحبك يا شريف.. وبيتنا ده هيفضل دايماً مفتوح بالخير والبركة والأصل الطيب.. مفيش حاجة هتكسرنا تاني أبداً.
#حكايات_منـي_السيـد
مرت سنة كاملة على الأحداث دي..
الحياة مشيت هادية وجميلة.. شريف بقى شريك بجد في كل حاجة في البيت، والشغل بتاعه اتحسن وبقى مستقر.. ومصطفى كبر وبقى في المدرسة ومالي دنيتنا فرحة..
وفي يوم جمعة.. كنا قاعدين على السفرة الخشب بناكل سوا وبنضحك، لما تليفون شريف رن بصوت حاد.. شريف فتح الخط وحطه على ودنه، ولقيت ملامح وشه بتتغير من الضحك للجدية والصدمة المفاجئة..
قفل الخط وبص لي وعينيه واسعة مش مصدق..
— في إيه يا شريف؟ مالك؟ — سألته بقلق.
— منى.. المحامي بتاع أمي كلمني دلوقتي.. وبيقول إن أمي قبل ما تموت، كانت كاتبة وصية سرية ومقفولة في مكتبه، والوصية دي مش هتتفتح غير بعد مرور سنة كاملة على وفاتها.. والمحامي طالبنا بكرا الصبح في المكتب أنا وأنتِ ومصطفى عشان الوصية تتفتح وتتقرأ قدامنا.. وقالي إن فيها مفاجأة هتغير حياتنا كلها!!
قلبي دق بسرعة، وبصيت لشريف الصدمة والفضول هيموتونا.. يا ترى طنط تيسير سابت إيه في الوصية دي؟ وهل المفاجأة دي هتكون سبب في سعادتنا ولا بداية لكابوس جديد هيهد الاستقرار اللي عشنا فيه سنة كاملة؟

الليل مَعداش علينا أنا وشريف، كنا بنتقلب في السرير وكل واحد فينا باصص للسقف وعقله عمال يودي ويجيب. سنة كاملة من الهدوء والاستقرار، سنة كاملة بنبني في بيتنا وبنداوي جروح السبع سنين اللي فاتوا، وفجأة تظهر وصية تقلب الكيان وتصحي الفضول والخوف جوانا من تاني.
— تفتكر أمي كاتبة إيه في الوصية دي يا منى؟ — سأل شريف بصوت واطي ودافي في ضلمة الأوضة.
لفيت وشي وبصيت له، مديت إيدي وطبطبت على كتفه:
— الغيب بتاع ربنا يا حبيبي.. بس طالما طنط تيسير الله يرحمها ماتت وهي راضية عننا وسابت لنا الجواب الكله سماح ده، يبقى أكيد الوصية فيها خير.. نام وارتاح وعمى ضياع الفكر مش هيفيد بحاجة دلوقتي.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت عشرة بالظبط.. كنا واقفين قدام مكتب الأستاذ فريد المحامي في وسط البلد. عمارة قديمة من بتوع زمان، بأسانسير خشب وببان عالية. شريف كان ماسك إيد مصطفى وإيدي التانية، وبنخطى الخطوات وكأننا داخلين على امتحان.
دخلنا المكتب، ريحة الورق القديم والقهوة كانت مالية المكان. الأستاذ فريد، راجل وقور بشعر أبيض ونظارة طبية سميكة، استقبلنا بابتسامة هادية وطلب مننا نقعد.
— أهلاً يا شريف بيه، أهلاً يا مدام منى.. خطوة عزيزة — قالها وهو بيعدل نظارته وبيطلع من الخزنة الحديدية اللي وراه ظرف كبير مختوم بالشمع الأحمر. — الست تيسير الله يرحمها، قبل وفاتها بأسبوعين بالظبط، جاتلي هنا المكتب.. وكانت في كامل قواها العقلية، وطلبت مني صياغة الوصية دي، واشترطت شرط قطعي إنها ماتتفتحش ولا تتقرأ غير بعد مرور سنة كاملة على وفاتها.. والنهاردة المعاد.
شريف بلع ريقه ونفسه اتكتم، وأنا حسيت برعشة خفيفة في إيدي. مصطفى كان قاعد هادي وبيتفرج على اللوحات اللي على الحيطة.
الأستاذ فريد مسك مقص صغير، وقطع الختم الشمع ببطء، وطلع ورقتين كبار مكتوبين بالآلة الكاتبة وموقعين بإمضاء طنط تيسير وبصمتها. كح كحة خفيفة وبدأ يقرأ بصوت جهير وواضح:
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
— “بسم الله الرحمن الرحيم.. أنا تيسير الشافعي، أقر وأنا في كامل قواي العقلية والجسدية بهذه الوصية لتبلغ ابني الوحيد شريف وزوجته منى السيد..
يا شريف يا ابني، لما تسمع الكلام ده هكون بقالي سنة تحت التراب.. سنة كاملة سيبتكم فيها تعيشوا من غير تدخلي ومن غير سمومي.. أنا كتبت الوصية دي بعد ما طردتني من بيت نسايبك في طنطا، وعرفت إن طريقتي كانت هتخرب بيتك وتضيع منك الست اللي صانتك..
أنا طول عمري كنت بتباهى بالفلوس والبرستيج، وكنت فاكرة إن عيلة الشافعي هما أسياد الدنيا.. بس لما قعدت لوحدي، عرفت إن الفلوس من غير أصل وطيبة متساويش مليم.. وعشان أثبت لكم إني ندمانة بجد، وعشان أكفر عن السبع سنين اللي وجعت فيهم قلب منى وقللت منها.. قررت الآتي:
أولاً: فيلا مصر الجديدة، والشقة الاستثمارية اللي في التجمع، وكل أرصدتي في البنوك.. تُقسم كالتالي: نصف الثروة بالكامل يُكتب باسم زوجة ابني، منى السيد.. بيع وشراء قطعي لا رجعة فيه.. النصف ده مش ورث، ده حقها وتعويض عن كل كلمة وجعتها وكل دمصة نزلت من عينيها بسبب غطيرتي وتكبري.. وعشان تفضل طول عمرها راسها مرفوعة ومحدش يقدر يقول عليها كلمة تقلل من مقامها.”
الأستاذ فريد وقف قراءة وبص لي.. أنا بقيت مشهورة، بوقي اتفتح وعيني برقت ومكنتش قادرة أنطق.. نص ثروة طنط تيسير؟ الفيلا والشقة والأرصدة؟ البنت اللي كانت بتقول عليها “بلدي ومش من مقامنا وبنت طنطا” بتكتب لها نص أملاكها باسمها عشان ترفع راسها؟
بصيت لشريف، لقيت دموعه نازلة بس الابتسامة على وشه.. مكنش زعلان ولا متفاجئ بغيرة، كان فرحان إن أمه ردت لي اعتباري حتى وهي في قبرها.
الأستاذ فريد كمل قراءة:
— “ثانياً: النصف الثاني من الأملاك يكتب باسم حفيدي الغالي مصطفى شريف الشافعي، ويكون شريف ابني هو الوصي عليه لحد ما يبلغ السن القانوني..
وثالثاً وأخيراً.. دي أمانة خاصة لمنى.. يا منى يا بنتي.. في الخزنة الصغيرة اللي في أوضة نومي في الفيلا، هتلاقي صندوق خشب مطرز باللؤلؤ.. الصندوق ده جواه طقم الذهب الأثري اللي ورثته عن أمي وجدتي.. الطقم ده كان برستيغي الغالي اللي مكنتش برضى ألبسه غير في وسط الأكابر.. أنا واهباه ليكي تلبسيه وتتمنظري بيه وسط أهلك وناسك في طنطا، لأنك أنتِ الكبيرة والأصل الطيب اللي بجد.. سامحيني يا بنتي، وعيشي مبسوطة مع جوزك وابنك.. تمت الوصية.”
#حكايات_منـي_السيـد
الأستاذ فريد قفل الورقة وحطها على المكتب وبص لنا بابتسامة دافية:
— مبروك يا مدام منى.. الست الوالدة ردت لك اعتبارك بطريقة تليق بأصلك.. الأوراق كلها جاهزة للتوقيع ونقل الملكية في أي وقت تحبوه.
خرجنا من مكتب المحامي وأنا حاسة إني طايرة في الهواء.. مش عشان الفلوس ولا الأملاك، والـله العظيم ما كان يهمني مليم واحد من فلوسهم.. أنا كنت طايرة لأن كرامتي اللي اتدوست سبع سنين، رجعت لي كاملة مكملة.. طنط تيسير اعترفت قدام نفسها وقدام محاميها وعيلتها إن “بنت طنطا” هي الكبيرة وهي صاحبة الأصل.
شريف وقف في نص الشارع، مسك إيدي وباسها قدام الناس كلها وعينيه بتلمع بالدموع:
— منى.. أمي ردت لك حقك.. وأنا النهاردة أسعد راجل في الدنيا.. لأنك رفعتي راسي وصونتي بيتي، وفي الآخر ربنا نصرك وخلّى اللي ظلمك يشهد بأصلك.
— الحمد لله يا شريف — رديت وصوتي مخنوق بالدموع والراحة. — الحمد لله.. أنا مش عاوزة الفيلا ولا عاوزة الفلوس.. أنا عاوزة نفضل كدا، إيدنا في إيد بعض، وبيتنا الصغير المليان بالبركة والرضا يفضل مفتوح لينا ولابننا.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
بعد أسبوع..
كنا في طنطا.. بس المرة دي مكنتش رايحة عيانة ومكسورة وشايلة شنطة الهدوم بهروب.. المرة دي كنا رايحين في عربية شريف الجديدة، ومصطفى لابس طقم شيك وبيضحك.. وأنا كنت لابسة فستان رقيق وجميل، وحاطة في رقبتي العقد اللؤلؤ اللي كان في صندوق طنط تيسير.
دخلنا بيت أهلي.. البيت الدافي اللي ياما حماني وشالني..
أبويا كان قاعد على كرسيه وأمي واقفة في المطبخ، وأحمد أخويا استقبلنا بالصوت العالي والترحيب. قعدنا كلنا حوالين السفرة، وشريف طلع عقود الملكية الجديدة وحطها قدام أبويا:
— عمي.. دي عقود الأملاك اللي أمي الله يرحمها كتبتها لمنى.. نص الثروة بالكامل بقى باسم بنتك.. أنا جاي النهاردة عشان أقولك إن أمانتك في عنيا، وإن منى بقت هي صاحبة المال والملك، وأنا شغال عندها وعند ابننا بالحب والرضا.
أبويا مسك العقود، بصلها بابتسامة هادية ومن غير ما يفتحها حطها في إيد شريف تاني وقال بحكمته المعهودة:
— يا شريف يا ابني.. الفلوس بتروح وتيجي، والعقود دي ورق.. لكن العقد الحقيقي هو اللي بينك وبين ربنا في صون بنتي.. أمك الله يرحمها عرفت الغلط وصلحته، وده يكفينا ويبيض وشها.. ومنى بنت عيلة السيد، عمرها ما كان يهمها الجاه.. صون بيتك يا ابني، وخلي المودة والرحمة هما قانونكم.
أمي دخلت بصينية الشاي بالنعناع وهي بتزغرد بفرحة هزت البيت كله، ومصطفى جرى على جده يقعد على رجله ويحكيله عن مدرسته الجديدة.
#حكايات_منـي_السيـد
بصيت حواليا.. بصيت لأبويا وأمي وأخويا، وبعدين بصيت لشريف اللي كان قاعد باصص لي بنظرة كلها حب وندم وفخر..
عرفت في اللحظة دي إن الصبر دايماً آخره جبر.. وإن الست اللي بتعدي مواقف عشان خاطر بيتها مش ضعيفة، دي ست بتشتري بأصلها.. بس لما بتقف وتدافع عن كرامتها، ربنا بينصرها وبيجيب لها حقها لحد عندها ولو بعد حين.
رجعنا شقتنا في القاهرة بالليل.. الشقة الدافية بتاعتنا..
دخلت المطبخ ووقفت قدام السفرة الخشب اللي اخترناها سوا واحنا بنضحك.. السفرة اللي مصطفى رص عليها الملاحات.. حطيت إيدي عليها وحسيت بالبركة واللمة..
شريف جه من ورايا، لف إيده حوالين وسطي وحضنّي بقوة وباس كتفي:
— منورتي يا ملكة بيتي.. ويا ست الكل.. تفتكري الحكاية كدا خلصت؟
لفيت وشي وبصيت في عينيه وابتسمت من كل قلبي، الابتسامة الحقيقية الدافية اللي غابت عن وشي سبع سنين:
— الحكاية مخلصتش يا شريف.. الحكاية لسه بتبدأ.. بس المرة دي بتبدأ صح.. بالحب والكرامة والأصل الطيب اللي عمره ما بيموت.
ومصطفى دخل جرى في وسطنا، وضمينا بعض إحنا الثلاثة في نص الصالة.. والنور كان مالي الشقة بالبركة والبهجة.. والباب اللي كان زمان “يفوت جمل”.. اتقفل علينا بالخير والأمان والسرور وللأبد.
النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *